عضو لجنة الموازنة النائب نقولا نحاس قال إنه لن يكون أي أفق في حال لم تؤلَّف حكومة إصلاح قادرة على إقرار حلول جذرية (Reuters)

تجددت الاحتجاجات الشعبية في عديد المدن اللبنانية الشهر الجاري، مع تفاقم أزمات اقتصادية، ووسط صعوبة الحصول على أموال المواطنين من المصارف، بالتزامن مع موجة غلاء مستفحلة.

وتمر البلاد بإحدى أسوأ مراحلها الاقتصادية على الإطلاق، ما بين هبوط قيمة العملة المحلية مقابل الدولار إلى متوسط 10 آلاف ليرة في السوق الموازية، مقابل 1510 ليرات في السوق الرسمية.

وتسببت أزمة شحّ النقد الأجنبي في ارتفاع أسعار المستهلك فوق 60 بالمئة خلال 2020، حسب بيانات رسمية، فيما حذر وزير لبناني الخميس، من دخول بلاده إلى الظلام الدامس لعدم توافر النقد لشراء الوقود اللازم لتوليد الكهرباء.

بالتزامن مع كل ما سبق، لا تزال الطبقة السياسية الحاكمة والأحزاب والطوائف المحلية، تتناحر على الحصص في الحكومة المرتقبة منذ أكثر من 6 أشهر.

واستقالت حكومة الرئيس حسان دياب في أغسطس/آب الماضي عقب انفجار ضخم في مرفأ بيروت.

وفي مطلع فبراير/شباط الماضي، أظهر مؤشر "Cost of Living Index" أو ما يُعرف بـ"مؤشر تكلفة المعيشة"، الصادر عن "Numbeo" (موقع دولي متخصص في مقارنة غلاء المعيشة بين دول ومدن العالم)، أن لبنان تَصدَّر الدول العربية الأكثر غلاء في المعيشة، وأنه رقم 24 عالمياً.

كان لبنان حلّ في الموقع 34 عالمياً بين 132 بلداً حول العالم في مؤشر 2020.

"انقراض الطبقة المتوسطة"

الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، قال في حديث مع وكالة الأناضول، إن 80 بالمئة من واردات لبنان تتم بالعملة الأجنبية، والليرة تدهورت وانخفضت قيمتها مقابل الدولار.

وذكر أن بلاده تستورد 90 بالمئة من مجمل استهلاكه المحلي، مضيفاً "القدرة الشرائيّة للشعب اللبناني انخفضت للأسباب المرتبطة بانهيار الليرة وارتفاع كلفة الواردات".

وأوضح: "بات في لبنان تفاوت طبقي، الطبقة المتوسطة أصابها شبه انقراض وازدياد للفقر إلى 55 بالمئة، وهذه الأمور جعلت المعيشة باهظة".

أمّا عن المداخيل فقال: "60 بالمئة من المسجلين في الضمان الاجتماعي يتقاضى راتبه مليون ليرة شهرياً، باتت توازي 100 دولار بسعر السوق الموازية، مقارنة مع 662 دولاراً وفق السعر الرسمي.

خسائر كبيرة

ومع استمرار الاضطرابات الاقتصادية، قدر محمد شمس الدين، الباحث في الشركة الدولية للمعلومات، (غير حكومية) ومقرها لبنان، "إقفال 8 آلاف مؤسسة صغيرة ومتوسطة منذ يونيو/حزيران الماضي".

ووفقاً لتصريح شمس الدين، فقد "بلغ عدد الذين سُرّحوا من وظائفهم 25 ألف عامل ما بين يونيو/حزيران 2020 ومطلع العام الحالي".

وتوقع "زيادة نسبة الأسر التي سجّلت تراجعات في مداخيلها المالية، والواقع قد يكون أسوأ إذ لم يحصل أي حلّ سياسي".

ويستحوذ القطاع الخاص في لبنان على أكثر من 75 بالمئة من إجمالي أعمال الاقتصاد.

