يبدو ماكرون حالياً محاصراً، وهو ما عبّرت عنه صحيفة ليبيراسيون الفرنسية قائلة: "ماكرون عالق في المصيدة" (Reuters)

طيلة الأيام السابقة تجتاح مظاهرات عموم فرنسا، لرفض مشروع قانون "الأمن الشامل"، الذي كان حصل على الضوء الأخضر من البرلمان الفرنسي، وتنص إحدى مواده (المادة 24) على عقوبة السجن سنة ودفع غرامة قدرها 45 ألف يورو في حال بث صور لعناصر من الشرطة والدرك.

مشروع القانون المثير للجدل أدخل البلاد في أزمة بدأت تضيق حول عنق ماكرون، ما دفع به وبحكومته، الاثنين، إلى المناورة في محاولة للخروج من الأزمة السياسية، في حين تجد الحكومة نفسها محاصرة بين قاعدة احتجاجية يسارية وأخرى انتخابية يمينية أساسية بالنسبة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فهل تنجو حكومة فرنسا من أزمة قانون الأمن الشامل؟

البرلمان يذعن... ماكرون أيضاً

هذه المظاهرات واستمرار الضغط الشعبي أجبرا البرلمان الفرنسي على الإذعان، مُعلناً الاثنين عزمه إعادة صياغة المادة 24 من المشروع، مُباشرة بعد اجتماع رؤساء الكتل البرلمانية مع ماكرون ورئيس الوزراء جان كاستكس في الإليزيه، الأمر الذي يُعدّ إذعاناً من ماكرون نفسه.

وقال كريستوف كاستانير ، رئيس كتلة حزب "الجمهورية إلى الأمام" (حزب ماكرون)، إن المادة 24 من مشروع القانون تهدف إلى حماية قوات الأمن وحرية الصحافة، وأشار إلى أن المادة لم تُفهم جيداً من قبل الفرنسيين والصحفيين، مُضيفاً أن قوات الأمن لم ترغب في فرض حظر على تصويرهم في أثناء عملهم.

وأوضح كاستانير أنه ستُعاد كتابة هذه المادة في إطار عمل جماعي للأحزاب الثلاثة، وستعرض على الحكومة بعد إعادة صياغتها، في حين قالت وكالة الصحافة الفرنسية إن الأغلبية البرلمانية تنوي مراجعة هذه المادة المثيرة للجدل بـ"صورة شاملة".

مأزق الحكومة المُضاعَف

في المقابل، وبالنسبة إلى قسم كبير من المعارضة، باتت الأزمة تتجاوز المادة 24، إذ قال زعيم النواب الشيوعيين فابيان روسيل: "إنه أول تراجع. لكننا نريد سحب المادة كلياً ونص القانون العام"، وهو أمرٌ يزيد الضغط على الحكومة.

فحديث الأغلبية البرلمانية عن إعادة صياغة المادة 24 في مسودة القانون بشكل تام، يأتي "سعياً لنزع فتيل الأزمة" حسب وكالة الصحافة الفرنسية، وهو ما يُشير إليه قول زعيم نواب الأغلبية كريستوف كاستانير: "لا بد من تبديد الشكوك المتعلقة بالنص".

يأتي ذلك في الوقت الذي تسعى فيه حكومة ماكرون للخروج من مأزقها المُضاعف، فالتحرك القوي للمعارضين لمشروع القانون، عزّزته قضية تعرض المُنتج ذي البشرة السمراء ميشال زيكلير للضرب على يد عناصر شرطة، وهي قضية صدمت البلاد وعمّقت أزمة الحكومة التي تسعى إلى إعادة الإمساك بزمام الأمور.

ووجه القضاء الفرنسي تُهماً إلى أربعة عناصر شرطة، أوقف اثنان منهما، في إطار التحقيق المفتوح في قضية ضرب زيكلير، تتعلق خصوصاً بممارسة ضرب متعمد، فاقمته دوافع عنصرية، ما أسهم في زيادة التوتر عامةً في البلاد.

وازدادت حدة التوتر أيضاً بعد نشر صور صدامات وتعرض شرطي في ختام تظاهرات السبت في باريس لهجوم عنيف، في حين أصيب مئة شرطي بجروح.

"عالقٌ في المصيدة".. ماكرون مُحاصَراً

قالت صحيفة لوفيغارو الفرنسية إن "الحكومة تسعى للخروج من المأزق"، مُعنونةً ذلك بـ"فخُّ قانون الأمن الشامل يَضيقُ على ماكرون"، مضيفة: "عند الوصول إلى ممرّ مسدود، يكون الحلّ أحياناً هو المشي إلى الوراء"، في مشاكسة لفظية تلعب حول اسم حركة/حزب ماكرون: "الجمهورية إلى الأمام".

فماكرون وحكومته يجدان نفسيهما أمام خيار حساس للتفاوض على مخرج من الأزمة، فبعدما وصل عام 2017 إلى الحكم مستفيداً من أصوات اليمين واليسار، يبدو ماكرون حالياً محاصراً بين التيارين، وهو ما عبّرت عنه صحيفة ليبيراسيون الفرنسية قائلة: "ماكرون عالق في المصيدة".

في المقابل، تبدو حكومة ماكرون أقرب إلى اليمين اليوم أكثر من أي وقت مضى، فوزير داخليته جيرال دارمانان قريب من اليمين ومُكلّف باستقطاب ناخبي اليمين، في الوقت الذي يحاول فيه اليسار المقسم الاتحادَ خلف ملف الأمن لكسب مزيد من الدعم وإضعاف الأغلبية الرئاسية التي تجد نفسها بالفعل في موقف صعب.

في هذا الصدد، قال نائب من الكتلة البرلمانية لماكرون: إن "خط دارمانان يؤجج النقاش، ويكسر نقطة توازن القاعدة الانتخابية للأغلبية الحكومية والبرلمانية"، حسب ما نقلت عنه صحيفة لوموند الفرنسية.

من جهته، اعتبر زعيم الكتلة الاشتراكية في البرلمان أوليفييه فور أن "رئيس الجمهورية عليه أن يختار من يكون، عليه أن يختار هل هو دارمانان أو (المفتش العام للشرطة ديدييه) لاليمان، أم هو على العكس جمهوري كما يقول".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً