الأطباء ومهنيو قطاع الصحة شكلوا منذ بداية الجائحة حول العالم صف الدفاع الأول، غير أنهم في فرنسا باتوا على شفا الانهيار التام (AFP)

سجلت فرنسا نهاية الأسبوع الماضي زيادة في أعداد مصابي فيروس كورونا في وحدات الرعاية المركزة بالمستشفيات، في الوقت الذي تبحث فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون عن مؤشرات إلى انحسار الموجة الثالثة من الوباء.

فرنسا التي تحتل المركز الأول أوروبياً والرابع عالمياً في عدد الإصابات بفيروس كورونا، تخوض حملة تطعيم ضعيفة ومتباطئة حتى الساعة، وتعيش منذ نهاية مارس/آذار إغلاقاً يُعدّ الثالث من نوعه، غير أن نتائجه باتت في دائرة الشك.

الأطباء ومهنيو قطاع الصحة شكلوا منذ بداية الجائحة حول العالم صف الدفاع الأول، غير أنهم في فرنسا باتوا على شفا الانهيار التام، مرجعين سبب ذلك إلى سياسات ماكرون منذ بداية الوباء، وضعف النظام الصحي لفرنسا مقارنة بجيرانها، والمشاكل التي تنخر مؤسسات الصحة العمومية حتى قبل الوباء.

"على شفا الانهيار"

نشرت صحيفة ليبيراسيون الفرنسية تقريراً يتناول أوضاع الأطباء والعاملين في مجال الصحة بعد قرابة عام ونصف العام من بداية انتشار فيروس كورونا عالمياً، ناقلة عدداً من الشهادات التي تكشف الإنهاك الحاصل في القطاع الذي بات على شفا الانهيار.

ونقلت الصحيفة عن كارين لوكومب، مديرة قسم الأمراض المعدية في مستشفى "سانت-أنطوان" الباريسي العريق، قولها: "نحن متعبون ومحبطون، لم نعد نعلم كثيراً عن اتجاه القرارات التي ستتخذها السلطات العمومية".

وأشارت الصحيفة إلى الضغط الحاصل على العاملين في قطاع الصحة داخل مستشفياتهم، بالإضافة إلى التجاهل الذي يلقونه من حكومة إيمانويل ماكرون، التي يقولون إنها متفردة بقراراتها ولا تستمع لرأي ذوي الاختصاص.

ففي الوقت الذي كانت تطالب فيه الأطر الصحية والعلمية بفرض إغلاق شامل في البلاد مطلع السنة الجارية، تجاهلت الحكومة هذا المطلب، ما رفع عدد الإصابات، قبل أن تقرر فرض الإغلاق متأخرة قبل قرابة شهر، وهو ما لم يجدِ كثيراً.

وتقول الصحيفة إن السلطات العمومية وعلى رأسها الحكومة تتخذ إجراءات مربكة، فيما تبدو إجراءاتها معقدة وغير قابلة للفهم، ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يخفف الإغلاق من حجم الإصابات وينقصها، لا تزال أعداد المصابين يومياً عالية.

في هذا الصدد، يقول البروفيسور ومدير الصحة العامة سابقاً، فرنسوا بورديون: إن "السلطات العمومية قررت العيش مع الفيروس… وقرارات المجلس العلمي باتت تخرج اليوم غير مبالية… ورجال السلطة باتوا يتصرفون وكأنهم علماء أوبئة، ويتدخلون في مسائل خارج اختصاصهم".

يعد الرهان على لقاح أسترازينيكا وحده واحداً من أوجه فشل حكومة ماكرون في إدارة أزمة كورونا (Reuters)

يأتي ذلك بعد أسابيع قليلة من توقيع مجموعة من المديرين الطبيين في مستشفيات باريس عريضة نشرتها صحيفة لوجورنال دو ديمانش، حذّرت من أن انهيار النظام الصحي في العاصمة جراء الضغط قد يدفعهم في اتجاه احتمال الاضطرار إلى "فرز المرضى" واختيار من يعيش ومن يموت.

أزمة نظام.. فشل ماكرون

بدورها تناولت صحيفة ليزيكو الفرنسية الأزمة التي تتجاوز بُعدها الصحي لتكشف عن هشاشة النظام الإداري المترهل في المؤسسات الفرنسية، وعدم قدرة حكومة ماكرون أو حتى حكومات الرؤساء السابقين على تحديدها وحل مشاكلها.

وقالت الصحيفة إن الحكومة والمؤسسات العمومية فشلت في وضع نظام واضح يتم على أساسه استقبال مرضى كورونا الذين يعانون من حالات حرجة، وهو ما يزيد من خطر موتهم، كما يزيد من ارتفاع احتمالية انتشار الفيروس خلال سعيهم إلى إيجاد سرير في مستشفى.

وفي حوار أجرته معها صحيفة لوموند الفرنسية، قالت ديفي سريدهار، أستاذة الصحة العامة في جامعة إدنبره، إن فرنسا التي أرادت أن تنتهج سياسات تحافظ على الاقتصاد في ظل الوباء، باتت اليوم "خاسرة على كل الصعد، اقتصادياً وصحياً. لديها موتى ولديها أزمة".

ويعد الرهان على لقاح أسترازينيكا وحده واحداً من أوجه فشل حكومة ماكرون في إدارة أزمة كورونا، فبعد تأخر وصول شحنات اللقاح إلى دول أوروبا، كانت بعض هذه الدول بدأت عمليات التلقيح باستخدام أنواع أخرى، في حين ظلت فرنسا رهينة أسترازينيكا ما جعلها متأخرة عن نظيراتها في التلقيح خصوصاً جارتها بريطانيا.

وفي مقال رأي على صحيفة الغارديان، يقول الأكاديمي فيليب مارليير إن استراتيجية ماكرون في مواجهة كورونا باتت اليوم محط شك لدى الفرنسيين، ففي الوقت الذي أجل فيه الرئيس الإغلاق كي يظل الاقتصاد مفتوحاً ويتجنب سخط العمال، فإنه بسوء تدبيره هذا خسر تأييد العديد من الفرنسيين، قبل قرابة سنة من موعد الانتخابات.

هذا الأمر تؤكده نتائج استطلاع رأي أجرته شركة BVA الفرنسية قبل أيام، وأظهر أن 6 فرنسيين من أصل 10، أي 61% منهم، يستبعدون التصويت لإيمانويل ماكرون في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2022 إذا ترشح مرة أخرى، فيما اعتبرته الأغلبية منهم "رئيساً سيئاً".

TRT عربي
الأكثر تداولاً