يعتبر إعلان حفتر إنهاء العمل باتفاق الصخيرات مواصلةً لتطبيق تصوراته العسكرية التي تقف حائلاً أمام الحل السياسي في ليبيا والذي كان مقرراً أن يستأنف العمل عليه في مؤتمر برلين منتصف الشهر القادم.

حفتر أعلن في أبريل/نيسان الماضي هجومه على العاصمة طرابلس زاعماً
حفتر أعلن في أبريل/نيسان الماضي هجومه على العاصمة طرابلس زاعماً "تحريرها من الإرهاب" (AFP)

بينما كان الجميع يترقب عقد الملتقى الوطني الجامع يوم 4 أبريل/نيسان، اختار خليفة حفتر أن يوجّه مليشياته القادمة من شرق البلاد إلى العاصمة طرابلس فيما سمّاه وقتها "الحرب على الإرهاب" في حين كانت الحكومة المعترف بها دولياً تتجهز للمضي إلى عملية السلام وإيجاد حل سياسي في ليبيا.

لم يكن ذلك سوى استمرار لمنهجية حفتر المتبعة منذ دخول اسمه إلى الصراع في ليبيا، إذ عمد الرجل العسكري إلى اللجوء الدائم لسياسة الأمر الواقع وفرض المعطيات الميدانية كلما حاولت الدول الصديقة والمجتمع الدولي الوصول لاتفاق سياسي في ليبيا وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

فحفتر الذي تغيّب عن مؤتمر باليرمو وحضر لقاءات خاصة وقتها مع وفود فرنسية وإيطالية، والذي اختار دائماً اللقاءات الثنائية العابرة مع رئيس حكومة الليبية فايز السراج مثل لقاء باريس، كان رافضاً، إلى حد كبير، لاتفاق الصخيرات الذي أفضى إلى حكومة السراج المعترف بها دولياً، حسب ما أوردته صحيفة لوموند الفرنسية وقتها، وهو ما يبرر كلامه الدائم عن ضرورة الحسم العسكري دون حل سياسي.

وما كان إعلانه عن إنهاء العمل بالاتفاق سوى مواصلة لتصوراته العسكرية التي تقف حالياً سداً أمام الحل السياسي في ليبيا، والذي كان مقرراً أن يُستأنف العمل عليه في مؤتمر برلين منتصف الشهر القادم.

مؤتمر برلين واندثار الحل السياسي

وقبل أيام، ووفاء لعادته، لم يخيب خليفة حفتر ظن الليبيين والمتابعين للشأن الليبي؛ إذ أعلن المتحدث باسمه أحمد المسماري أن "وقت المفاوضات السياسية انتهى وأنه حان الآن وقت البندقية"، ساعات فقط بعد إعلان الرجل المسيطر على الشرق عن الساعة صفر للمرة الرابعة هذا العام.

الإعلان جاء في ظل حالة الحراك الدولي والتحضيرات لمؤتمر "برلين" من أجل الوصول إلى حل سياسي للأزمة الليبية، وهو ما طرح تساؤلات حول تحدي حفتر الجديد للمجتمع الدولي ومجلس الأمن وتأكيده على عدم جدوى أي حدث دولي حول ليبيا.

مزاعم حفتر وتصريحات المتحدث باسمه تأتي في وقت تواردت أنباء عن وصول وفود من دول أوروبية وعربية والمبعوث الأممي إلى ليبيا إلى العاصمة "برلين" من أجل التحضير للقمة الخاصة بالأزمة الليبية، ولقاء المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.

كما جاءت بالتزامن مع تقارب تركي كبير مع حكومة الوفاق الليبية وإعلان "أنقرة" أنها مستعدة لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا حال طلبت الحكومة الشرعية في "طرابلس" ذلك.

إلا أن هذا الموقف من حفتر الرافض للحل السياسي في ليبيا، لا يعكسه واقعياً تقدم عسكري واضح لقواته ميدانياً، إذ يواجه عدة عقبات في معركته على طرابلس مما جعل الحل العسكري أكثر استحالة.

استحالة سياسة الأمر الواقع

أثبتت الثمانية أشهر ونصف الأخيرة أن الحل العسكري هو الأبعد والأصعب في ليبيا، ويعود ذلك لعدة أسباب ميدانية وشعبية، تحُول دون حسم المعركة التي أقدم عليها حفتر.

فنظراً للنقص العددي الذي تعاني منه مليشيات حفتر، لجأت إلى الاستعانة بآلاف المرتزقة من السودان وتشاد، بالإضافة إلى مرتزقة شركة فاغنر الروسية، ناهيك عن مشاركة الطيران الإماراتي المُسيّر. كما سعت مليشيات حفتر للحصول على دعم عسكري ولوجيستي مصري وفرنسي، وبحثت عن غطاء دبلوماسي وفّرته كلٌّ من موسكو وواشنطن وباريس لحفتر في مجلس الأمن، وهو ما اعتبرته قطاعات واسعة من الشعب الليبي أشبه بغزو لقوات متعددة الجنسيات لبلادهم، مما استنفر سكان المنطقة الغربية على وجه الخصوص للدفاع عن العاصمة رغم بعض الخلافات مع حكومة الوفاق.

في السياق ذاته فإن أغلبية سكان المنطقة الغربية يرفضون الحكم العسكري الذي يمثله حفتر، الذي كان يُمنِّي نفسه بانتفاضة سكان طرابلس من الداخل لتسهل مهمة القوات القادمة من الشرق في اقتحامها، لكن العكس وقع في غريان، التي انتفض سكانها ضد قوات حفتر وبمساعدة كتائب من مصراتة والزنتان والزاوية تمكنوا من طردهم منها.

كما أن سكان طرابلس ومصراتة وزوارة خرجوا أكثر من مرة في مظاهرات منددة بهجوم حفتر على مدنهم الآمنة، وتهديده للنسيج الاجتماعي للمنطقة الغربية بعد مصالحات صعبة بين مدنها وقبائلها. ومما زاد رفضهم لسيطرة قوات حفتر على مدنهم، الجرائم التي ارتكبتها في حق المدنيين على غرار مجازر مرزق وتاجوراء والفرناج وأبو سليم، ناهيك عن قتل الأسرى والتمثيل بجثثهم بطرق مروعة تغرس روح الانتقام لدى أهاليهم.

ميدانياً، يعتبر بُعد خطوط الإمداد مأزقاً لمليشيات حفتر، إذ تنطلق هذه الخطوط من منطقة الرجمة بمدينة بنغازي (ألف كلم شرق طرابلس) بعد تجميعها من مدن وبلدات المنطقة الشرقية، ومن مطار بنينة في المدينة تُنقل إلى قاعدة الجفرة الجوية (600 كلم جنوب شرق طرابلس)، ومنها إلى غريان، ثم إلى محاور القتال جنوبي طرابلس، أي أنها تقطع مئات الكيلومترات وتحتاج إلى أيام للوصول إلى جبهات القتال في أحسن الأحوال.

لكن في كثير من الحالات تتمكن قوات حكومة الوفاق من قطع الإمدادات، على غرار ما حدث في غريان بعد أن سيطرت الوفاق عليها في 26 يونيو/حزيران الماضي، وقصف قوافل الإمدادات جواً، أو استهداف مناطق عبور الإمدادات وجعلها تحت مرمى نيران قوات الوفاق، على غرار سوق السبت والسبيعة وسوق الخميس (جنوب طرابلس)، وكان لذلك أثر سلبي على قوات حفتر في الجبهات الأمامية، التي عانت نقص الذخائر والوقود والمؤن، ما أدى إلى استسلام بعض عناصرها وغنم آليات ومدرعات بدون وقود مثلما حدث في السواني (35 كلم جنوبي طرابلس).

أما عددياً فمليشيات حفتر بجميع أفرادها من مرتزقة أجانب ومسلحين قبليين وعسكريين سابقين وسلفيين، وعصابات، يتراوح عددها بين 25 و30 ألفاً، منهم 7 آلاف عسكري مدرب فقط، يمثلون نواة قوات حفتر، وهؤلاء موزعون على مناطق شاسعة في شرق وجنوب وغرب البلاد، ومؤخراً اعترف المتحدث باسم قوات حفتر بذلك، وهو ما دفع حفتر إلى تجنيد المزيد من المرتزقة الأفارقة لملء الفراغ الذي تركته قواته بعد تحركها من الجنوب والشرق نحو طرابلس، وهو ما يفسر سقوط مدينة مرزق (800 كلم جنوب طرابلس) في يد قبيلة التبو حلفاء حكومة الوفاق.

المصدر: TRT عربي