بعد قمة ماراثونية استمرت خمسة أيام في العاصمة البلجيكية بروكسل، سادتها خلافات بين عدد من الدول، أعلن الاتحاد الأوروبي توصل قادته الـ27 إلى اتفاق على خطة للنهوض الاقتصادي لمرحلة ما بعد جائحة فيروس كورونا المستجد، فما كواليس هذا الاتفاق المتعثر؟

بذلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مجهوداً كبيراً في محاولة للتوفيق بين الدول المختلفة للتوصل إلى اتفاق
بذلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مجهوداً كبيراً في محاولة للتوفيق بين الدول المختلفة للتوصل إلى اتفاق (AA)

انتهت مداولات 4 أيام شاقة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي بكلمة واحدة أطلقها رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، في تغريدة على تويتر: "اتفاق".

حبست أوروبا أنفسها حتى فجر الثلاثاء مع التوصل إلى اتفاق "تاريخي" حول خطة الإنعاش الاقتصادي لإعادة الحياة إلى الاقتصاد الأوروبي المتضرر من جائحة فيروس كورونا المستجد.

وقال ميشال في مؤتمر صحفي، إن "هذا الاتفاق يبعث بإشارة ملموسة بأن أوروبا قوة عمل". وأضاف: "الأمر أكثر من مجرد أموال، إنه يتعلق بالعمال والأسر ووظائفهم وصحتهم وضمانهم الاجتماعي. أعتقد أن هذا الاتفاق سيُعتبر لحظة فارقة في رحلة أوروبا، وسينطلق بنا أيضاً إلى المستقبل".

ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاتفاق بـ"التاريخي"، وقال ماكرون: "نتائج القمة تاريخية حقاً". وأضاف أنّ الاتفاق جاء بعد مفاوضات طويلة وشاقة تَعيَّن خلالها تقديم تنازلات لإقناع الدول التي كانت تعرقل الاتفاق بقبوله.

من جهتها، رأت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، أنّ الاتفاق يُظهِر أن دول التكتل قادرة على العمل معاً حتى خلال أكبر أزماتها، فضلاً عن استعدادها لسلك مسارات جديدة في ظروف غير معتادة.

كيف مرت الخطة؟

هذه اللحظة الفارقة في رحلة الاتحاد الأوروبي، وهذا "الاتفاق التاريخي"، لم يمرّ دون كواليس كانت مؤلمة وكاشفة لحجم التشققات داخل جسد الاتحاد، وتلك الخلافات التي استمرت حتى ساعات قبل إعلان التوصل إلى اتفاق.

كانت المفاوضات الشاقة بين قادة أوروبا توقفت الاثنين، بسبب خلافات بين مجموعة التقشف، الدنمارك والسويد والنمسا وهولندا من جهة، ودول كالمجر وبولندا من جهة أخرى، حول الحصص التي تستحقها الدول كمنح وقروض.

ويبدو أنّ مجموعة التقشف استطاعت أن تفرض بعض مقترحاتها بشأن قيمة المبالغ التي تجب استعادتها على شكل قروض، وتخفيض مساهمتها في صندوق الإنعاش المقترح منذ مايو/أيار الماضي، من قبل ميركل وماكرون.

ووفقاً لما رشح عن الاتفاق الأوروبي، فإنّ الخلاف حول قيمة المنح جرت تسويته بخفض إلى 390 مليار يورو بدل 500 مليار، ورفع مبلغ القروض من 250 ملياراً إلى 360 مليار يورو، مع شروط تتعلق بإصلاحات مطلوبة من الدول المتلقية لتلك المبالغ.

وحصل بعض الدول، بما فيها الدنمارك، على خفض مساهمتها في الصندوق بنحو 300 مليار سنوياً. وتَوصَّل القادة الأوروبيون إلى تسوية مع المجر حتى لا تستخدم حق النقض "الفيتو" ضد مشروع الاتفاق الأوروبي، لا سيما حول آليات التوزيع والاستحقاقات في ما يخصّ المنح والقروض.

وتمكّن رئيس وزراء هولندا مارك روته، من وضع شرط يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية المطلوبة من الدول المستفيدة من صندوق الإنعاش، كحل وسط للتوصل إلى هذا الاتفاق.

دول الشمال الغنية في مواجهة الجنوب الفقير

في القمة المباشرة الأولى بعد وباء كورونا أجرى الأوروبيون من 27 دولة عضواً نقاشات بشأن ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع القادمة (2021-2027) وتفاصيل خطة الإنعاش، بعد انتشار الجائحة وتأثيرها على اقتصادات دول جنوب القارة، وبالأخصّ إيطاليا وإسبانيا.

وأشارت النقاشات الأوروبية إلى عمق الخلافات بين الدول حول قضية إيجاد وصرف واستعادة 750 مليار يورو على خطة الإنعاش وفقاً للموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي.

وكانت الخطة أُطلقت في مايو/أيار الماضي كفكرة من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولاقت الخطة معارضة بعض دول الشمال وهولندا والنمسا.

ولم يتوقف السجال الأوروبي عند رقم 750 مليار يورو، فبرأي رئيس المجلس الأوروبي تحتاج دول الاتحاد إلى أكثر من ألف مليار يورو للاستجابة للتحديات والعودة التامة على المدى الطويل إلى الوضع الذي سبق الجائحة.

وعارض خطة الإنقاذ من داخل الاتحاد فريق بحجج تتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبي وعمله المشترك. وباعتبار أن صرف 750 مليار يورو هو لتقوية موقع الاتحاد واستثمار في التحول نحو طاقة نظيفة (خضراء)، وتعزيز الإصلاحات والقدرة التنافسية على المدى الطويل.

فعلى سبيل المثال المفوضية الأوروبية، برئاسة أورسولا فون دير لاين، ترى أن أوروبا "لن تبدأ من الصفر في عملية الإنعاش". وتركز المفوضية على "تحديث القارة وتأكيد قيم الاتحاد".

والقضية المتعلقة بالقيم الأوروبية تواجه هذه الأيام مصاعب في علاقة عاصمة الاتحاد، بروكسل، مع كل من بولندا والمجر، المتهمتين بالتحرك بعيداً عنها.

واستغلّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، والرئيس البولندي المحافظ المعاد انتخابه حديثاً الموقف، ليهددا باستخدام حقّ النقض بوجه المشروع، إذا ما ذهبت أوروبا عملياً لمعاقبتهما مالياً بسبب اتهامهما بتقويض النظام الديمقراطي، وقيم أوروبا في فصل السلطات. بل ويطالب البلدان، المجر وبولندا، بأن يكون لهما نصيب من المنح المالية التي يجري السجال حولها، المتعلقة بنحو 500 مليار يورو.

وأخفق زعماء الاتحاد الأوروبي بالفعل يوم السبت في الاتفاق على صندوق تحفيز ضخم لإنعاش اقتصاداتهم التي تضررت من فيروس كورونا، بعد مفاوضات شاقة امتدت ليومين، إلا أنهم مددوا قمتهم يوماً آخر في محاولة للتغلب على خلافاتهم.

إذ إن مجموعة من الدول الشمالية الثرية و"المقتصدة" مالياً، هي هولندا والنمسا والدنمارك والسويد، عرقلت تحقيق تقدم في أول اجتماع يعقده زعماء دول الاتحاد الأوروبي وجهاً لوجه منذ تدابير العزل العامّ التي فُرضت عبر القارة في الربيع.

وتفضل هذه الدول تقديم قروض قابلة للرد بدلاً من إعطاء منح مجانية للاقتصادات المدينة التي تضررت بشدة من كورونا، ومعظمها من الدول المطلة على البحر المتوسط، وتريد فرض رقابة أكثر صرامة على كيفية إنفاق هذه الأموال.

واقترح رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل تعديلات على الحزمة عموماً تهدف إلى تهدئة مخاوف هولندا. وتقضي خطته بتخفيض الجزء الخاص بالمنح في صندوق الإنعاش من 500 مليار يورو إلى 450 مليار يورو، وإضافة "كابح طوارئ" بشأن صرف هذه المنح.

ولكن الآمال بأن هذا سيكون كافياً تلاشت بسرعة بعد أن طلبت السويد خفض المنح إلى 155 مليار يورو، حسبما قالت مصادر دبلوماسية. وأشار البعض إلى أن برنامج الانعاش سيفقد أهميته بهذا المبلغ المقلَّص جداً.

ويُعَدّ لقاء القمة الأخير هو الأطول بين قادة أوروبا منذ عام 2000، في أثناء مفاوضات تغيير المعاهدة الأوروبية في نيس الفرنسية، التي استمرت أكثر من خمسة أيام.

حتى وصلت التسويات إلى خفض مبلغ منح مالية من 500 مليار يورو إلى 390 ملياراً، دون استردادها، للدول المتضررة، بمساهمة الدول الثرية في الشمال الأوروبي، ورفع قيمة القروض من 250 إلى 360 ملياراً.

أوروبا ممزقة؟

تناولت الصحافة الأوروبية هذا المشهد الذي يوحي بالوضعية الصعبة للنادي الأوروبي والتي كشفتها نقاشات خطة الإنقاذ.

وكتبت صحيفة فاينانشيال تايمز على صفحتها الأولى، إن المفاوضات الماراثونية المنعقدة في العاصمة الأوروبية بروكسل تكشف عن الخلافات بين الشركاء الأوروبيين.

وحسب ما أوردته صحيفة لاريبوبليكا الإيطالية، تصف الصحيفة أوروبا بالممزقة التي تشهد مواجهة صعبة جداً، وأمَلت الصحيفة إيجاد اتفاق في نهاية المطاف.

وقالت صحيفة ABC الإسبانية: "إذا لم يُتوصل إلى اتفاق حول خطة إنعاش الاتحاد الأوروبي فسيجد الأخير نفسه مشلولاً".

وقالت صحيفة ليبراسيون الفرنسية، إن "الدول البخيلة" قاومت الخطة التي اقترحتها باريس وبرلين، قاومتها بشدة خلال الأيام الثلاثة الماضية، مما يعمق الانقسام داخل الاتحاد.

المصدر: TRT عربي - وكالات