أعلنت باريس موقفاً واضحاً إزاء قرار الرئيس الأميركي الملتبس حول وجود قوات عسكرية في سوريا. وقال الرئيس الفرنسي إن قوات بلاده باقية هناك، كما أنّها ملتزمة بوجودها العسكري في الساحل الأفريقي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة في القاعدة العسكرية بمدينة تولوز الفرنسية
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة في القاعدة العسكرية بمدينة تولوز الفرنسية (AFP)

ما المهم: بعد نحو شهر من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عزمه سحب قوات بلاده من سوريا، حددت باريس عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إستراتيجيتها للانتشار العسكري في الخارج، بما يشمل سوريا والعراق ومنطقة الساحل في أفريقيا.

وفي كلمة سنوية إلى الجنود الفرنسيين لتهنئتهم بالعام الجديد، شدد الرئيس الفرنسي مساء الخميس، على أهمية أن تبقى بلاده "ملتزمة عسكرياً تجاه المشرق" ضمن التحالف الدولي، مشيراً أيضاً إلى أهمية البقاء العسكري في منطقة الساحل.

المشهد: أمام 1600 جندي في قاعدة فرانكازال لسلاح البر قرب مدينة تولوز الفرنسية، حضر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتقديم التهاني بالعام الجديد للجنود، ولإعلان أنّ "القتال لم ينتهِ" ضد تنظيم داعش الإرهابي، وذلك في رد مباشر على نية الرئيس الأميركي الانسحاب من سوريا.

وقال ماكرون إنّ "الانسحاب المعلن من سوريا لصديقنا الأميركي يجب ألا يحرفنا عن هدفنا الإستراتيجي: القضاء على داعش بحرمان هذه المنظمة الإرهابية من أي موطئ قدم ومنع ظهورها مجدداً". وتابع أنّ فرنسا ستظل "ملتزمة عسكرياً تجاه المشرق في التحالف الدولي في العام المقبل". وقال إنّ "أيّ تسرع في الانسحاب هو خطأ".

وأشار الرئيس الفرنسي إلى أنّه خلال الأشهر القليلة المقبلة، فإنّ باريس "ستكيّف الاستعدادات العسكرية وفقاً للعمليات والوضع السياسي".

كما أكد إيمانويل ماكرون الحاجة إلى "التزام طويل الأمد" للقوات الفرنسية المنتشرة في منطقة الساحل في أفريقيا. وشدد على أنّ "الأمر سيستغرق بعض الوقت لاستعادة السلام" في هذه المنطقة الصحراوية الضخمة.

وقال "لن تهون عزيمتنا لأنّ الأمر يتعلق بمستقبل أفريقيا وبالتالي مستقبلنا". وتابع أنّ "النتائج واضحة، فالعديد من القادة وأعضاء الجماعات الإرهابية تم تحييدهم وقطع إمداداتهم اللوجستية".

الخلفيات والدوافع: يأتي خطاب الرئيس الفرنسي بعد نحو شهر من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نيته الانسحاب من سوريا وما رافق ذلك من تذبذب في موقف واشنطن النهائي من الانسحاب.

وفي الشهر الماضي، انتقد ماكرون قرار نظيره الأميركي بلهجة شديدة، وقال "أن تكون حليفاً يعني أن تقاتل جنباً إلى جنب". وأضاف أنّ "على الحليف أن يكون محل ثقة وأن ينسق مع الحلفاء الآخرين".

تُعدُّ فرنسا إحدى الدول المؤسسة إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية للتحالف الدولي ضد داعش الإرهابي. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، فإنّ باريس تشارك في التحالف عبر 1200 عسكري ومن خلال عمليات جوية (5 إلى 10% من الضربات)، بالإضافة إلى قوات خاصة في سوريا ومدفعية ودورات تدريبية للجيش العراقي.

في سياق آخر، تنظر باريس إلى وجودها في الساحل الأفريقي على أنّه يُمثّل ركيزة أساسية للاستقرار في المنطقة، وذلك منذ التدخل العسكري في مالي في بداية 2013. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، يشارك 4500 عسكري في عملية "برخان" (سرفال سابقاً)، والتي تقودها فرنسا في منطقة الساحل دعماً لقوات الدول الخمس في المنطقة (موريتانيا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد)، وقوة الأمم المتحدة.

ظهور الديناميكية الفرنسية على الصعيد الأمني في ليبيا منذ عام 2011، وفي منطقة الساحل منذ عام 2013، وفي سوريا والعراق منذ عام 2014، كان دائماً مرتبطاً بالتزام واشنطن الموجودة والحاضرة دائماً للدعم

جلال حرشاوي - محاضر في الجيوسياسة في جامعة فرساي الفرنسية

في هذا الصدد، أوضح المُحاضر في الجيوسياسة في جامعة فرساي الفرنسية جلال حرشاوي، أنّ"تأكيد الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا هو مسار بدأ عام 2007 بإيعاز من الأميركيين".

وأضاف حرشاوي في حديث لـTRT عربي، أنّه بعد ذلك التاريخ، فإنّ "ظهور الديناميكية الفرنسية على الصعيد الأمني في ليبيا منذ عام 2011، وفي منطقة الساحل منذ عام 2013، وفي سوريا والعراق منذ عام 2014، كان دائماً مرتبطاً بالتزام واشنطن الموجودة والحاضرة دائماً للدعم". بين السطور: قال جلال حرشاوي، إنه "منذ بضعة سنوات، ما انفكت الضبابية الأميركية تكبر، وتعرف باريس أنّ استقلاليتها يجب أن تكون بالتالي أكبر". وأشار إلى أنّ افتقار الثقة في الرئيس الأميركي دونالد ترمب وانعدام الوضوح "يتزايدان اليوم".

ما التالي: في تعليق سريع على إعلان الرئيس الفرنسي أنّ المعركة "لم تنته" وأنّ بلاده ستبقى في سوريا، نقلت صحيفة لوموند عمّن وصفتهم بالمصادر المطلعة، أنّه "سيبقى الفرنسيون في سوريا لشهرين أو ثلاثة أشهر بالتوافق مع التحالف الأميركي". إلا أنّ هذه المصادر تبدي اعتقادها بأنّ "فرنسا لن تتمكن من البقاء وحدها في الميدان السوري".

وفي حديثه لـTRT عربي، رأى جلال حرشاوي أنّ السؤال الرئيس يتمحور حول ما إذا كانت "فرنسا ستنجح في المواصلة رغم التقلبات الأميركية". وأضاف أنه "في هذه المرحلة لا أحد يعرف الإجابة، لكنّ فرنسا ستحاول".

بدوره أبدى الباحث في الجيوسياسة عدلان محمّدي، اعتقاده بأنّ الحالتين، أي بين سوريا والساحل الأفريقي، مختلفتين. وقال في حديث لـTRT عربي، "من دون الدعم الأميركي في سوريا، فإنّ الحضور الفرنسي يصبح مهدداً".

ورأى محمّدي أنّ الدور الفرنسي المحاط بسياق يجري فيه تنسيق أميركي-تركي، وحوار تركي-روسي، "هامشي"، مشيراً إلى أنّ "الانسحاب الأميركي سيتبعه انسحاب البريطانيين كما الفرنسيين".

لكن فيما يخص الساحل الأفريقي، أشار عدلان محمّدي إلى أنّه "بإمكان الالتزام الفرنسي هناك أن يستمر".

المصدر: TRT عربي