تتنوع المشاريع التركية في إفريقيا بين المساعدات الإنسانية والمشاريع التنموية والاستثمار التجاري  (Mohammed Abdu Abdulbaqi/AA)

نشرت صحيفة الفاينانشال تايمز البريطانية تقريراً مطولاً بعنوان "لعبة أردوغان العظيمة: كيف تمدّ تركيا جذورها في إفريقيا بالمساعدات الإنسانية والتجارة؟"، وهو الأخير من سلسلة تقارير تحاول فهم تحركات تركيا الجيوسياسية وتحليلها في المنطقة.

يبدأ التقرير بنقل مشهد يبدو معتاداً في دول القرن الإفريقي، يجلس فيه زوجان لمشاهدة التلفزيون، ويعكس جهاز التحكم تردُّدهم في الاختيار، بين مشاهدة نتائج الانتخابات الأمريكية على شبكة CNN، وتقارير الحرب في إحدى القنوات الإخبارية المحلية، والمسلسل الدرامي التركي "اسمها السعادة - Adı Mutluluk".

في النهاية استقر اختيارهم على المسلسل التركي مدبلجاً باللغة الأمهرية، "الحقيقة أننا نحب هذه الدراما" كانت الجملة التي ردَّدها الزوجان.

يعكس هذا المشهد الذي يجسد الشعبية الواسعة للبرامج التركية في إثيوبيا، مركز السلطة في القرن الإفريقي، الحضور المتزايد لأنقرة في المنطقة التي أصبحت محطّ اهتمام ونقطة جذب للقوى الأجنبية.


ويرى خبراء حسب الصحيفة البريطانية أن القوة الناعمة التي توظّفها تركيا تستهدف تحجيم النفوذ المتزايد للقوى العالمية في إفريقيا، دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة، وبعض الدول الغربية مثل الولايات المتحدة وفرنسا والصين وروسيا من جهة أخرى.

"نجاح منقطع النظير ومستمر" كان تعبير أحد مؤسسي القناة الإثيوبية Kana Television الفضائية الخاصة، عن مدى الإقبال الجماهيري على المحتوى الترفيهي التركي.

فقد استطاعت تركيا توظيف التجارة والمساعدات الإنسانية والمشاريع التنموية وحتى المسلسلات الدرامية ببراعة لترسيخ أقدامها في القارة الإفريقية، وهو ما وصفه مايكل تانشوم خبير السياسة الخارجية التركية بأنه "استغلال جيد لمزايا القوة الناعمة التي تتمتع بها تركيا"، حسب التقرير.

تهتم تركيا بالمشاريع التنموية في إثيوبيا بمختلف المجالات الإنسانية من تعليم وصحة  (AA)

المحور الإفريقي
ظلّت إفريقيا مهمشّة إلى حد كبير بالنسبة إلى تركيا خلال العقود التي أعقبت انهيار الإمبراطورية العثمانية، واختار حكامها على مدار تلك السنوات تجاهل إفريقيا والتوجّه نحو أوروبا بدلاً منها، حتى وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الحكم.

فقد توجّه أردوغان نحو الاستثمار في إفريقيا وإحياء الروابط المقطوعة معها على مدى الـ15 عاماً الماضية.


فقد ارتفع عدد السفارات التركية في إفريقيا من 12 إلى 42 سفارة منذ عام 2009، وتحول أردوغان إلى زائر دائم فقام برحلات إلى أكثر من 20 عاصمة إفريقية.

عبّر الرئيس التركي عن محورية إفريقيا في عدة مناسبات، آخرها تصريحه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي حينما وصف علاقة الأتراك بالأفارقة بأنها "علاقة من قُدّر لهم أن يكونوا شركاء".

كما يهدف أردوغان إلى مضاعفة حجم التجارة المتبادلة بين البلدين إلى 50 مليار دولار خلال السنوات القليلة القادمة، أي ما يقارب ثلث تجارة تركيا حالياً مع دول الاتحاد الأوروبي.

يمكن ملاحظة القيمة الاقتصادية والجيوسياسية الكبيرة التي تمثلها إفريقيا بالنسبة إلى تركيا في استثمار أنقرة بمشاريع البنية التحتية بجميع أنحاء القارة، بدءاً من الاستاد الأولمبي في السنغال وصولاً إلى أكبر قاعدة عسكرية تركية في الخارج بالصومال والمسجد الكبير في جيبوتي.

وقد وصل اهتمام تركيا إلى حد التدخل عسكرياً في بعض الملفات المتوترة، مثل تقديمها الدعم لحكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً (في نزاعها مع الجنرال الانقلابي خليفة حفتر).

قبل نحو عام، اختارت منظمة سنغالية غير حكومية منح الرئيس أردوغان جائزة شخصية العام، ما أثار استياء فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة.

"تبحث البلدان الإفريقية التي كانت مستعمرات فرنسية فيما سبق، عن بدائل لفرنسا، فهم لا يرغبون في مقايضة كونهم مستعمرات فرنسية جديدة، بأن يكونوا مستعمرات صينية جديدة، وهنا تقدم تركيا طريقاً ثالثاً" وفقاً لحديث عبد الله حلاخي الخبير في الشأن الإفريقي.

وتابع حلاخي: "يرى أردوغان أن وقت مدّ النفوذ التركي خارج حدود دولته قد حان، وهم مقارنةً بالقوى الأخرى يعرفون تماماً وأفضل من البقية أين يضعون أموالهم لتعود عليهم بالاستثمار الناجح".

إثيوبيا.. بوابة القارة الإفريقية

ترى يبرق ألب، السفيرة التركية في أديس أبابا، أن سياسة تركيا تجاه إفريقيا تستند إلى قناعة بأن القارة "لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وأنها تمتلئ بإمكانات وطاقات إنسانية هائلة، بالإضافة إلى المشاريع التنموية والاقتصادية بالطبع"، على حد تصريحها للصحيفة البريطانية.

وتعتبر إثيوبيا تحديداً ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، كذلك فإنها تمثل مسرحاً للقوى العالمية المتصارعة في القرن الإفريقي.

وتاريخياً كانت إثيوبيا هي المنطقة التي أرسلت إليها مهمات بحرية بشكل دوري في القرن السادس عشر خلال العهد العثماني، ما جعل السفيرة التركية تصفها بأنها "بوابة القارة الإفريقية".

وقد تمكنت تركيا من بناء شراكة مثمرة وهامة مع إثيوبيا، فهي تعدّ ثالث أكبر مستثمر لرأس المال التشغيلي هناك بعد الصين في المرتبة الأولى تليها السعودية، حسب بيانات هيئة الاستثمار الإثيوبية.

وقد تمكن الانتعاش الاقتصادي الذي تمرّ به إثيوبيا 2005 من اجتذاب المستثمرين الأتراك، وذلك بعد أن سعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للقيام بإصلاحات اقتصادية واسعة منذ وصوله إلى السلطة عام 2018.

فقد وصلت استثمارات الشركات التركية في إثيوبيا وحدها إلى نحو 2.5 مليار دولار من إجمالي حجم استثمارات تركية في جنوب الصحراء بلغت نحو 6 مليارات دولار، حسب تصريحات مسؤولين أتراك للصحيفة البريطانية.

ويوجد اليوم نحو 200 شركة تركية في إثيوبيا مقارنةً بثلاث شركات فقط عام 2005، وتتنوع تخصصاتها من مواد البناء إلى المنسوجات والسلع الغذائية، ولفتت الصحيفة إلى إصرار المستثمرين الأتراك إذ لم يوقِّفهم حتى النزاع في إقليم تيغراي عن الاستمرار في مشروعاتهم.

وهو ما دفع كونيت كول رئيس مجلس الأعمال التركي الإثيوبي لمجموعة DEIK إلى تأكيد أن "الشركات التركية لا تزال مستعدة للاستثمار في مجالات الزراعة والصحة والطاقة"، مضيفاً: "كل من لديه استعداد جيد سيستفيد مما يحدث".


TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً