تسبب انتشار وباء كورونا بأزمات اقتصادية في دول عربية عدة، وكشف عن هشاشة اقتصادها وعدم قدرته على تحمّل أعباء مواجهة الفيروس، فيما اتخذت دول أخرى خطوات احترازية تهدف إلى منع الوقوع في أزمات والتعرض لمخاطر.

أسواق مغلقة في مدينة الخليل الفلسطينية بعد تسجيل إصابات بفيروس كورونا
أسواق مغلقة في مدينة الخليل الفلسطينية بعد تسجيل إصابات بفيروس كورونا (Reuters)

لم تبقَ دولة عربية واحدة لم تتأثر بجائحة كورونا، فبالإضافة إلى هشاشة النظام الصحي في كثير من الدول العربية، تأثر الاقتصاد بشكل كبير في بلدان لم تصل حتى إلى الاكتفاء الذاتي وتعيش معظمها على الدعم الدولي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول المستقبل الاقتصادي لتلك البلدان بعد انتهاء الوباء، فيما بادرت دول عربية ذات اقتصاد قوي إلى اتخاذ تدابير وقائية.

وكشف فيروس كورونا عن هشاشة اقتصاد دول عدة، وأظهر عيوباً من ضمنها نقص وسائل الحماية الطبية وقلة الأغذية ومنتجات حيوية أخرى.

وحذرت لجنة الأمم المتحدة لغرب آسيا "إسكوا" من أن تداعيات كورونا قد تلقي بأكثر من 8 ملايين شخص إضافي من سكان المنطقة العربية في براثن الفقر والجوع بسبب تقليص تجارة الأغذية وقلة المخزون منها. وتذهب التقديرات إلى أن أكثر من 100 مليون في المنطقة العربية يعانون من الفقر حالياً.

وقالت "إسكوا" إن 8.3 مليون شخص في الدول العربية سيدخلون بمستوى الفقر خلال 2020، كنتيجة مترتبة على انتشار الفيروس.

السعودية.. إجراءات احترازية وسط انهيار سوق النفط

ومع أن مؤسسة النقد العربي السعودي وضعت حزمة إجراءات احترازية جديدة لمواجهة آثار انتشار جائحة فيروس كورونا على مختلف القطاعات الاقتصادية، فإن كل المعطيات تشير إلى أن أسواق النفط باتت في حكم الدخول في فترة انهيار غير مسبوقة للطلب مع زيادة غير محدودة في العرض خلال أبريل/نيسان، الأمر الذي يفتح الباب أمام تحولات لصناعة النفط تستمر سنوات مقبلة.

ويقول محللون إن صناعة النفط العالمية "ستكون بمثابة عامل التغيير لقواعد اللعبة في الصناعة"، بسبب المرحلة الحالية، إذ إنه من المستحيل استمرار هذا التراجع الكبير في الطلب من دون تعديلات كبيرة ومستمرة على العرض.

وبالإضافة إلى قطاع النفط، شهد القطاع غير النفطي بالسعودية انكماشاً سريعاً خلال مارس/آذار الماضي، للمرة الأولى في أكثر من عشر سنوات، إذ تراجع مؤشر "آي إتش إس ماركت" لمديري المشتريات من 52.5 في فبراير/شباط الماضي إلى 42.4 في مارس/آذار، حسب وكالة رويترز.

لا بد من أن تنفذ الحكومات العربية استجابة طارئة وسريعة من أجل حماية شعوبها من الوقوع في براثن الفقر وانعدام الأمن الغذائي نتيجة كورونا.

الأمينة التنفيذية للإسكوا - رولا دشتي

لبنان ينشد الدعم

ولا يختلف الأمر في لبنان الذي شهد تدهوراً اقتصادياً متسارعاً مع نقص حاد في السيولة وتراجع كبير في الاحتياطيات الأجنبية مع انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار في السوق الموازية.

ودعا رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون المجتمع الدولي إلى دعم لبنان مالياً لمساعدته على تخطي الانهيار الاقتصادي الحاد الذي يشهده منذ أشهر وفاقمه انتشار وباء فيروس كورونا.

وبينما كانت الحكومة التي جرى تشكيلها مطلع العام، تنكبّ على وضع خطة اقتصادية وصفتها بالـ"إنقاذية"، وصل الوباء إلى لبنان قبل تنفيذ تلك الخطة.

ويرزح لبنان اليوم تحت ديون تصل قيمتها إلى 92 مليار دولار، ما يشكّل نحو 170% من الناتج المحلي الإجمالي، حسب وكالة التصنيف الائتماني "ستاندرد أند بورز"، وتعدّ هذه النسبة من الأعلى في العالم.

السودان.. ارتفاع الأسعار

ويعاني السودان كغيره من الدول العرب قلقاً كبيراً من تفشي الفيروس، بعد أن ارتفعت حالات الإصابة فيه إلى 10، عقب تسجيل حالتين جديدتين الجمعة، بالإضافة إلى حالتَي وفاة سابقتين، إلا أن معضلة الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية باتت تشكل عبئاً جديداً على السودانيين.

وتعرَّض الاقتصاد السوداني لخسائر كبيرة بسبب العقوبات المفروضة عليه سابقاً، وستكون تأثيرات أزمة الفيروس عليه كبيرة، وهو ما يُجمع عليه الخبراء الاقتصاديون، إذ إنها ستعرقل مساعي الحكومة الانتقالية لإحداث انتعاش اقتصادي بعد الوعود الأمريكية برفع العقوبات عن الخرطوم.

وأشار الصحفي السوداني أحمد عبد الغني في حديث لـTRT عربي، إلى أن الفيروس أثّر بشكل كبير على الاقتصاد السوداني الذي أصبح يعاني أكثر من السابق، وسيحتاج إلى فترة طويلة جداً لتعافيه من هذه التأثيرات.

وكان قطاع السياحة من بين القطاعات الأكثر تضرراً في السودان، إذ أغلقت مكاتب السياحة والسفر أبوابها نظراً إلى حظر السفر المفروض في البلاد بسبب المرض.

ويفوق عدد وكالات السفر التي أغلقت أبوابها 500، ما يعني أن 26 ألف عامل بالمتوسط تأثروا بالإغلاق، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وأدى هذا الإغلاق للمعابر البرية والبحرية والمطارات إلى زيادة أسعار السلع المستوردة إلى أكثر من 300% كما زاد من العجز التجاري للبلاد بنحو 7 مليارات دولار أمريكي.

وتقول الحكومة السودانية إنها تعمل على إصلاح هذا الوضع، إذ قال وزير الثقافة والإعلام السوداني فيصل محمد صالح لـTRT عربي، إن الحكومة تسعى للإصلاح الهيكلي للاقتصاد ومعالجة ترشيد قضايا الدعم لموجهة الظروف الملحة التي خلقها الفيروس".

اليمن.. الخطر يتربص

أما في اليمن الذي لم تصل إليه جائحة كورونا حتى اللحظة، فهو يعاني من أزمات على كل الأصعدة، تسببت فيها الحرب التي لا تزال دائرة حتى الآن.

فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية الاثنين، أن "البنك الدولي قدم 26.9 مليون دولار دعماً لاستعدادات مواجهة كورونا في اليمن"، حسب وكالة الأناضول.

وقال ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن ألطاف موساني إن "النظام الصحي في اليمن هش بالفعل، وفي حال تفشّي كورونا سيكون كارثياً على البلاد، مشدداً على أن "الأمراض لا تحترم الحدود الدولية، يجب على دول مثل اليمن أن تظل متيقظة لضمان الحد من إمكانية وصول كورونا عبر الحدود".

فلسطين.. أزمات اقتصادية متتالية

وتتوالى الأزمات على الاقتصاد الفلسطيني وكان آخرها أزمة المقاصة التي رفضت على إثرها الحكومة الفلسطينية في 2019، تسلُّمها، بعد قرار إسرائيلي باقتطاع جزء منها تمثل مخصصات الأسرى وذوي الشهداء، ما تسبب في صرف أنصاف رواتب لموظفي الحكومة الفلسطينية، وطالت الأزمة مختلف مرافق الاقتصاد المحلي.

وتواجه الحكومة الفلسطينية تراجعاً حاداً في الإيرادات المالية، ناتجة عن إجراءات اتخذتها لمنع تفشِّي الفيروس محلياً، تمثَّل في إعلان حجر منزلي إجباري شامل نتج عنه توقُّف عجلة الإنتاج وتراجع حاد في القوة الشرائية.

حتى نهاية 2019، بلغت نسبة البطالة في السوق الفلسطينية قرابة 25.5% وهي نسبة مرشحة للارتفاع خلال الشهرين المقبلين في حال بقاء حالة الطواريء قائمة.

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني

وتوقع رئيس الوزراء محمد اشتيه، تراجع الإيرادات المالية بنسبة 50% خلال الفترة المقبلة، بسبب تراجع عجلة الإنتاج والقوة الشرائية، وبالتالي هبوط الاستيراد، لذلك ألمح إلى احتمالية عدم تمكُّن حكومته من صرف 100% من رواتب الموظفين العموميين اعتباراً من راتب أبريل/نيسان 2020، بسبب الضائقة المالية.

ووضع انتشار كورونا الحكومة الفلسطينية أمام أزمة سيولة، وعجز عن دفع أجور موظفيها كاملة، وأزمة بطالة مستفحلة، وتراجع في قدرة القطاع الخاص على قيادة الاقتصاد الفلسطيني، بالإضافة إلى احتمال بدء ارتفاع أسعار بعض السلع الرئيسية.

المصدر: TRT عربي - وكالات