الحل سياسي

ورجّح عضو لجنة المال والموازنة النائب نقولا نحاس، استمرار تدهور الليرة، وقال: "تطوُّر سعر صرف الليرة مرتبط بأمور عدة يصعب ضبطها، لا سيما مع تسارع الأحداث السياسية، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه اليوم، فسيبقى تدهور الليرة مستمراً بوتيرة أسرع".

واستبعد نحاس أي إنعاش للاقتصاد اللبناني، معتبراً أنه "لن يظهر أي أفق ما لم تؤلَّف حكومة إصلاح قادرة على إقرار حلول جذرية".

وأضاف: "الإصلاحات تبدأ من خلال قطاع الكهرباء وإيرادات الدولة"، مؤكدا أن "هذه الأمور لن تحصل ما لم يكن حوله توافق سياسي عميق".

وبشأن القطاع المصرفي قال نحاس: "وظيفة المصرف استقبال الودائع وإعادة إقراضها، هذا الأمر متراجع حالياً، لأن الأموال غير متوافرة لدى البنوك كافة".

وزاد: "بأداء المصارف تعثُّر، وهذا الأمر ينتظر الخطة الاقتصادية التي ستعمل عليها الحكومة المقبلة، التي يعوَّل عليها لتبديل النهج السياسي القائم".

وتتجه العلاقة بين البنوك العاملة في لبنان وأصحاب الودائع إلى مزيد من التعقيد، في أعقاب مهلة حدّدها مصرف لبنان المركزي، انتهت في 28 فبراير/شباط الماضي، قضت بزيادة رؤوس أموال هذه المصارف.

يأتي ذلك بالتزامن مع أزمة سابقة بدأت منذ العام الماضي، وضعت فيها البنوك قيوداً على المودعين، بتحديد حجم النقد المسحوب، بخاصة النقد الأجنبي.

وفي أغسطس/آب 2020 ألزم مصرف لبنان البنوك العاملة في السوق، زيادة رؤوس أموالها بنسبة 20 بالمئة، وإعادة تكوين حساباتها لدى المصارف المراسلة بنسبة 3 بالمئة، في موعد أقصاه نهاية فبراير/شباط الماضي.

والاثنين الماضي، أعلن المصرف المركزي بدء مراجعة أوضاع المصارف بعد نهاية المهلة، ضمن خطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، المؤلَّف من 28 مصرفاً محلياً ووافداً من إجمالي 64 رخصة.

من هُنا، باتت المصارف أمام احتمالات عدة بينها الإدماج، وسحب الرخصة، وإعلان الإفلاس، خصوصاً أن الضبابية تحيط مصير الودائع المؤتمَنة لديها.

ويبلغ رأسمال البنوك العاملة في لبنان 20 مليار دولار، ويعني رفعها بنسبة 20 بالمئة أن إضافةً بقيمة 4 مليارات دولار ستواجه غالبية البنوك صعوبة الإيفاء بها.

الظلام الشامل

وحذر أمس الخميس وزير الطاقة والمياه اللبناني ريمون غجر، من خطورة انقطاع التيار الكهربائي عن عموم البلاد، جراء عدم توافر الأموال بالنقد الأجنبي اللازمة لشراء الوقود الخاص لتوليد الطاقة.

وخلال مؤتمر صحفي دق غجر ناقوس الخطر، قائلاً إن لبنان قد يذهب إلى الظلام الشامل بحلول نهاية الشهر الجاري، في حال عدم منح مؤسسة كهرباء لبنان مساهمة مالية لشراء الوقود.

ويواجه لبنان الغارق في أسوأ أزماته الاقتصادية منذ ثلاثة عقود على الأقلّ، مشكلة متفاقمة في قطاع الكهرباء ذي المَعامل المتداعية، وساعات التقنين الطويلة التي تتخطى 12 ساعة. وأجبر ذلك غالبية المواطنين على دفع فاتورتين، واحدة للدولة وأخرى مرتفعة لأصحاب مولدات الكهرباء الخاصة، التي تعوّض نقص إمدادات الدولة.

ويُعَدّ قطاع الكهرباء هو الأسوأ بين مرافق البنى التحتية في لبنان المهترئة أساساً، وقد كبّد خزينة الدولة أكثر من 40 مليار دولار منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990).

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً