معظم الخسائر الناتجة عن المواجهة الأخيرة في غزة تكاد تنحسر في التدمير المباشر للمباني والمنازل والمنشآت (Ibraheem Abu Mustafa/Reuters)

خرج الفلسطينيون في قطاع غزة إلى الشوارع، الجمعة، ليكتشفوا حجم الدمار الهائل الذي أحدثه القصف الإسرائيلي غير المسبوق على مدى 11 يوماً متواصلة.

في الجبهة المقابلة، بدأت داخل إسرائيل حرب من نوع آخر محورها فشل الحرب التي شنها أقوى رابع جيش في العالم، في وضع حد لسقوط صواريخ المقاومة الفلسطينية، والتي فرضت حالة من منع التجول وشلت الأنشطة الاقتصادية في معظم أنحاء إسرائيل، فماذا كانت النتيجة في ميزان الربح والخسارة على الجانب الاقتصادي؟

الخسائر الفلسطينية

منذ بدء هذه الجولة من المواجهة، كان السؤال الأكثر وجاهة على ألسنة المحللين والمراقبين هو: ما الذي يمكن أن يخسره قطاع غزة المحاصر منذ نحو عقدين، تخللتها 3 حروب مدمرة؟

في قطاع غزة قبل المواجهة الأخيرة، بلغ معدل البطالة فوق 60%، ونسبة الفقر حوالي 70%، وأكثر من 80% من السكان يعتمدون على المساعدات الإغاثية.

ودفع الحصار الطويل، وجولات المواجهة المتكررة، وما يرافقها عادة من عمليات تدمير واسعة وممنهجة تنفذها سلطات الاحتلال، الغالبية العظمى من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة إلى إغلاق أبوابها، إضافة إلى دمار هائل في البنى التحتية.

تقديرات أولية

في ظل هذا الواقع في قطاع غزة، فإن معظم الخسائر الناتجة عن المواجهة الأخيرة تكاد تنحسر في التدمير المباشر للمباني والمنازل والمنشآت، العامة والخاصة.

والأربعاء، قبل يومين على إعلان وقف إطلاق النار، قدر رئيس مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة سلامة معروف مجمل الخسائر التي لحقت بالبنى التحتية والمنازل والمزارع بأكثر من 332 مليون دولار، منها 247 مليون دولار خسائر مباشرة، و75 مليوناً غير مباشرة.

قطاع الإسكان

وفقاً لمعروف، فقد دمر القصف في الجولة الأخيرة 1335 منشأة سكنية تدميراً كلياً أو جزئياً، ولم تعد صالحة للسكن، فيما لحق بحوالي 12 ألفاً و886 منزلاً أضرار متوسطة.

وقالت وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، إن إعادة إعمار المساكن التي تضررت في المواجهة الأخيرة يحتاج إلى أكثر من 150 مليون دولار.

خسائر اقتصادية

وقال مكتب الإعلام الحكومي بغزة أن آلة الحرب الإسرائيلية قصفت العديد من المزارع الحيوانية وأراضي زراعية وآباراً وشبكات، ونجم عن ذلك خسائر بأكثر من 24 مليون دولار.

فيما بلغت الخسائر التي لحقت بمنشآت اقتصادية وتجارية حوالي 40 مليون دولار، بما في ذلك المنطقة الصناعية التي استهدفت بالقصف ثلاث مرات، نتج عنها تدمير 13 مصنعاً.

وقالت وزارة الزراعة بغزة إن الأضرار في قطاعي الإنتاج النباتي والحيواني، كان يتضاعف بشكل يومي على مدى أيام العدوان الأحد عشر.

وأوضحت الوزارة أن مزارعي الأبقار اضطروا إلى إتلاف 15 ألف لتر من الحليب، لعدم القدرة على تسويقها أو تصنيعها.

وأشارت الوزارة إلى أضرار كبيرة لحقت بالأراضي المزروعة والبنية التحتية لقطاع الزراعة ومزارع الثروة الحيوانية، وتلف عشرات الأطنان من الخضراوات والفواكه.

البنية التحتية

وطال القصف الإسرائيلي شوارع شبكات مياه وصرف صحي، وقدر مكتب الإعلام الحكومي بغزة الخسائر المباشرة في هذه القطاعات بنحو 27 مليون دولار.

والخميس، قال رئيس سلطة المياه الفلسطينية برام الله، مازن غنيم، إن الأضرار التي لحقت بقطاع المياه بغزة، سواء جراء القصف المباشر أو تعطل المرافق نتيجة انقطاع الكهرباء، أدت إلى انخفاض كمية مياه الشرب المتوفرة في القطاع بنسبة 50%.

وقبل المواجهة الأخيرة، كان قطاع غزة يعاني نقصاً خطيراً بالمياه الصالحة، إذ لا يتوفر سوى 19 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب، من أصل حوالي 70 مليون متر مكعب الاحتياجات الحقيقية.

إسرائيل.. الخسائر في الجهة المقابلة

منذ بدء المواجهة، لم يصدر عن جهات الاختصاص الإسرائيلية سوى رقمين للخسائر الاقتصادية، عدا ما أعلنه اتحاد المصنعين الإسرائيليين بأن خسائر القطاع بلغت حوالي 160 مليون دولار في ثلاثة أيام (11-13 مايو/أيار) .

لكن يمكن رسم صورة لحجم الخسائر في الجانب الإسرائيلي، استناداً إلى أرقام معلنة ومعروفة.

