مصر تشتري معدات تأمين لطائرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بقيمة 104 ملايين دولار (Pool/Reuters)

في شهر سبتمبر/أيلول الماضي اتجهت الحكومة المصرية إلى ما أسمته ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات الاقتصادية، وذلك بدعوى توفير متطلبات قطاعي الصحة والأمن القومي.

وأصدر رئيس الوزراء، مصطفى مدبولى قراراً آنذاك بشأن ترشيد النفقات الحكومية في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد، على أن يُطبق لمدة 6 أشهر اعتباراً من بداية العمل بموازنة السنة المالية 2020-2021.

كان يبدو هذا قراراً منطقياً في بلد كمصر التي عانت بعد ثلاثة أشهر فقط من ظهور أول إصابة بفيروس كورونا المستجد بها. هذا البلد العربي الأكبر ديموغرافياً اقترب نظامه الصحي من استنفاد قدراته، ولو أنه لا يزال يجد قدرة على التكيف ولكن بصعوبة شديدة.

وفق ما تضمنه قرار رئيس الوزراء فإن أوجه الترشيد تضمنت بنوداً عدة منها الأجور وتعويضات العاملين، حيث تقرر عدم إجراء أي تعيينات أو ترقيات عدا الوظائف القيادية، ومنع أي تسويات أو تعديلات وظيفية حتى يناير/كانون الثاني.

لكن هذا التقشف يبدو أنه لم يطل صفقات الأسلحة أو طائرة السيسي الرئاسية، فقد ظهر ذلك بعد إخطار وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس بمذكرة نيتها بيع مصر أنظمة مضادة تعمل بالأشعة تحت الحمراء ومعدات تابعة لها لطائرة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي بقيمة 104 ملايين دولار، بالإضافة إلى منصات أهداف قناصة متقدمة ومعدات ذات علاقة بقيمة 65.6 مليون دولار.

في مشهد يُذكر المصريين بدعوات التقشف الأولى منذ صعوده إلى سدة الحكم، وصدمتهم بكم القصور الرئاسية التي بناها خلال فترة حكمه، رغم تصدير دعوات التقشف إلى الشعب بشكل شبه دوري، وذلك ضمن ما كشفه المقاول المنشق محمد علي منذ سنتين.

أرقام خادعة

لقد بُني استقرار الأمن والاقتصاد الكلي في مصر مؤخراً على أسس ضعيفة، كشفت عن هشاشتها جائحة كوفيد-19. وبالتالي عادت البلاد الآن إلى نقطة البداية، في موقفٍ يشبه إلى حد بعيد ما كانت عليه قبل ثورة 2011: مستقرة في الظاهر، ولكن في الداخل ثمّة مشكلات بنيويّة عميقة ومظالم اجتماعيّة محتدمة، مع استنفاد كل ما يمكن أن يخفّف من حدّتها.

هذا ما ذهبت إليه ورقة "مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول" الصادرة عن مبادرة الإصلاح العربي، لتكشف حقيقة ما يزعمه السيسي عن صمود الاقتصاد المصري أمام جائحة كورونا بفضل الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة.

وكتب السيسي على "تويتر" في شهر نوفمبر الماضي: "أتوجه بخالص التهنئة للحكومة على ما حققته من مؤشرات اقتصادية إيجابية خلال العام الحالي بالرغم من أزمة كورونا وتداعياتها الشديدة".

وتؤكد ورقة المبادرة أن الصدمة الخارجيّة الناجمة عن أزمة كورونا الآن قد ضربت جميع مصادر النقد الأجنبي في مصر، بدءاً من السياحة إلى التحويلات الخارجيّة والاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) وصادرات الغاز الطبيعي وتدفقات رؤوس الأموال الدولية. ولأسباب اقتصادية واجتماعية، يبدو استقرار البلاد الآن هشّاً، فهو مرِن على السطح، ولكنّه هشّ من الداخل. فهل يمكن أن يتطور أسلوب الحكم والنموذج الاقتصاديّ الحاليَّين للحفاظ على الاستقرار في مصر بعد أزمة كورونا؟

وفي الوقت الذي ينفق فيه النظام المصري على أمن طائرة الرئاسة، واستمرار صفقات السلاح المهولة، وكذلك عقود شركات الضغط السياسي في الولايات المتحدة، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اليوم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي دراسة حول تداعيات فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد المصري من خلال تتبع التغيرات في بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية الأساسية خلال فترة ذروة الوباء، والتي تشمل معدل النمو الاقتصادي، والبطالة، والتضخم، وأسعار الصرف والفائدة على الجنيه المصري، وكذلك على التجارة الخارجية بما فيها الواردات والصادرات السلعية غير البترولية.

وهنا نجد أن معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انخفض في الربع الثالث من 2019/2020 بمقدار 0.6 نقطة مئوية عن مثيله عام 2018/2019 حيث سجل 5% في 2019/2020 مقابل 5.6% عام 2018/2019.وانخفضت إيرادات قناة السويس بالدولار الأمريكي ابتداءً من أبريل/نيسان 2020 مقارنة بالمستويات المناظرة في العامين السابقين 2018 و2019 نظراً لتأثر التجارة العالمية بشكل عام بالجائحة. بينما سجل معدل التغير الشهري للإيرادات أدنى مستوي.

وطلبت مصر في مايو الماضي قرضاً طارئاً من صندوق النقد الدولي بقيمة 2.8 مليار دولار وآخر بقيمة 5.2 مليار دولار، وافق عليهما الصندوق في يونيو/حزيران المنصرم.

وجاء طلب التمويل بعد تداعيات جائحة فيروس كورونا وتوقف السياحة حينها ونزوح كبير لرؤوس الأموال.

صفقات رغم تفجر الدين الخارجي

وتستمر الصفقات الدفاعية رغم إشارات بيانات رسمية حديثة، إلى أن الدين الخارجي لمصر زاد بنسبة تقترب من 15% خلال العام الماضي ليسجل نحو 115.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 100.1 مليار دولار في 2018.

ووفق تقرير البنك الدولي لإحصاءات الديون الدولية 2021، أظهرت البيانات أن الدين الخارجي لمصر ارتفع بنحو 14.9%، وأن هذه المبالغ تضمنت سحب 13.1 مليار دولار من قروض صندوق النقد الدولي، وحوالى 90.7 مليار دولار التزامات طويلة الأجل، و11.3 مليار جنيه التزامات قصيرة الأجل.

وكانت مصر أكبر مقترض في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال 2019، إذ استحوذت على ما يقرب من 34% من إجمالي ديون المنطقة. وأدى تراكم الديون في مصر إلى زيادة أعباء الديون في إجمالي المنطقة بنسبة 5.3%، وهي أكبر قفزة من 2009، بحسب البنك الدولي. وبلغ إجمالي الدين الخارجي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا العام الماضي 340 مليار دولار، مقارنة بـ323 مليار دولار في 2018.

وضع هش

هذه السياسات التي تهتم بالأرقام الكلية دون أثرها على المواطن تقود لما كشفه موقع ستراتفور الأمريكي عن أن النمو الاقتصادي في مصر شهد تباطؤاً في الربع الأول من 2020، مقارنة بالنمو الإيجابي الذي حققه خلال العام المنصرم مما يشكل عبئاً سياسياً على الرئيس عبد الفتاح السيسي في حال استمراره.

ويفاقم وباء كورونا الوضع الاقتصادي، وفق توقعات تقرير ستراتفور، من خلال التسبب في تراجع النمو الصناعي الذي شهدته البلاد مؤخراً، وإلحاق أضرار خطيرة بقطاع السياحة الحيوي بالنسبة للاقتصاد المصري على المدى القصير.

وأشار الموقع إلى أن جائحة كورونا تهدد بزيادة معدل البطالة بعد التراجع الذي شهده خلال الأشهر الأخيرة، كما أشار إلى تباطؤ نمو الأجور في ظل التضخم الذي تشهده البلاد التي يعيش ثلث سكانها في فقر مدقع وفقاً لإحصائيات أصدرتها وكالة الإحصاء بالقاهرة في أغسطس/آب 2019.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً