قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن بلاده سوف تطبّق تعريفاً لمعاداة السامية يشمل معاداة الصهيونية، بما يلغي أي اختلاف بين العبارتين. في خطوة تضع أي طرف ينتقد الحركة الصهيونية، ومشروعها الأساسي إسرائيل، محل اتهام قانوني.

ماكرون يعتبر الاعتداءات على معالم صهيونية في فرنسا ضمن معاداة السامية
ماكرون يعتبر الاعتداءات على معالم صهيونية في فرنسا ضمن معاداة السامية (Reuters)

ما المهم: اتخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساراً جدلياً في سياق ما يقول إنه لمحاربة معاداة السامية بسبب ما أسماه "عودة هذه الظاهرة بشكل غير مسبوق على الأرجح منذ الحرب العالمية الثانية" وذلك عبر إعلانه تبني تعريف معاداة الصهيونية ضمن قوانين معاداة السامية.

غير أن اندفاعات ماكرون الجديدة تأتي وسط أزمات متتالية يواجهها على الصعيد الداخلي، ما يشير إلى محاولاته كسب الدعم لتعزيز حكومته.

المشهد: قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن "معاداة الصهيونية شكل حديث من أشكال معاداة السامية"، موضحاً أن بلاده ستتبنى في قوانينها تعريفاً لمعاداة السامية مطابقاً لذلك.

وقال ماكرون أمام ممثلين للمؤسسات اليهودية في باريس، مساء الأربعاء، إن "فرنسا ستطبق تعريفاً لمعاداة السامية تبناه التحالف الدولي لذكرى المحرقة"، يشمل معاداة الصهيونية، مشيراً إلى أن بلاده كانت وافقت مع شركائها الأوروبيين على هذا التعريف.

في السياق ذاته، ندد الرئيس الفرنسي بما أسماه "عودة ظاهرة معاداة السامية بشكل غير مسبوق على الأرجح منذ الحرب العالمية الثانية". وأضاف أنه "منذ سنوات، يواجه بلدنا، كما مجمل دول أوروبا وكل الديمقراطيات الغربية تقريباً، عودة لظاهرة معاداة السامية، وتدهور الوضع أكثر خلال الأسابيع الأخيرة". وقال إن "معاداة السامية تقتل من جديد في فرنسا منذ بضع سنوات".

وجاء حديث ماكرون بعد محادثة هاتفية أجراها مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وفق موقع إسرائيل هيوم الإسرائيلي.

الخلفيات والدوافع: يعود أول إعلان للرئيس الفرنسي يقرّب من خلاله بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، إلى عام2017؛ ففي شهر يوليو/تموز من ذلك العام، قال ماكرون أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على هامش مشاركتهما في إحياء ذكرى تسفير الفرنسيين اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، "لن نتنازل عن شيء إزاء معاداة الصهيونية، لأنها تمثّل نوعاً جديداً من معاداة السامية".

غير أنّ كلمة الرئيس الفرنسي مساء الأربعاء، جاءت في سياق مخالف وفي ظل جدال متنام في فرنسا حول معاداة السامية والصهيونية. وكان ماكرون في كلمته يشير إلى سلسلة حوادث حصلت في الأيام الأخيرة.

فقد هاجم متظاهرون على هامش مسيرة لحركة السترات الصفراء السبت المفكر ألان فينكيلكرو، العضو في الأكاديمية الفرنسية، مطلقين عليه اسم "الصهيوني". وأثار ذلك جدلاً في فرنسا حول معنى هذه الكلمة.

وأُعلِن الثلاثاء عن استهداف 96 مدفناً يهودياً في مقبرة في منطقة الألزاس، ووضعت عليها صلبان معقوفة. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إنه "قبل أيام، رُسِمت أيضاً صلبان معقوفة، وهي ترمز إلى النازية، على صور السياسية الراحلة لس يمون فيل التي كانت نجت من معتقل أوشفيتز".

وتجمع زعماء سياسيون من كل الأحزاب، بمن فيهم الرئيسان السابقان فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي، في باريس في ساحة الجمهورية، التي تعد رمزاً للأمة الفرنسية، وذلك للتنديد بالأعمال المعادية للسامية رافعين شعاراً واحداً، هو "كفى!". وبدوره، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في رسالة بالفيديو سجلها بالعبرية، "أدعو كل الزعماء الفرنسيين والأوروبيين إلى اتخاذ موقف قوي ضد معاداة السامية". وأضاف أنها "وباء يهدد الكل وليس نحن فقط".

وثمة توجه عام لإرجاع هذه الأعمال إلى جذور عربية وإسلامية، كما يقول الكاتب الفرنسي إريك زيمور، مضيفاً أن بعض فئات اليسار مسؤولة عن هذا المشهد لرفضها البحث مسبقاً في تقليص أعداد الهجرة الشرعية إلى فرنسا. ولا يقتصر هذا المشهد على فرنسا وحدها، بل بات يشمل بريطانيا أيضاً وألمانيا.

بين السطور: تذكر منظمة يونسكو على موقعها الإلكتروني، أن التحالف الدولي الذي أشار إليه ماكرون "بدأ في عام 1998، وانطلق بصفة رسمية بمناسبة المنتدى الدولي بشأن الهولوكوست (المحرقة) الذي عُقد في استكهولم في يناير/كانون الثاني عام 2000"، وهو يضم حالياً "31 بلداً عضواً، و11 بلداً مراقباً و7 شركاء دوليين دائمين".

لا يستخدم تعريف هذا التحالف عبارة "معاداة الصهيونية"، لكنه يقول إن إنكار حق الشعب اليهودي في تحديد المصير "أي على سبيل المثال القول إن وجود دولة إسرائيل عمل عنصري" معادٍ للسامية.

ما التالي: قالت صحف فرنسية إن اعتماد تعريف معاداة السامية وفقاً للتحالف الدولي المشار إليه، لا يعني دعماً لإسرائيل. وهذا ما سعى ماكرون لترويجه. لكن المتابع للمواقف الإسرائيلية المطالبة دوماً باعتماد الصهيونية ضمن معاداة السامية، يمكن أن يلحظ الفائدة الكبيرة التي ستجنيها إسرائيل من قرار كهذا.

ويفتح الموقف الفرنسي الجديد باب الحديث عن حماية حرية التعبير التي ستكون في محط اتهام ضمن موضوع رفض فكرة الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ عربية؛ فإسرائيل تمثل فكر الحركة الصهيونية وأي انتقاد لإسرائيل يمكن أن يعتبر رفضاً للصهيونية، وسيكون، وفقاً للموقف الفرنسي الجديد، مجّرماً.

ويشير الكاتب منير حامد في حديث لـTRT عربي إلى أن موقف ماكرون يأتي في فترة من البرود في العلاقات الفرنسية الإسرائيلية، وهو ما يعني سعياً من الطرفين لإحياء هذه العلاقات بما يخدم المصالح الداخلية.

ويضيف حامد أن لماكرون هدفاً مهماً يكمن في إيجاد دعم له وسط أزمته الداخلية في ظل تنامي حراك السترات الصفراء، وهو بالتالي يبحث دوماً عن الدعم.

المصدر: TRT عربي - وكالات