نرصد في TRT عربي المقالات الأخيرة للصحفي السعودي جمال خاشقجي في صحيفة واشنطن بوست. وخيم على تلك الكلمات الأخيرة نقد ناعم للسلطات السعودية إضافة إلى تأكيده على أهمية حماية الحريات وقبول تعدد الآراء. 

(AP)

"نحن بحاجة إلى توفير منصة للأصوات العربية، نعاني من الفقر وسوء الإدارة وسوء التعليم"، كان هذا آخر ما كتبه الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، التي بدأت تنشر مقالاته قبل نحو عام، تحديداً منذ صار على يقين بأنّه لن يعود إلى السعودية التي يحب. 

وبدأ الصحفي السعودي الكتابة مع "واشنطن بوست" العام الماضي في عامود للرأي، بعد استقراره في الولايات المتحدة واعتباره لنفسه كأحد أبرز وجوه "نواة الشتات السعودي".

وفي هذا السياق، أشارت كارين عطية، المحررة المسؤولة عن مقالاته، إلى أنّ خاشقجي كان قد "أعرب عن أسفه لأن قمع السعودية أصبح غير محتمل للحد الذي دفعه إلى مغادرته بلاده والعيش في المنفى".

وفُقدت آثار خاشقجي بعد دخوله مقر القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية يوم الثلاثاء 2 أكتوبر/ تشرين الأول، بعدما دخل لإتمام أوراق رسمية، لكنه لم يخرج بعد ذلك ولم يُعرف مصيره إلا عندما أعلنت السعودية عن مقتله في 20 أكتوبر/ تشرين الأول، نتيجة شجار دار بينه وبين موظفين سعوديين داخل القنصلية.

القنصلية السعودية في إسطنبول 
القنصلية السعودية في إسطنبول  (AFP)

تقول خطيبة خاشقجي، التركية خديجة جنكيز، إن جمال كان متأثراً بقضائه أكثر من عام في منفاه الاختياري في الولايات المتحدة الأميركية، بعيداً عن بلده وعائلته وأحبائه، وسبق أن قال "أفتقد وطني كثيراً، وأشعر بألم عميق في كل لحظة".

ألم عميق وحب جارف للوطن، مشاعر لم تظهر فقط في تصريحات خطيبة جمال خاشقجي بعد مقتله، فالمقالات التي نشرها الصحفي السعودي في "واشنطن بوست" بعد انتقاله للولايات المتحدة، تفيض بحب الوطن، والشوق إليه، إلى جانب الخشية على مستقبل شعبه وحريته، كما تظهر سلسلة المقالات التي رصدناها في TRTعربي من جديد.

وكتب جمال خاشقجي خلال عام واحد عشرات المقالات في واشنطن بوست، وهي مقالات نُشرت باللغتين الإنكليزية والعربية، ومن ضمنها تلك التي احتوت في مضمونها على نقد لسياسة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأخرى تطالب بالحرية، وتحض على العمل من أجل مستقبل البلاد.

سمعة الوطن 

بدا خاشقجي الذي كان يكتب من منفاه، حريصاً على سمعة بلاده في غير موضع، وظهر ذلك جلياً في مقاله "على ولي عھد السعودية حفظ كرامة بلاده بإنھاء الحرب المتوحشة في الیمن"، والذي قدم فيها نصائح إلى صناع القرار في المملكة، ودعاهم إلى مواجهة الأضرار التي نجمت عمّا يزيد عن ثلاثة أعوام من الحرب في اليمن.

 وأشار خاشقجي إلى أنه أمام الرياض فرصة سانحة لإبقاء إیران خارج الیمن، وفي نفس الوقت إنھاء الحرب بشروط جيدة إذا ما بدلت دورھا من صانع حرب إلى صانع سلام.

الصراع في اليمن تسبب بتخريب علاقة المملكة العربية السعودية بالمجتمع الدولي وأثّر على الوضع الأمني الإقليمي وأضرّ بسمعة المملكة

جمال خاشقجي

قد يبدو خاشقجي لمن يتابع مقالاته كأحد أشد المعارضين السعوديين، بيد أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، حيث لم يحسب الرجل على المعارضين سوى خلال العام الأخير.

 ومع توسع نطاق حملات الاعتقال التي طالت كتاباً وصحفيين ودعاة وصامتين في السعودية، استشعر خاشقجي الخطر، وكتب مقالاً قال فيه "لقد تألمتُ كثيراً عندما اعتُقِل العديد من أصدقائي. لم أقل شيئاً، لكنني اتخذت هذه المرة خياراً مختلفاً".

الشغف للحرية 

ولأنه اختار المكوث في المنفى خشية الملاحقة ومساعي الكبت ومصادرة الحق في الحرية والتعبير، سيطر مصطلح الحرية على كتابات خاشقجي، ولعل الحرية لم تفارق أياً من مقالاته، فالصحفي الذي ذاق مرارة الغربة، بات يستشعر معنى الحرية أكثر، خاصة عندما نأى بنفسه عن دوائر صنع القرار في السعودية.

لعل العرب والسعوديون يجرؤون على القول إنهم يريدون أيضا بعضا من هذه الحرية الإيرانية

جمال خاشقجي

يقول خاشقجي في مقال آخر "لماذا على ولي العهد السعودي أن يقلق من الاحتجاجات الإيرانية؟" إنّه " يجب على العديد من السعوديين أن يشعروا بتناقض وسائل إعلامهم الذين يشيدون باحتجاجات الإيرانيين ضد ارتفاع الأسعار، في حين يحظر على السعوديين الاحتجاج ضد تضاعف تكلفة الوقود وفرض الضريبة على المبيعات لأول مرة".

وفي الوقت الذي فتحت فيه أبواب السجون في السعودية لكل من ينتقد سياسة ولي العهد محمد بن سلمان، ولكل من يصمت، ولا يمدح، لم يتوان خاشقجي عن انتقاد محمد بن سلمان وسياسته، ولعل القاسم المشترك بين مقالاته كافة، هو إظهار حبه لوطنه، وتوقه لحرية شعبيه والشعوب العربية، ونقده لسياسة بن سلمان.

النقد الممنوع 

كان آخر ما حل بجمال في موطنه، هو منعه من نشر تغريدات على صحفته في موقع "تويتر" لمدة ستة أشهر، وبشأن ذلك كتب خاشقجي في أحد مقالاته منتقداً ذلك الحظر. 

وقد يكون اختيار المنفى على المكوث في الوطن أهم الخيارات القاسية لدى خاشقجي، إلى جانب اتخاذ القرار الجريء بانتقاد محمد بن سلمان علانية وعبر إحدى أشهر المنصات الإعلامية "واشنطن بوست".

نحب المملكة العربية السعودية كثيراً، إنّها وطننا الوحيد الذي نعرفه أو نريده، ومع ذلك، فنحن نُعتبَر أعداءً

جمال خاشقجي

يقول جمال خاشقجي في أحد مقالاته "نحن الذين نعيش في الخارج نشعر بالعجز. نريد أن تزدهر بلادنا. لا نعارض حكومتنا ونحب السعودية كثيراً. إنّها وطننا الوحيد الذي نعرفه أو نريده. ومع ذلك، فنحن نُعتبَر أعداءً".

وبيّن الصحفي السعودي أكثر من مرّة، تعرضه لضغوطات من قبل السلطات في بلاده، قائلاً في أحد مقالاته "إنهم يفرضون عليه أن يكون ممتناً ويقبل بالإصلاحات الاجتماعية، في موازاة التزام الصمت حيال المستنقع اليمني، والإصلاحات الاقتصادية المستعجلة، وحصار قطر، والتفكير بالتحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران، والاعتقالات التي طالت عشرات المثقفين وعلماء الدين السعوديين".

ووصف خاشقجي في مقالاته أن ما تعرض له "مقايضة غير عادلة"، مشيراً إلى أنه لن يقوم بها.

وقبل نشر مقاله الأخير، كتبت كارِن عطية محررة قسم الآراء العالمية في واشنطن بوست، مقدمة قالت فيها "هذه هي آخر مقالاته التي سأحررها لواشنطن بوست. يجسّد هذا العامود تمامًا التزامه وشغفه بالحرية في العالم العربي. حرية ضحّى بحياته في سبيلها. وسأكون ممتنةً دومًا أنّه اختار الواشنطن بوست ليكون آخر بيت صحفي له قبل عام ومنحَنا الفرصة للعمل معاً".

المصدر: TRT عربي