حطّت طائرة عسكرية حاملة رفات 24 مقاوماً جزائرياً ضد الاستعمار الفرنسي في مطار الجزائر الدولي، بعد 170 عاماً من النسيان في متحف فرنسي، وبالتزامن مع الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلال الجزائر. ما القصة؟

تتزامن عملية النقل التي ضمت جماجم 24 من قادة المقاومة، مع احتفال الجزائريين بالذكرى الـ58 لعيد الاستقلال في الخامس من يوليو/تموز 1962
تتزامن عملية النقل التي ضمت جماجم 24 من قادة المقاومة، مع احتفال الجزائريين بالذكرى الـ58 لعيد الاستقلال في الخامس من يوليو/تموز 1962 (صحيفة الخبر الجزائرية)

بعد 170 عاماً من الاحتجاز في متحف في العاصمة الفرنسية باريس، وصل أخيراً رفات 24 من قادة المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي (1830- 1962) إلى الجزائر.

وقبل أيام من الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلالها، استعادت الجزائر رفات المقاتلين، في وقت يتزامن مع النقاش العالمي حول انتهاكات القوى الاستعمارية السابقة في العالم، بعد مقتل الأمريكي ذي الأصول الإفريقية جورج فلويد في الولايات المتحدة.

إلى البلاد الأم من جديد

نُقل رفات 24 من القادة المقاومين، الجمعة، من فرنسا إلى الجزائر مسجى بالعلم الجزائري، على متن طائرة "هرقل سي-130" عسكرية، وكان في استقباله في مطار العاصمة الجزائر، الرئيس عبد المجيد تبون، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين في الدولة، إلى جانب تشكيلات عسكرية.

ورافق الطائرة العسكرية التي نقلت الرفات مقاتلات من القوات الجوية، نفذت عرضاً عسكرياً في سماء العاصمة الجزائر، كما أطلقت سفن حربية في ميناء المدينة مدافعها بالتزامن مع وصول الطائرة، وفق ما أظهره بث مباشر للتلفزيون الجزائري الرسمي.

وتتزامن عملية النقل التي ضمت جماجم 24 من قادة المقاومة، مع احتفال الجزائريين بالذكرى الـ58 لعيد الاستقلال في الخامس من يوليو/تموز 1962.

وحسب بيان سابق لوزارة المجاهدين (قدماء المحاربين)، انطلقت المفاوضات لاسترجاع الرفات في يونيو/حزيران 2016، قبل أن يعلن الرئيس تبون في خطاب متلفز، الخميس، استعادة رفات القادة.

وقال تبون إن "هؤلاء الشهداء مضى على حرمانهم من حقهم الطبيعي والإنساني في الدفن، أكثر من 170 سنة".

ودعت وزارة المجاهدين، في بيان الجمعة، المواطنين إلى إلقاء النظرة الأخيرة على الرفات، السبت، في قصر الثقافة في الجزائر العاصمة، وذكرت أنه سيجري دفن الجماجم، الأحد، في مربع الشهداء بمقبرة العالية في العاصمة، بحضور رئيس الجمهورية.

من جهتها، كشفت صحيفة الخبر الجزائرية عن هوية الجمامجم، وقالت إنها تعود لكل من عيسى الحمادي، بوبغلة الملقب بالأعور، وبوزيان زعيم مقاومة الزعاطشة، وسي موسى رفيق بوزيان، وبوقديدة المدعو بوعمار بن قديدة، ومختار بن قويدر التيطراوي.

بالإضافة إلى سعيد مرابط الذي قطع رأسه في سنة 1841 بباب اللوم، وجمجمة غير محددة الهوية قُطعت في منطقة الساحل عام 1841، وجمجمة عمار بن سليمان من مقاطعة الجزائر الوسطى، وجمجمة محمد بن الحاج من قبيلة بني مناصر، بالإضافة إلى آخرين.

أكثر من 3 سنوات من المماطلة

عام 2016، كشفت وسائل إعلام فرنسية عن وجود 18 آلاف جمجمة محفوظة في "متحف الإنسان" في باريس، منها 500 فقط تم التعرف على هويات أصحابها.

وبين هذه الجماجم، وفق تصريحات سابقة لمسؤولين من البلدين، يوجد بين 31 و36 جمجمة تعود لقادة من المقاومة الجزائرية، قتلتهم قوات الاستعمار الفرنسي ثم قطعت رؤوسهم، منتصف القرن الـ19.

وبعد أشهر من الكشف عن وجود تلك الجماجم، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، استعداد سلطات بلاده لسن قانون يسمح بتسليم تلك الجماجم، التي تطالب السلطات الجزائرية بنقلها لدفنها، لكن العملية تأخرت عدة سنوات.

وظلت السلطات الجزائرية تتهم باريس بتعطيل عملية نقل الجماجم إلى الجزائر، فيما تقول باريس إن الأمر يتطلب إجراءات قانونية معقدة، لضمان إخراجها من متحف باريس.

وتعهد تبون، بعد وصوله إلى الحكم في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، باستعادة هذه الجماجم ودفنها في الجزائر.

"جرائم ضد الإنسانية"

وتطالب الجزائر، منذ سنوات، فرنسا بالاعتراف والاعتذار والتعويض عن جرائمها الاستعمارية، لكن باريس تدعو في كل مرة إلى طي صفحة الماضي والتوجه نحو المستقبل.

وقال الرئيس الجزائري: "أبى العدو المتوحش إلا أن يقطع آنذاك رؤوسهم عن أجسامهم الطاهرة نكاية في الثوار، ثم قطع بها البحر حتى لا تكون قبورهم رمزاً للمقاومة".

وقالت المؤرخة المتخصصة في تاريخ الجزائر مليكة رحال إن "أجزاء الأجساد تعود إلى منزلها بعد إقامة طويلة جداً في صناديق متحف الإنسان في باريس"، وأضافت: "جزء آخر من 1962 تجري تسويته في 2020".

وطلبت الجزائر رسمياً من فرنسا للمرة الأولى في كانون الثاني/يناير 2018 إعادة الجماجم وسجلات من الأرشيف الاستعماري، وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعهّد خلال زيارة للجزائر في كانون الأول/ديسمبر 2017 إعادة الرفات البشري الجزائري الموجود في متحف الإنسان التابع للمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي.

وفي العام نفسه لكن قبل انتخابه، وصف ماكرون استعمار الجزائر بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، وفي نهاية عام 2017، قال رئيس المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي برونو دافيد إن المؤسسة "مستعدة لدعم مسار الاسترداد".

وشرح أن "الرفات البشري دخل في مجموعتنا الأنثروبولوجية نهاية القرن التاسع عشر عقب حلقات مختلفة مرتبطة بالغزو الفرنسي للجزائر".

من جهته، أثار المؤرخ الجزائري علي فريد بلقاضي مسألة الجماجم عام 2011 بعد إجرائه عملية بحث في المتحف، وأعرب عن أسفه لكون الجماجم "محفوظة في صناديق من الورق المقوى المبتذلة تشبه علب متاجر الأحذية".

في هذا الصدد، قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن هذه الجماجم ظلت منسية طويلاً، لولا الجهد الذي قام به الأكاديمي علي بلقاضي وسط مجموعة تضم أكثر من 18 ألف جمجمة أخرى كانت محفوظة في متحف الإنسان.

وأضافت الصحيفة أن تسليم فرنسا للجماجم بعد فترة طويلة من المماطلة يعدّ بادرة حسن نية تشير إلى الرغبة في التهدئة بين باريس والجزائر بعد فترة من التوتر.

المصدر: TRT عربي - وكالات