شهد ميدان الاعتصام أمام مقر القيادة العامة في السودان اقتحاماً لقوات الدعم السريع خلّف عشرات القتلى. واتهم المعتصمون الجيش بمحاولة فض اعتصامهم وانقلابهم على الاتفاق، فيما نفى المجلس العسكري نيته ذلك، ودعت دول أوروبية لإجراء تحقيق شفّاف في الحادثة.

المعتصمون في السودان يعلنون وقف التفاوض مع المجلس العسكري
المعتصمون في السودان يعلنون وقف التفاوض مع المجلس العسكري (Reuters)

بعد أيام من التهديد والوعيد، اقتحمت قوات الدعم السريع التي يرأسها محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، اعتصام القيادة العامة في العاصمة الخرطوم، الذي يطالب بتسليم السلطة للمدنيين في البلاد، مما أوقع 13 قتيلاً ومئات الجرحى، حسب قادة حركة الاحتجاج الذين أكّدوا استمرار تحركهم حتى إسقاط المجلس العسكري الحاكم، عبر الإضراب والعصيان المدني.

"يد الغدر والبطش تعيث في دماء الشعب وتقتل وتسحل وتحرق منطقة الاعتصام"، هكذا وصف تجمع المهنيين السودانيين إقدام قوات المجلس العسكري على فض اعتصام القيادة العامة، بل لم يقتصر استخدام كلمة الغدر على بيان تجمع المهنيين، بل تكرر في أكثر من منبر وعلى لسان أكثر من طرف، وتداوله الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي.

في مقابل ذلك لا يزال المجلس العسكري الانتقالي مصراً على روايته بأنه لم يستهدف الاعتصام وليست له إرادة لفضّه، بل كان غرضه إبعاد بعض الجماعات "الخارجة عن القانون" بالقرب من منطقة الاعتصام، لكن تبدو هذه الرواية غير مقنعة لقوى إعلان قوى الحرية والتغيير التي قالت إن المجلس العسكري "كشف عن وجهه الحقيقي".

بسم الله الرحمن الرحيم بيان صحفي جماهير شعبنا الأوفياء منذ إندلاع ثورتكم المباركة في أبريل إنحازت القوات المسلحة...

Posted by ‎المجلس العسكري الإنتقالي - السودان‎ on Monday, 3 June 2019

"رابعة" جديدة؟

بمجرد تصاعد الدخان الأسود وانتشار لهيب النار داخل خيام الاعتصام، عاد المشهد إلى عام 2013، عندما اقتحم الجيش المصري ميداني رابعة والنهضة وخلف المئات من القتلى والجرحى، بعد انقلابه على السلطة المدنية وقتها.

السياق السياسي ليس ببعيد عن مسار ما حصل في مصر قبل سنوات، ففي 24 مايو/أيار الماضي، زار محمد حمدان دقلو الملقب باسم حميدتي، المتحكم الفعلي في المجلس العسكري، المملكة العربية السعودية، ليلتقي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في أول زيارة خارجية له، في ذات الفترة كان عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس في مصر ثم انتقل لزيارة وليّ عهد أبو ظبي محمد بن زايد بعدها.

وفد عسكري بقيادة نائب رئيس المجلس العسكري الإنتقالي السوداني يصل المملكة العربية السعودية ويلتقي ولي العهد سمو الأمير...

Posted by ‎المجلس العسكري الإنتقالي - السودان‎ on Friday, 24 May 2019

بعد هذه الزيارات بدأت لهجة المجلس العسكري الانتقالي تتسم بالتصعيد والشدة، أولها كان ما نقلته وكالة رويترز على لسان المتحدث باسمه عندما قال إن "ميدان الاعتصام أصبح خطراً على البلاد"، إثرها مباشرة جاءت التعليمات بالتضييق على وسائل الإعلام الخارجية وحصر نشاطاتها، وكانت أول ضحية لذلك قناة الجزيرة.

وجاء صباح الإثنين بأخبار فض الاعتصام وبمشاهد القتل والاقتحامات، في ما وصفه تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في بيانات متتالية بـ"المجزرة الدموية"، واصفاً المجلس العسكري بأنه "غدر بالآلاف من المعتصمات والمعتصمين من أبناء وبنات شعبنا الثوار بمحيط القيادة العامة للجيش، مطلقاً الرصاص بسخاء حقود".

قوى إعلان الحرية والتغيير بيان مشترك رقم (٢) إعلان وقف التفاوض مع المجلس الانقلابي والدعوة للعصيان المدني تواصل قوى...

Posted by ‎تجمع المهنيين السودانيين‎ on Monday, 3 June 2019

مطالبات بالتحقيق

أدان الاتحاد الإفريقي، العنف ضد المعتصمين، داعياً إلى إجراء تحقيق "فوري وشفاف" من أجل محاسبة المسؤولين عن ذلك. جاء ذلك في بيان صادر عن المفوضية الإفريقية التي تعتبر الأمانة العام للاتحاد وجهازه التنفيذي، نشر عبر الموقع الرسمي للتكتّل القاري، قال فيه "ندين، بشدة، أعمال العنف التي اندلعت اليوم بالخرطوم، وأدت إلى سقوط عدة قتلى وجرح مدنيين".

ودعا إلى "إجراء تحقيق فوري وشفاف، من أجل مساءلة جميع المسؤولين"، داعياً في الوقت نفسه "المجلس العسكري الانتقالي في السودان إلى حماية المدنيين من المزيد من الأذى".

وكانت السفارة الأمريكية في الخرطوم قالت في تغريدة على حسابها في تويتر إن "الهجمات التي تقوم بها القوى الأمنية السودانية ضد المتظاهرين ومدنيين آخرين خطأ ويجب أن تتوقف". واعتبر البيان أن "المسؤولية تقع على المجلس العسكري الانتقالي. المجلس غير قادر على قيادة شعب السودان بشكل مسؤول".

وقال السفير البريطاني في الخرطوم عرفان صديق من جهته في تغريدة إنه سمع "إطلاق نار كثيفاً" من منزله.

وأضاف "لا اعتقد أنه لا تزال للمفاوضات أرضية صلبة، فالمجلس يعمل على إضعاف مكونات الثورة والأسس الأساسية لها، ويلوّح بعصا فض الاعتصام وسفك الدماء".

وكتب وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت على تويتر، "يتحمل المجلس العسكري المسؤولية الكاملة عن هذا العمل، والمجتمع الدولي سيحاسبه".

وطالبت وزارة الخارجية المصرية الأطراف السودانية باستئناف الحوار بشأن الفترة الانتقالية، وقالت في بيان "تؤكد مصر على أهمية التزام كافة الأطراف السودانية بالهدوء وضبط النفس والعودة إلى مائدة المفاوضات والحوار بهدف تحقيق تطلعات الشعب السوداني".

بدوره، قال الباحث السياسي السوداني مازن حميدي لـTRT عربي إن "المجلس العسكري يماطل بدهاء، ويمارس سياسة الشد والجذب".

وأضاف "لا اعتقد أنه ما تزال توجد أرضية صلبية للمفاوضات، فالمجلس يعمل على إضعاف مكونات الثورة والأسس الأساسية لها، ويلوّح بعصا فض الاعتصام وسفك الدماء".

وقال "وإن قبلت المعارضة، تبقى الخشية من مخططات المجلس العسكري، بخاصة أنه سبق أن نكث بالاتفاقات المختلفة".

المصدر: TRT عربي