تحاول واشنطن بناء حلف دولي لمعاقبة الصين (AP)

لا يكاد يمر يوم دون اتهام من الإدارة الأمريكية للصين أو تحذير أو ورسالة شديدة اللهجة حول ملف ما في قضايا حقوق الإنسان، أو اتهامات بالتجسس، أو تلويح بعقوبات تجارية، إلى الدرجة التي تبعث على التساؤل: لماذا تفتح واشنطن الجبهات كلها مرة واحدة مع بكين بهذه الصورة.

كان آخر هذه الأزمات طلب الولايات المتحدة من الصين إغلاق قنصليتها في هيوستن، وسط اتهامات واسعة النطاق بضلوع مسؤولين صينيين في أنشطة تجسس، مما يمثّل تدهوراً كبيراً في العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم.

في حين أشارت مصادر مطلعة إلى أن المسؤولين بالحزب الشيوعي في بكين يدرسون في المقابل إغلاق القنصلية الأمريكية في مدينة ووهان وسط البلاد.

ووصفت وزارة الخارجية الصينية الإجراء بأنه "تصعيد غير مسبوق". وأمهلت الولايات المتحدة الصين 72 ساعة فقط لإغلاق القنصلية. ونددت الصين بالخطوة الأمريكية متوعدة بالرد، لكنها لم توضح الإجراءات التي قد تتخذها.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن القرار اتُّخذ "لحماية الملكية الفكرية الأمريكية والمعلومات الخاصة للأمريكيين".

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن ديفيد ستيلويل، الدبلوماسي الأمريكي البارز المتخصص في شؤون شرق آسيا، قوله إن القنصلية الصينية في هيوستن كانت في "بؤرة" جهود الجيش الصيني لتعزيز مزاياه الحربية من خلال إرسال طلاب إلى الجامعات الأمريكية. وأضاف للصحيفة: "اتخذنا خطوة عملية لمنعهم من ذلك".

سباق رئاسي.. مَن يضيق على الصين أكثر؟

يأتي هذا في وقت يتنافس فيه الرئيس دونالد ترمب وخصمه الديمقراطي جو بايدن فيما يبدو على أيهما يسبق الآخر في إظهار التشدد إزاء الصين في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

وفي ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء في هيوستن، تَوجَّه رجال إطفاء إلى القنصلية الصينية بعد رؤية دخان. وقال مسؤولان بالحكومة الأمريكية إن لديهما معلومات تفيد بإحراق وثائق هناك.

وتدهورت العلاقات بين واشنطن وبكين بشكل حادّ هذا العام بسبب مجموعة من القضايا، بدءاً من فيروس كورونا وعملاق تكنولوجيا الاتصالات هواوي إلى مطالب الصين بالسيادة في بحر الصين الجنوبي وفرض بكين قانوناً أمنياً جديداً على هونغ كونغ.

وقالت مستشارة البيت الأبيض كيليان كونواي الأربعاء عندما سُئلت عن الرسالة التي تريد الولايات المتحدة إرسالها من خلال إغلاق القنصلية الصينية في ولاية تكساس، إن الرئيس دونالد ترمب لا يزال غير راضٍ عن الصين بسبب تعاملها مع تفشي فيروس كورونا المستجد الذي حصد أرواح أكثر من 140 ألف أمريكي.

وأضافت رداً على سؤال لأحد الصحفيين عن الإغلاق الذي وقع قبل ساعات: "أعتقد أن الرئيس أوضح تماماً أنه غير راضٍ عن الصين. الواقع أن الفيروس الصيني أطلق إلى هذا البلد وفي أنحاء العالم مع قليل جداً من المعلومات والصدق والشفافية من الصين".

واشنطن تحشد

وفي تصريحات خلال زيارة للدنمارك، كرّر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الاتهامات للصين بسرقة حقوق الملكية الفكرية الأمريكية والأوروبية، وهو ما قال إنه تسبب في فقدان "مئات الآلاف من الوظائف".

ولم يقدم بومبيو أي تفاصيل محددة بشأن القنصلية الصينية في هيوستن، لكنه أشار إلى اتهام وزارة العدل الأمريكية الثلاثاء، لاثنين من المواطنين الصينيين بشأن ما وصفه بحملة تجسس إلكترونية تمتد لعشرة أعوام استهدفت متعاقدين في مجال الدفاع وباحثين في ملفّ كورونا ومئات الضحايا الآخرين في أنحاء العالم.

وقال بومبيو للصحفيين: "الرئيس ترمب قال ما فيه الكفاية. لن نسمح لهذا الوضع بالاستمرار. الرئيس يتخذ هذه الإجراءات التي ترونها، وسنستمر في ذلك".

وأضاف الوزير الأمريكي أيضاً من بريطانيا، أن الولايات المتحدة ترغب في تشكيل ائتلاف عالمي لمواجهة الصين واتهم بكين باستغلال وباء فيروس كورونا في خدمة مصالحها.

وأثنى بومبيو على قرار رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون منع شركة هواوي الصينية من العمل في شبكات الجيل الخامس للهاتف المحمول في بريطانيا، قائلاً إنه كان القرار الصائب لأن البيانات كان من الممكن أن تصل إلى الحزب الشيوعي الصيني في نهاية المطاف.

ووصف بومبيو الصين بأنها معتدية، وقال إن لها مطالب سيادة بحرية غير مشروعة وتمارس البلطجة على دول في منطقة الهيمالايا وأخفت تفشي فيروس كورونا واستغلته لخدمة مصالحها بطريقة "مخزية".

وكانت بريطانيا أعلنت الاثنين أنها ستعلق معاهدة لتسليم المطلوبين مع هونغ كونغ في تصعيد لنزاعها مع الصين بشأن تطبيق قانون للأمن القومي في المستعمرة البريطانية السابقة.

وأبلغ وزير الخارجية دومينيك راب مجلس العموم أن المعاهدة ستُعلَّق على الفور وأن حظر الأسلحة المفروض على الصين سيمتدّ إلى هونغ كونغ.

ملفات أمنية وعسكرية

وفي وقت سابق قالت البحرية الأمريكية الثلاثاء، إن الولايات المتحدة تجري تدريبات عسكرية في المياه الآسيوية هذا الأسبوع مع حلفائها اليابان وأستراليا والهند.

وتأتي التدريبات في وقت يتصاعد فيه التنافس العسكري بين الولايات المتحدة والصين، وبعد أيام من قول الولايات المتحدة إن مزاعم السيادة الصينية في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه غير قانونية.

ولطالما عارضت الولايات المتحدة مزاعم الصين بالسيادة على مناطق واسعة في بحر الصين الجنوبي، وترسل بشكل دوري سفناً حربية عبر الممر المائي الاستراتيجي لتأكيد حرية الملاحة.

وتعارض الصين مثل هذه التدريبات، وقالت إن رفض الولايات المتحدة مطالبها بالسيادة في بحر الصين الجنوبي أثار التوتر وقوض الاستقرار في المنطقة.

ونُشرت حاملتا الطائرات الأمريكيتان نيميتز ورونالد ريجان في بحر الصين الجنوبي مرتين هذا الشهر، لكن البحرية الأمريكية قالت إن نيميتز كانت هذا الأسبوع في المحيط الهندي لإجراء تدريبات مع البحرية الهندية في أحدث إشارة إلى التعاون المتنامي بين القوتين البحريتين للدولتين.

كما توترت علاقات الهند مع الصين في الآونة الأخيرة بعد اشتباكات مميتة في الأراضي المتنازع عليها على الحدود بينهما في الشهر الماضي، مما أثار مطالبات بتعزيز علاقات الهند الأمنية مع الولايات المتحدة وحلفائها، ومن بينهم اليابان لتحقيق التوازن في الأمن الإقليمي.

وكان بومبيو صرح الأربعاء بأن الاشتباكات التي وقعت في الآونة الأخيرة على الحدود بين الهند والصين هي أحدث مثال على "السلوك غير المقبول" للحزب الشيوعي الصيني.

وأدلى بومبيو بهذا التعليق خلال قمة أفكار الهند لمجلس التجارة الأمريكي الهندي التي تجرى على الإنترنت، مضيفاً: "أنا واثق أننا نستطيع من خلال تضافر جهودنا أن نحمي مصالحنا".

وقبل ذلك بحثت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرض حظر سفر على جميع أعضاء الحزب الشيوعي الصيني وعائلاتهم إلى الولايات المتحدة في مقترح وصفته الصين بأنه عبثي.

وكان ترمب وقع في وقت سابق أمراً تنفيذياً لإنهاء المعاملة الاقتصادية التفضيلية لهونغ كونغ، مما يسمح له بفرض عقوبات وقيود على التأشيرات للمسؤولين الصينيين والمؤسسات المالية المشاركة في فرض القانون.

وفي ملف آخر قال وزير الخارجية التايواني جوزيف وو الأربعاء، إن الصين تكثف استعدادها العسكري للسيطرة على تايوان، وذلك في أعقاب زيادة في التدريبات العسكرية الصينية بالقرب من الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها.

وأضاف: "هذا السلوك يقلقنا"، مشيراً إلى أن تايوان تعزز علاقاتها الأمنية مع حلفائها بمن فيهم الولايات المتحدة التي لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، لكنها أقوى داعم دولي لها ومورّد أسلحتها الرئيسي.

وبجانب حلفاء واشنطن مثل بريطانيا التي سافر إليها بومبيو لحشدها بجانب إدارة ترمب في المعركة مع الصين، فتحت فرنسا ملفاً آخر يُدين الصين، إذ أدان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان الثلاثاء، طريقة معاملة المسلمين الأويغور في الصين، وقال إن باريس تريد السماح لمراقبين مستقلين بدخول منطقتهم.

وقال لو دريان للنواب في البرلمان: "كل الممارسات في تلك المنطقة غير مقبولة لأنها تتعارض مع كل المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ونحن ندينها بأشدّ العبارات".

وأضاف: "نطلب أن تسمح الصين بدخول مراقبين دوليين مستقلين إلى تلك المنطقة، والسماح للمفوض السامي لحقوق الإنسان بالدخول بحرية إليها".

وتتابع الولايات المتحدة بتمعُّن حملة القمع الصينية ضد أقلية مسلمة في إقليم شينجيانغ، في الوقت الذي تدرس فيه واشنطن فرض مزيد من العقوبات على مسؤولين صينيين كبار وشركات على صلة بانتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان.

ويسمح قانون "غلوبال ماجنيتسكي" لواشنطن بفرض حظر على تأشيرات الدخول وعقوبات على أفراد في أي مكان بالعالم مسؤولين عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أو أعمال فساد كبرى.

وتقول الأمم المتحدة إنها تلقت تقارير أفادت بأن نحو مليون فرد من عرقية الأويغور قد يكونون محتجزين بشكل غير قانوني في شينجيانغ، ودعت إلى إطلاق سراحهم.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً