تأتي العقوبات الأمريكية على مسؤولين أتراك، لتضيف صورة جديدة للتخبّط المستمر للموقف الأمريكي من العملية العسكرية التركية "نبع السلام". فبعد تفهّم واشنطن دوافع تركيا في البداية، تلقي اليوم بورقة العقوبات بعد تزايد الضغط الداخلي على إدارة ترمب.

تُشير التصريحات المتضاربة وتحرّكات البيت الأبيض الأخيرة إلى التخبّط المستمر للإدارة الأمريكية
تُشير التصريحات المتضاربة وتحرّكات البيت الأبيض الأخيرة إلى التخبّط المستمر للإدارة الأمريكية (Reuters)

أعلنت الإدارة الأمريكية الاثنين، إدارج 3 وزراء أتراك ووزارتين تركيتين على لائحة العقوبات، في إطار استهدافها عملية "نبع السلام" التي ينفذها الجيش التركي ضد التنظيمات الإرهابية شمالي سوريا.

العقوبات التي أُعلن أنها ستطال وزراء الدفاع والداخلية والطاقة والموارد الطبيعية، تأتي في سياق هروب البيت الأبيض إلى الأمام، بعد انتقادات داخلية جاءت حتى من أقرب داعمي ترمب، وبعد استعداد الكونغرس الأمريكي لفرض عقوبات أخرى من جانبه.

وتُشير التصريحات المتضاربة وتحرّكات البيت الأبيض الأخيرة، إلى التخبّط المستمر للإدارة الأمريكية، سواء فيما يتعلّق بالحضور والتأثير في الشرق الأوسط، أو فيما يخص العلاقة بتركيا والعملية العسكرية التي تخوضها ضد التنظيمات الإرهابية شرق الفرات شمالي سوريا.

مرسوم "عقوبات" على عجل

ذكر بيان صادر عن البيت الأبيض الاثنين، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقّع مرسوماً رئاسياً يمنح صلاحية لوزراتَي الخزانة والخارجية لفرض عقوبات على مؤسسات وشخصيات في تركيا.

وأوضح البيان أن "وزارتي الخزانة والخارجية ستحددان سوية العقوبات التي قد تشمل مصادرة أصول مسؤولين أتراك حاليين أو سابقين داخل الولايات المتحدة، قد يشكلون تهديداً على سلام أراضي سوريا وأمنها واستقرارها ووحدتها".

من جهتها، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية بياناً، أعلنت فيه فرض عقوبات على تركيا بسبب تنفيذها عملية نبع السلام في سوريا.

وأوضحت أنها أدرجت في هذا الإطار، وزراء الدفاع خلوصي أقار والداخلية سليمان صويلو والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز على لائحة العقوبات.

وأكد بيان الوزارة أنها أدرجت وزارتي الدفاع والطاقة والموارد الطبيعية التركيتين على لائحة العقوبات أيضاً.

وبموجب هذا القرار، في حال كانت هناك أصول للوزراء الثلاثة والوزارتين في الولايات المتحدة، فإنها ستجمّد، مع منعهم من القيام بمعاملات مالية مع الولايات المتحدة، وفق البيان.

من جانبه أصدر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بياناً في هذا الخصوص، قال فيه إن بلاده فرضت عقوبات على تركيا من أجل الضغط عليها لوقف عمليتها العسكرية شمالي سوريا.

تخبّط الموقف الأمريكي

قال نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس الاثنين، إن ترمب تحدث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وطالبه بـ"الوقف الفوري لإطلاق النار في سوريا".

وقال بنس للصحفيين في البيت الأبيض: "إن الولايات المتحدة لم تعط الضوء الأخضر لتركيا" لإطلاق العملية العسكرية في سوريا.

تصريح بنس يتعارض صراحة مع الموقف الأمريكي قبل أيام من العملية في يوميها الأولين، إذ يقول المحلل السياسي السوري حسين عبد العزيز إن تصريحات ترمب ومسؤولي إدارته "لم تتحدث إطلاقاً عن رفض أمريكي للعملية العسكرية التركية. وما كان مواربة أصبح حقيقة موضوعية، مع رفض الولايات المتحدة تمرير البيان الأممي في مجلس الأمن".

وأضاف عبد العزيز أنه "كان يمكن لواشنطن الاكتفاء بعدم التصويت على البيان بدلاً من رفضه، غير أن رفضها يحمل رسالة سياسية إلى تركيا، مفادها أن واشنطن لا تعارض العملية العسكرية".

من جهتها، قالت صحيفة الغارديان البريطانية: "إن البيت الأبيض يبدو أنه غيّر استراتيجيته فيما يخصّ العملية العسكرية التركية"، مضيفة أن ذلك جاء بعد تطوّر الأحداث ميدانياً بشكل لم يستوعبه البيت الأبيض، بالإضافة إلى الانتقادات الداخلية لترمب وسياسته.

ترمب مدفوعاً بضغط داخلي

قالت شبكة CNN الأمريكية إن العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب على تركيا، جاءت بعد أن واجه البيت الأبيض "انتقادات لاذعة من مُشرّعين جمهوريين ومن مسؤولين في الجيش الأمريكي".

وأشارت الشبكة إلى أن قرار إدارة ترمب السريع يجد تفسيراته في الضغط السياسي الداخلي، وجاء استباقاً للخطوة التي يخطط الكونغرس للقيام بها في الأيام القادمة، إذ "تقوم مجموعة من المشرعين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بوضع اللمسات الأخيرة على حزمة عقوبات خاصة، تهدّد بتقويض محاولات الرئيس ترمب" للتعامل مع الوضع في سوريا.

من جهة أخرى، قال الباحث السياسي جو معكرون إن تطوّرات الوضع بعد العملية العسكرية التركية أظهرت "مدى تخبط وإحباط وزارتَي الدفاع والخارجية من قرارات ترمب"، وأن العقوبات التي أعلن عنها ترمب تأتي في سياق و"وسط هذا التخبط".

وأشارت وكالة رويترز إلى أن تطورات العملية العسكرية التركية وإعلان ترمب سحب قواته من سوريا، جاءت في الوقت الذي تهاوت فيه الاستراتيجية التي انتهجتها الولايات المتحدة على مدى السنوات الخمس الماضية في سوريا بين عشية وضحاها، الأمر الذي دفع حتى أقرب داعمي ترمب إلى انتقاد سياسة إدارته.

موقف تركي مبدئي

وفي الوقت الذي يبدو فيه الموقف الأمريكي متخبطاً ومتغيّراً كل يوم، تحافظ تركيا على موقف واضح وصلب فيما يخص الوضع الميداني في سوريا وعمليتها العسكرية، إذ أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء، أن بلاده لن توقف عملية نبع السلام مهما كانت الانتقادات الموجّهة إليها.

كما أشار وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو السبت، رداً على تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بفرض عقوبات على تركيا، إلى أنه "قبل كل شيء رأينا سابقاً أنه لا يمكن التوصل إلى نتيجة عبر فرض العقوبات".

وأضاف أن "الولايات المتحدة سبق لها أن فرضت عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين، ونحن رددنا على تلك العقوبات بالمثل، أي أن تركيا سترد من مبدأ المعاملة بالمثل تجاه أي إجراء سلبي تجاهها".

وعلى الرغم من إعلان إدارة ترمب وقف المفاوضات بشأن اتفاق للتجارة الحرة مع أنقرة تصل قيمته إلى 100 مليار دولار، شهد سعر صرف الليرة التركية تحسناً طفيفاً بعد تراجعه منذ انطلاق العملية العسكرية. كما صعد مؤشر بورصة إسطنبول في ثاني جلسات الأسبوع، عقب خسائر لحقت به مطلع الأسبوع.

المصدر: TRT عربي - وكالات