أثارت الحملة التي أطلقها وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان، لمكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية، موجة من الاحتجاجات لمّا طالت العمال الفلسطينيين، في مشهدٍ وصفه قادة الفصائل الفلسطينية بأنه يخدم صفقة القرن، رغم نفي الوزير.

طالب المحتجون الفلسطينيون وزارة العمل بعدم ملاحقة العمال الفلسطينيين الذين تكفيهم المعاناة والحصار في المخيمات
طالب المحتجون الفلسطينيون وزارة العمل بعدم ملاحقة العمال الفلسطينيين الذين تكفيهم المعاناة والحصار في المخيمات (وسائل التواصل الاجتماعي)

لم تمر الحملة التي أطلقها وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان، لمكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية، مروراً عادياً، إذ أثارت موجة من الاحتجاجات والإدانات لمّا طالت العمال الفلسطينيين، في مشهدٍ وصفه قادة الفصائل الفلسطينية بأنه يخدم صفقة القرن، رغم نفي الوزير لذلك وتأكيده أنه يحترم الاستثناءات المخصصة لهم.

الحادثة

أطلقت وزارة العمل اللبنانية في 10 يوليو/تموز الجاري حملة تستهدف العمالة "الأجنبية غير الشرعية" في البلاد. ومنحت أصحاب المؤسسات مهلة شهر لتسوية أوضاع عمالهم غير اللبنانيين، قبل أن تبدأ الأسبوع الماضي بمداهمات أغلقت خلالها عدداً من المؤسسات غير مستوفاة الشروط القانونية وأنذرت أصحاب مؤسسات أخرى بالحصول على إجازات عمل لعمالهم غير اللبنانيين.

ونُظر إلى هذه الخطوة على أنها تعني بشكل أساسي اللاجئين السوريين في لبنان، إلا أنها طالت وبشكل محدود لاجئين فلسطينيين، مما دفعهم إلى التحرك خشية تداعيات أكبر.

وقالت قيادة فصائل منظمة التحرير في لبنان الأحد، إن السلطات بدأت تلاحق العمال الفلسطينيين في أماكن عملهم، وتحرّر محاضر ضبط قانونية ومالية بحق مشغليهم، بحجة مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية في البلاد.

كما قالت وسائل إعلام لبنانية وفلسطينية، إن مفتشي وزارة العمل نفّذوا خلال الأيام الماضية قرارات إغلاق مؤسسات تجارية يملكها فلسطينيون، بذريعة حاجة الفلسطيني إلى إجازة (رخصة) رب عمل وعامل.

ردود رسمية

أجرى القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية عزام الأحمد اتصالات مع عدد من المسؤولين اللبنانيين لبحث القضية، معتبراً أن هذه الإجراءات تتناقض مع جهود "تنظيم إقامة وعمل وحقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان".

وطالبت حركة حماس من جهتها في بيان على موقعها الإلكتروني بـ"إنهاء فوري لكل قرارات الإغلاق والمنع".

ولفت مصدر مسؤول في الحركة إلى أن هذا القرار لا يخدم العلاقة والحوار اللبناني الفلسطيني، بل يندرج في خدمة مضامين وأهداف صفقة القرن التي تسعى لشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين.

ودعا السفير الفلسطيني في لبنان أشرف دبور "الحكومة اللبنانية إلى استثناء الفلسطينيين الموجودين قسراً على الأراضي اللبنانية من هذه الإجراءات".

ورأت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أنّ وزارة العمل اللبنانية تتجاهل خصوصية العامل الفلسطيني في قراراتها الأخيرة، واعتبرت أنّ القانون اللبناني بات يعامل اللاجئ الفلسطيني كفئة خاصة من العمال الأجانب.

وأكدت اللجنة ضرورة حصول العامل الفلسطيني على إجازة عمل مجانية بموجب القانونين 128 و129، موضّحة أنّ اللاجئ الفلسطيني لا يستطيع العودة إلى بلاده وأنّ كل ما ينتجه داخل لبنان يبقى فيه.

وفي سياق ما قد يُطرح في مسألة التوطين والحقوق، طالب ممثل جبهة النضال في لبنان بالحقوق الإنسانية للفلسطينيين، معرباً عن رفضه التوطين. وقال "نحن نرفض التوطين ونريد العودة إلى فلسطين، لكن نطالب بمقومات الصمود".

من جهته قال النائب اللبناني أسامة سعد، إنّ "الإجراءات التي تطبّقها وزارة العمل بحق الإخوة الفلسطينيين مرفوضة".

أثارت الحملة التي أطلقتها وزارة العمل اللبنانية لمكافحة العمالة الأجنبية غضب الفلسطينيين في لبنان
أثارت الحملة التي أطلقتها وزارة العمل اللبنانية لمكافحة العمالة الأجنبية غضب الفلسطينيين في لبنان (مواقع التواصل الاجتماعي)

ردود شعبية

شهد القرار تفاعلاً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الوقت الذي اعتبر فيه ناشطون أن القرار ما هو إلا تطبيق للقانون الذي لا بد من أن يسري على الجميع، رأى آخرون أنه يخدم "صفقة القرن" التي أعدها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لحلّ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

في هذا السياق تصدر هاشتاغ #تجويعي_يخدم_الصفقة قائمة أكثر الهاشتاغات انتشاراً في لبنان. واعتبر مغردون أن الفلسطينيين جزء من الدورة الاقتصادية اللبنانية، مطالبين وزارة العمل بعدم ملاحقة العمال الفلسطينيين الذين "تكفيهم المعاناة والحصار في المخيمات".

وشهدت مخيمات عدة في بيروت والجنوب اللبناني والبقاع موجة احتجاجات غاضبة، ووصف المتظاهرون قرار وزير العمل بـ"الجائر".

تصريحات وزير العمل

أوضح وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان، أن خطة وزارة العمل "لمكافحة اليد العاملة الأجنبية غير الشرعية" لا تستهدف الفلسطينيين، ولا علاقة لها بصفقة القرن ولا بنظرية المؤامرات.

وأكد أن "الخطة وُضعت منذ أشهر عدة في إطار تطبيق قانون العمل"، مشدداً على أنه "لا استهداف لأحد، والقانون يُطَبَّق على الجميع".

وقال إن وزارة العمل ضبطت 550 مخالفة لقانون العمل منذ الأربعاء الماضي، مخالفتان منها فقط لمؤسستين كبيرتين يملكهما فلسطينيون، معتبراً أن ردّ الفعل الفلسطيني غير مفهومة ولا معنى له، وفق تعبيره.

وأضاف "مستعدون لنبدي مرونة لمساعدة الإخوة الفلسطينيين على الحصول على إجازات عمل، وهم يحصلون عليها مجاناً لأنهم مُعفَون من رسم إجازة العمل"، موضحاً "إذا كان بعض المستندات مطلوباً للحصول على ذلك، فنحن مستعدون لتسهيل الأمر ضمن القانون".

في الوقت نفسه أكد أبو سليمان، الذي التقى الاثنين السفير الفلسطيني في لبنان، ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، عزمه على الاستمرار في تطبيق القانون، وأكّد أنه "لا قرار بالتراجع عن ذلك".

العامل الفلسطيني في لبنان

حسب لجنة أبحاث سوق العمل والتنمية، يعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان من معدَّلات بطالة "مرتفعة جداً"، وفي لبنان نحو 36 وظيفة لا يستطيع الفلسطينيون مزاولتها. حسب تغريدة لتجمُّع "فلسطينيو الخارج" على تويتر.

ويُمنع اللاجئون الفلسطينيون من العمل في المهن الحرة، ومنها المحاماة والطب والهندسة، وهم ممنوعون كذلك من التملُّك.

ويُستثنى العامل الفلسطيني في لبنان من دفع رسوم إجازة العمل، وفق القانون رقم 129. أما أصحـاب العمـل الفلسطينيون فعليهم دفع نسـبة 25 في المئة مـن قيمـة رسـم إجازة العمل المخصصة للأجانب.

فلسطينيو لبنان وصفقة القرن

تزايد الحديث عن محاولات أمريكية لإدخال لبنان في الصفقة، وانتشرت أخبار أو "شائعات" عن اتصالات سياسية أمريكية وخليجية مع شخصيات وأحزاب لبنانية، لاستكشاف إمكانية تمرير الصفقة، حسب وكالات.

وكتب محسن محمد صالح، الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينية ورئيس مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، في مقال على TRT عربي، أن "المدخل الاقتصادي والمالي يُستخدم كمدخل للدفع باتجاهها، إذ إن المعاناة الهائلة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، وتصاعد الدَّين القومي، والعجز الضخم في الميزانية، والإشكالات المعيشية المزمنة في الكهرباء وغيرها، كلها يمكن أن تجد حلّاً بدعم أمريكي غربي خليجي، إذا ما أعطت الأطراف اللبنانية الفاعلة أو معظمها ضوءاً أخضر باتجاه متطلبات الصفقة".

ويرى صالح أن أفضل خطوة لقطع الطريق على "الصفقة"، هو المسارعة بتوفير الحقوق المدنية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية للفلسطينيين في لبنان، وتوفير حياة كريمة لهم.

يُذكر أنه يعيش 174 ألفاً و422 لاجئاً فلسطينياً، في 12 مخيماً و156 تجمعاً بمحافظات لبنان الخمس، حسب أحدث إحصاء لإدارة الإحصاء المركزي اللبنانية، عام 2017.

المصدر: TRT عربي - وكالات