يبلغ حجم إجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي حوالي 400 مليار دولار سنوياً، بمعدل يزيد عن مليار دولار يومياً، فيما تتجاوز صادراته 100 مليار دولار سنوياً.

وتمكنت صواريخ المقاومة الفلسطينية من تعطيل الحياة تماماً، بما فيها الإنتاج والحياة العامة والاجتماعية والتعليم، بمساحة تمتد من حيفا شمالاً حتى إيلات جنوباً، وهي مساحة تضم معظم أنشطة الإنتاج والتجارة في إسرائيل.

يضاف ذلك إلى الأضرار المباشرة لسقوط الصواريخ الفلسطينية في البنى التحتية والمباني.

إغلاق حقل "تمار" للغاز

وأظهرت المقاومة الفلسطينية في هذه المواجهة تطوراً لافتاً في منظومتها الصاروخية، سواء بكثافة النيران، أو توسيع نطاق المناطق المستهدفة، أو دقة الوصول إلى الهدف.

وأصابت الصواريخ الفلسطينية، بشكل مباشر، منصة غاز في البحر المتوسط ما أدى إلى إغلاق حقل "تمار"، الذي يورد إلى كل من الأردن ومصر.

كما ألحقت الصواريخ الفلسطينية أضراراً جسيمة بأنبوب النفط إيلات-عسقلان، الذي طالما أبقته إسرائيل طي الكتمان، إضافة إلى تدمير خزانات ضخمة للوقود جنوب عسقلان، بقيت النار مشتعلة فيها لنحو أربعة أيام.

إرباك حركة الطيران والقطارات

منذ اليوم الأول للمواجهة، اضطرت إسرائيل لإغلاق مطارها الرئيسي (بن غوريون) شرق تل أبيب، وجرى تحويل الرحلات الجوية إلى اليونان وجزيرة قبرص، ومطار رامون (جنوب)، والذي أغلق بدوره بعد أن تمكنت المقاومة الفلسطينية من قصفه أيضاً.

ودفعت هذه التطورات العديد من شركات الطيران العالمية، بما في ذلك شركات أوروبية وأمريكية، إلى إلغاء رحلات طائراتها إلى إسرائيل.

كما توقفت حركة القطارات بشكل تام، تقريباً، في منطقة وسط وجنوب إسرائيل.

إغلاق موانئ إسرائيلية

ضمن المنطقة التي غطتها صواريخ المقاومة الفلسطينية، تقع أبرز الموانئ الإسرائيلية: حيفا، وأشدود، وعسقلان، وحتى إيلات، وقد أدت صواريخ المقاومة إلى إرباك كبير في حركة الملاحة من وإلى هذه الموانئ.

واضطر العديد من شركات النقل البحري إلى تحويل مسار سفن كانت متوجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، ما ألحق خسائر فادحة بقطاع التصدير المحرك الأساسي للنمو في الاقتصاد الإسرائيلي.

اليوم بخمسة

في اليوم الثامن للمواجهة الأخيرة بين جيش الاحتلال وفصائل المقاومة بغزة، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريراً قدرت فيه خسائر الاقتصاد الإسرائيلي (في 8 أيام) بما يعادل خسائر حرب 2014 على القطاع، والتي استمرت 51 يوماً.

المجهود الحربي

وقالت "يديعوت أحرونوت" في تقريرها يوم 19 مايو/أيار (اليوم الثامن للمواجهة)، إن كلفة المجهود الحربي الإسرائيلي لثماني أيام بلغت 960 مليون شيكل (حوالي 290 مليون دولار).

لكن محللين يرون أنه رقم متحفظ للغاية، بالنظر إلى كثافة النيران التي صبتها إسرائيل على قطاع غزة، من الجو والبر والبحر، وما احتاجته هذه العملية من كم هائل من القذائف والصواريخ باهظة الثمن، والوقود اللازمة لتحريك كل هذه الآليات من طائرات ودبابات وبوارج حربية.

كما استدعى الجيش الإسرائيلي آلاف جنود الاحتياط منذ اليوم الثاني للمواجهة، في مسعى لتوسيع نطاق المواجهات لتشمل الضفة الغربية والمدن العربية داخل 48، وعلى الحدود اللبنانية والأردنية.

وقدر محللون حاجة كل جندي لنفقات شخصية إلى 150 دولار على الأقل يومياً، إضافة إلى نفقات تجهيزاته العسكرية.

غير أن الكلفة الأبرز في المجهود الحربي الإسرائيلي كانت من نصيب القبة الحديدية، حيث كانت تطلق عشرات الصواريخ بكلفة تقدر بـ50 ألف دولار للقذيفة الواحدة، لاعتراض صاروخ بكلفة لا تزيد عن 300 دولار، حسب تقديرات خبراء.

وتبقى الخسارة الكبرى للقبة الحديدية، التي روجتها إسرائيل كـ"درة" للمنظومات الدفاعية في سوق السلاح العالمي، حيث بدأ العديد من الدول في إعادة النظر بعقود شرائها، نتيجة فشلها المدوي أمام صواريخ المقاومة الفلسطينية.

استرشاداً بأرقام ومعطيات رسمية منشورة حول الاقتصاد الإسرائيلي، فإن المحللين يقدرون الخسائر الإسرائيلية في المواجهة الأخيرة، اقتصادياً وفي المجهود الحربي، بأكثر من مليار دولار يومياً.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً