قال مالك صحيفة "فورين بوليسي" الأمريكية، جيريمي هاموند، في مقابلة صحفية أجريت معه عبر السكايب إن أزمة كورونا لم تبلغ ذروتها بعد، وتداعياتها ستكون خطيرة، وعلى الجميع أن يستعد لما هو قادم".

جيرمي هاموند مالك مجلة فورين بوليسي
جيرمي هاموند مالك مجلة فورين بوليسي ()

وقد اعتبر هاموند أن "النظام الأمريكي فشل فشلاً ذريعاً في إدارة جائحة فيروس كورونا المستجد، خاصة بعد أن وقع مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي (CDC) في الكثير من الأخطاء، أبرزها اختبارات وتحاليل كورونا"، واصفاً ما يُقال عن أسطورة البلد الأقوى بالعالم، كما تنعت أمريكا نفسها، بـ "الأكذوبة".

وفي مقابلته الخاصة مع TRT عربي أكد هامنود على أن "أن كورونا مرض مُزمن"، ولن ينتهي قريباً، وأن الدواء ليس حلاً، بل الحل هو العمل على تقوية جهازنا المناعي. وتغيير عادتنا وطريقتنا في الحياة، مضيفاً: "نحن مُحاطون بالسموم في كل مكان وأجسامنا مليئة بها، يجب أن نتخلص منها عن طريق التغذية السليمة، وممارسة الرياضة، وتناول الفيتامينات، والتعرض الكافي للشمس. فمن يمتلك جهازاً مناعياً قوياً هو من سينجو من هذه الجائحة".

واستبعد هاموند تأثر ترمب سلباً بأزمة كورونا معللاً ذلك بأن "أنصاره سيجدون مبرراً لأي إجراء يقوم به"، على حد قوله.

وبسؤاله عن مدى تأثر الشرق الأوسط بأزمة الاقتصاد الأمريكي، أجاب هاموند: "هذا يتوقف على مدى اعتماد كل دولة على أمريكا؛ فالدول التي اتخذت خطوات للوراء نحو استقلاليتها عن الدولار وعن واشنطن ستكون في وضع أفضل، بينما الدول التي تعتمد بالأساس على أمريكا ستتضرر".

وتالياً نص المقابلة:

تتصدر أمريكا اليوم العالم بأكثر من المليون ونصف المليون إصابة بفيروس كورونا ونحو 100 ألف حالة وفاة.. ما سبب هذا العدد الضخم؟

أعتقد أن السبب الرئيسي أننا شعب ليس لديه وعي كاف بهذا المرض الجديد، ولم تُكوّن أجسامنا بعد مناعة لمواجهته. وواحدة أيضاً من الأسباب هي حالة الخوف والهلع التي زُرعت في نفوس الشعب، بسبب التحذيرات والقرارات السياسية التي لم تعتمد على بيانات أو إحصائيات دقيقة، فضلاً عن التضارب في التصريحات بشأن التعاطي مع الأزمة في بدايتها.

وماذا عن الوضع في نيويورك، صاحبة العدد الأكبر في الوفيات؟

ارتفاع معدل السكان يلعب دوراً مهماً في الأمراض الخطيرة، وهذا أمر طبيعي.

عفواً.. لكن نيويورك ليست الولاية الأكبر من حيث معدل السكان؟

هذا سؤال جيد جداً، لكن للأسف ليس لدي إجابة عليه، لكن ربما أيضاً بسبب التلوث ووجود مطار دولي فيها، جعلها مركزاً لاستقبال حالات عديدة من بلدان مختلفة.

لكن لو تحدثنا بهذا المنطق فمدينة كاليفورنيا أكثر تلوثاً من نيويورك كما أنها مركز للسياحة بينما لا تحتضن هذا العدد الضخم من الحالات؟

صحيح، فمثلاً ولاية لوس أنجلوس أسوأ من نيويورك في التلوث، كما يوجد فيها ازدحام كبير، ودعيني أخبرك أن هناك عاملاً آخر يلعب دوراً مهما، وهو التوزيع الديموغرافي، لكن هناك أسئلة عديدة لا نملك لها إجابات حتى الآن.

المشكلة أننا نأخذ ما يحدث في نيويورك أو شمال إيطاليا مثالاً ونُعمّم ذلك على كافة البلاد، وهذه طريقة غير علمية، فليس من العقل أن نستند للأسوأ، ونفرض قوانين عامة بناء عليها على كافة البلاد.


ذكرت سابقاً أن "نسب الإصابات والوفيات التي تم الإعلان عنها غير حقيقية ومُبالغ فيها بشكل كبير، وأن أرقام الوفيات أقل بكثير من التي تم الإبلاغ بها، وأن بعض الأشخاص بما فيهم أفراد بالحكومة يتخذون قرارات قائمة على الخوف دون التفكير الكامل في العواقب".. فعلى ماذا تستند في هذه المعلومات؟

المشكلة أن العينات التي تم اختيارها لإجراء الفحص الطبي عليها لقياس نسبة انتشار المرض تمت على أشخاص غير أصحاء بالأساس داخل المستشفيات، كانوا يعانون من أمراض عدة، بل ومن ضمنهم حالات حرجة، بينما كان يجب تطبيقها على عينة عشوائية كما يحدث في الوضع الطبيعي، وبالتالي النتائج كانت غير سليمة وأظهرت نسبة عالية جدا للوفاة. أيضا تم تجاهل إعادة توثيق الحالات التي شُفيت وهي كثيرة جداً.

هل نفهم من كلامك أن النظام الأمريكي فشل في إدارة الأزمة؟

بالطبع؛ فمركز السيطرة على الأمراض (CDC) وقع في الكثير من الأخطاء بالنسبة لاختبارات وتحاليل فيروس كورونا؛ فقد كانت هناك اختبارات موجودة بالفعل مثل تحليل "PCR"، وكانت جاهزة، لكن (CDC) أصر على إنتاج اختباراته بنفسه، والتي انتهت بفشل ذريع في هذا الصدد، لأن الاختبارات لم تعمل، مما أخّر الدولة لمعرفة أبعاد ما يحدث داخل المستشفيات، وما هي الحالات الخطيرة ومعدل العدوى. فالحكومة فشلت تماماً في هذا الأمر.

ما تقوله ينفي أسطورة البلد الأقوى بالعالم كما تنعت أمريكا نفسها، وإن كانت كذلك فلماذا لم تستطع حتى الآن التوصل لعلاج للفيروس؟


للأسف هذه أكذوبة فعلاً، فإلى الآن لم نستطع اكتشاف أي علاج فعّال لكوفيد-19، حتى الحالات التي شفيت جميعها نجحت في ذلك بنفسها سواء بسبب تمتعهم بجهاز مناعي قوي أو بتجربة العديد من الأدوية عليهم، فجميعهم تحت التجربة.

فمثلاً هناك شائعات أن دواء الملاريا يصلح لعلاج كورونا، لكن إلى الآن لم يثبت فعالية ذلك بالطرق العلمية، وكما توجد تجارب أيضاً على العلاج ببلازما دم المتعافين من الفيروس واستخلاص الأجسام المضادة التي كونتها أجسادهم ومن بعد حقن المصابين بها، لكن تبقى أيضاً جميعها دراسات غير قائمة على تجارب علمية، حتى وإن كانت هذه المحاولات تعطي بعضاً من الأمل للشعب، لكن الحقيقة كما ذكرت أن معظم الناس التي أصيبت بالمرض تماثلوا للشفاء تلقائياً.

وماذا عن دواء Remdesivir الذي قامت الولايات المتحدة بتوزيع مليون ونصف عبوة منه على الشعب زاعمة أنه علاج لكورونا، أم أن هذه مجرد إجراءات لتهدئة الشعب؟

صحيح، فكما ذكرت لكِ إلى الآن لم يثبت فعالية أي دواء.

لكن هناك نقطة مهمة أريد الإشارة إليها هي أن نسبة خطورة المرض غير متساوية بين الفئات العمرية المختلفة؛ فعلى سبيل المثال الأطفال المصابون بكورونا تظهر عليهم أعراض قليلة جداً، إن ظهرت، على عكس الإنفلونزا عندما تصيب الطفل تكون أكثر خطورة.

كما أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة، والسكر، وتصلب الشرايين، والسرطان، أيّا كان عمرهم يُشكل الفيروس خطراً كبيراً عليهم.

لذلك، السن ليس هو العامل الوحيد الذي يجب الاعتماد عليه لقياس خطورة المرض على الأشخاص.

وهناك عامل آخر مهم جداً، وهو ارتفاع نسبة المرض في الولايات المتحدة بشكل عام، فنصف أبنائنا من ساكني المستشفيات وبنيتهم الصحية ضعيفة.

وفي ضوء عدم الوصول إلى علاج فعّال.. كيف يمكن للناس أن تتعايش مع الفيروس؟

المرض مزمن، ولن ينتهي قريباً، والدواء ليس حلاً، بل الحل هو تقوية جهازنا المناعي. ويجب على الشعب أن يغير عاداته وطريقته في الحياة. نحن مُحاطون بالسموم وأجسامنا مليئة بها. يجب أن نتخلص منها عن طريق التغذية السليمة، وممارسة الرياضة، وتناول الفيتامينات، والتعرض الكافي للشمس. وفي النهاية من يمتلك جهاز مناعياً قوياً سيستطيع أن ينجو من هذه الجائحة.

صرحت سابقاً أنه "تم إصدار أوامر تنفيذية في الولايات المتحدة للحد من انتقال العدوى على حساب انهيار الاقتصاد عمداً دون النظر في الأرواح التي ستفقد عن طريق دفع جماهير من الناس إلى الصعوبات المالية واليأس"، ما هذه القرارات؟ وماذا تقصد بـ "عمداً"؟

أقصد قرار الإغلاق الشامل الذي اتخذته الدولة، فأنا ضده تماماً؛ فمثلاً المشكلة أن الدولة كانت ترغب في غلق البلاد تماماً، حتى يتم إنتاج اللقاح الخاص بالفيروس، وبالطبع هذا درب من الجنون وغير منطقي.

وقد لمسنا حالياً صدى هذ الإغلاق بارتفاع نسبة البطالة واستغناء كثير من الشركات عن العمالة، وبعد إنهاء الحظر وعودة الحياة لن يجد الناس وظائفهم التي تركوها متاحة بعد، ووقتها سيموت الناس من الجوع وليس كورونا.

أتظن أن ترمب بهذا الجهل الذي يجعله يغرق الاقتصاد عمداً- كما تقول- خصوصاً أنه على مشارف الانتخابات الرئاسية؟

الفكرة أن هذه القرارات والإجراءات ناتجة عن حكومة الولايات وليست الحكومة الفيدرالية، لذلك فترمب نفسه لا يملك أن يفعل شيئاً في هذه الإجراءات، وليس له الحق بالأساس -على الرغم من أن الحكومة الفيدرالية تنتهك القوانين وتقوم بأعمال كثيرة غير موكله لها- بالإضافة إلى أن ترمب قد أعطى الصلاحية لكل ولاية باتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة لها.

لكن مؤخراً عندما قرر ترمب تخفيف إجراءات الحظر قليلاً ارتفعت على الفور نسبة الوفيات في البلاد؟

هذا ليس بسبب تقليل إجراءات الحظر، وإنما بسبب عوامل أخرى كموسم الربيع، حيث إنه كأي فيروس آخر يتأثر بالفصول فيزداد في بعضها ويقل في أخرى.

وما الإجراء الأصح من وجهة نظرك؟

أرى أن يتم إعادة فتح البلاد مرة أخرى، كما فعلت السويد التي لم تُطبق الحظر، وتحاول المستشفيات بها استيعاب الحالات قدر الإمكان، والشعب استمر في الذهاب للعمل، وبالتالي استطاعت المحافظة على اقتصادها.

صحيح أن الكثيرين سيُصابوا بالفيروس، وهناك عدد آخر سيموت، ولن نستطيع أن نمنع ذلك بأي حال، لكن سيحدث ما يسمى بـ "مناعة القطيع"، وهو ما سيقلّل مدة الأزمة.

لكن البعض سيفهم من كلامك أن الاقتصاد أهم لديك من حياتهم؟

القصة ليست كذلك؛ فحياة الناس مرتبطة بالاقتصاد إن تدهور فسيموتون هم أيضاً جوعاً. وبالفعل هناك أطفال بأمريكا يموتون من الجوع لعدم مقدرة أسرهم على توفير الحد الأدنى من الطعام، كما علمت، لكن لا توجد احصائيات موثقة تشير إلى هذا الأمر المؤلم للغاية.

برأيك، كيف سينجو ترمب اقتصادياً من هذه الأزمة؟ هل الحل سيكون داخلياً أم من الخارج بالاعتماد على أموال بعض الدول الحليفة الغنية مثل السعودية والإمارات؟

لطالما كانت السعودية مفتاحاً لحل الكثير من المشاكل؛ فهي التي ساعدت بالفعل في ارتفاع قيمة الدولار وثباته، وهو ما أعطى مكانة كبيرة لأمريكا عالمياً، وعادة في حالة الأزمات تقوم هذه الدول "بالإشاره إلى السعودية" بالدفع للحكومة الأمريكية لإنقاذ الدولار من الانهيار، وهذا للأسف يضع أمريكا في موقف المدين، فربما يكون لمثل هذه الإجراءات فوائد محدودة على المستوى الراهن، لكننا بحاجة إلى النظر للأمام والأضرار والتوابع القادمة، والتي ستنجم عن مثل هذه الإجراءات؛ فإذا نظرنا إلى ديون أمريكا سنجدها في زيادة وما يفعله ترمب الآن يزيدها أكثر.

وبالتالي ما الخيار الآخر المتاح أمام ترمب وحكومته لتخطي الأزمة؟ هل طبع المزيد من الأموال كما يفعل مثلا؟

يجب علينا أن يكون لدينا وعي كافٍ بأن طبع المزيد من الأموال ليس حلاً، وغلق الأسواق ليس حلاً، ولا يجب أن تكون الأزمة هي المحرك للاقتصاد، لأن ذلك سوف يؤثر علينا على المدى الطويل، وستزداد الديون، حتى وإن رأت الحكومة أن هذا هو الحل الوحيد المطروح الآن فأنا ضده. فبعيداً عن الأزمة الراهنة، كان الاقتصاد على موعد جديد مع الركود، والحكومة الفيدرالية كانت تحاول أن تتخطى هذه الموجة.

ما الحل من وجهة نظرك؟

الحل يجب أن يأتي من السوق نفسها، فالأسعار قبل الأزمة كان مبالغاً فيها في كل شيء، أما الآن ستبدأ في النزول وتعود لقيمتها الفعلية، ويسود نظام العرض والطلب والذي سيجبر المستثمرين ورجال الأعمال على أن يستخدموا مصادر أقل لإنتاج أفضل.

بالتالي أزمة الركود ستمثل العلاج الذي سيعمل على تصحيح الفساد الاقتصادي الحاصل حالياً، وعندما تأخذ وقتها ستبدأ السوق في التعافي، ويعود الاقتصاد مرة أخرى للنشاط.

نحن على حافة ركود عظيم لم نر مثله منذ أزمة عام 1930، والاقتصاد يتخبط بشكل كبير، والقادم خطير، والناس لا تدرك أبعاد هذه الكارثة. إلا أن الميزة الوحيدة التي لدينا الآن، هي الإنترنت حيث يمكن للكثير العمل من المنزل.

وكيف ستؤثر أزمة الاقتصاد الأمريكي على الشرق الأوسط؟

العزل والتخبط الاقتصادي الموجود في دول العالم المتقدمة سيؤثر بالتبعية على دول العالم النامية وعلى المساعدات وكافة أشكال الدعم، التي توقف الكثير منها.

فالتأثير سيتوقف على مدى اعتماد كل دولة على أمريكا؛ فالدول التي اتخذت خطوات للوراء نحو استقلاليتها عن الدولار وعن واشنطن ستكون أفضل، بينما الدول التي تعتمد بالأساس علينا ستتضرر.

ويتوقف هذا التأثير أيضاً على مدى تأثير كورونا على كل دولة داخلياً، وبالتأكيد الفقراء سيكونون أكثر الناس تضرراً بهذه الأزمة، حيث سيزداد عددهم بشكل كبير، وسيزدادون بؤساً فوق بؤسهم.

فالأزمة لم تبلغ ذروتها بعد، وتداعياتها ستكون خطيرة، وعلى الجميع أن يستعد لما هو قادم.

ما تأثير تخلي دول شنغهاي عن الدولار على قيمته؟

هناك بلدان كثيرة ابتعدت عن الدولار، وهذا راجع لفقدان الثقة واستياء هذه الدول من السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بسبب استغلال الأخيرة قوتها الناتجة عن قوة ثبات الدولار للتحكم في العلاقات الدولية، وبالتالي هذا التصرف نتيجة طبيعية لما يحدث.

وبالمناسبة هذه ليست المرة الأولى، فقد سبقهم في ذلك الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عندما لجأ لبيع الغاز باليورو بدلاً من الدولار، ولذلك جرت مهاجمته.

لكن في النهاية الصين تعتمد على الولايات المتحدة، والولايات المتحدة تعتمد على الصين، حتى وإن بدأ ترمب حرباً تجارية معها وتوترت العلاقات، فالصين لديها ثروات من الذهب، والتي يمكن أن تضخها في السوق، لكن من سيشتريها؟ البنك الاحتياطي مثلاً؟ لدينا مثل يقول "Chickens coming home roost" بمعنى أن الصين مهما شردت ستعود في النهاية لأمريكا.


من كلامك ربما يجب أن تقول بشكل واضح إنك غير راض عن سياسة ترمب الخارجية؟

هذه أول مرة يتم طرح هذا السؤال عليّ، أنا أتحفظ جداً على سياسة ترمب الخارجية، خاصة بشأن العلاقات التجارية مع الصين، والتي أراها علاقة ضارة وغير منطقية بالمرة.

أخيرا.. ما مدى تأثير هذه الأزمة على فرص نجاح ترمب في الانتخابات المقبلة؟

لا أظن أنه سيكون لها تأثير قوي على ترمب، لأن من كان يكرهه سيظل يكرهه، ومن كان يؤيده سيظل يؤيده، وأنصاره سيجدون مبرراً لأي إجراء يقوم به، هذا اعتقادي وما أراه؛ فالحب أعمى، وطالما هم قرروا أن لا يروا الحقائق فلن يختلف شيء بالنسبة لهم.

المصدر: TRT عربي