فلاح بواحة "آيت شاكر": تزايدت وتيرة الحرائق في الواحات مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع منسوب سقوط الأمطار (Facebook - ouled chaker)

ما إن يتمكّن الفلاحون المحليّون ورجال الإطفاء، من السيطرة على حريق في واحات النّخيل بالجنوب الشرقي المغربي، حتى يندلع آخر.

لقد تحوّلت حرائق الواحات في المغرب، إلى واحدة من أكبر المشكلات التي تُسبب قلقاً مستمراً للسكان المحليين، وتُهدد ملايين أشجار النخيل، التي تُعدّ مصدراً رئيسياً لدخل المزارعين.

فزراعة نخيل التّمر تُعتبر أساس اقتصاد الواحات بالمغرب، إذ حققت عائداً بلغ ملياراً و965 مليون درهم (حوالي 218 مليون دولار) خلال الفترة بين 2015 و2018.

ويُعتبر المغرب، المنتج الثاني عشر للتّمر عالمياً، وتغطّي أشجار النّخيل 59 ألفاً و640 هكتاراً، أي ما يعادل 6.9 ملايين نخلة، تنتج 117 ألف طن من التّمر سنوياً.

الحرائق تأكل خطط التنمية

في عام 2014، قدّم وزير الفلاحة والصيد البحري عزيز أخنوش، أمام عاهل البلاد الملك محمد السادس، استراتيجية جديدة لتنمية الواحات وشجر الأركان.

وبعدها بسنتين في عام 2016، قدّمت المملكة مبادرة "الواحات المستدامة"، أمام مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في مراكش، وكان قوامها الاعتراف بالمجال الواحي والمحافظة عليه وتنميته.

جهود المحافظة على الواحات، وجعلها متأقلمة مع الظروف المناخية الصعبة، خاصة تلك الموجهة لتنمية سلاسل الإنتاج، ودعم الفلاحين العاملين في القطاع، لم تمنع حدوث حرائق تُكبّد المزارعين سنوياً خسائر كبيرة، وتُنذر بمستقبل أكثر قسوة في هذا المجال.

ومؤخراً، أطلقت منظمة "السّلام الأخضر العالمية"، حملةً على موقعها الإلكتروني، للمحافظة على واحات المغرب من خطر الزوال بفعل التغيّرات المناخية.

المنظّمة العالمية، طالبت بدفع الحكومة المغربية لِلُعب دور قيادي في المفاوضات والمنتديات العالمية المتعلقة بقضية المناخ، عبر رفع مستوى الالتزامات الدولية لمكافحة آثار تغيّر المناخ، دفاعاً عن ثقافة المملكة وثروتها وتراثها.

إدريس هناوي، فلاح بواحة "آيت شاكر"، قال إنّ وتيرة الحرائق في الواحات زادت، مع ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع منسوب سقوط الأمطار، وفق حديثه لوكالة الأناضول.

وأوضح هناوي، أنّ أسباب الحرائق متعددة، فإلى جانب ارتفاع درجات الحرارة، هناك عوامل بشرية مرتبطة بضعف تنقية ما يسمى "أعشاش النخيل"، والتي تُصبح مجالاً مواتياً لاندلاع الحرائق.

وبفعل الهجرة المتوالية للسكان المحليين نحو الحواضر والمدن، تعاظم إهمال النخيل، وهو عامل آخر يجعل من الواحات مجالاً يُشبه الغابات الكثيفة التي يصعب اقتحامها حتى على رجال الإطفاء عند حدوث حرائق.

وفي الوقت الذي كان يمكن لمخلّفات أشجار النخيل، وبخاصة جريدها أن يصبح مجالاً للاستثمار عبر تحويله إلى مواد استهلاكية تدرّ دخلاً إضافياً على السكان المحليين، تلعب اليوم دوراً معكوساً.

وفي هذا الصدد، رأى الحبيب الشوباني، رئيس مجلس "جهة درعة تافيلالت"، وهو مجلس محلي منتخب، أنّ غياب مشاريع قابلة للتنفيذ في مجال تحويل جريد النخل، وفّر قابلية اشتعال الحرائق.

وأشار الشوباني إلى أنّ "التغيّرات المناخية المتّسمة بالمباغتة، والتي تنجم عنها فيضانات وارتفاع قياسي في درجة الحرارة، يمكن أن تكون أيضاً سبباً مباشراً في إشعال الحرائق".

التغيّر المناخي وتناقص الموارد

يتّفق معظم المهتمّين بمجال التغيّرات المناخية، أنّ ارتفاع درجات الحرارة، يضغط على الموارد المائية، وهو ما يعني، في مناخ جاف كمناخ الواحات، تعميق أزمة الندرة.

وكان واضحاً في واحة "أيت شاكر"، أنّ الموارد المائية في تناقص مستمر، ذلك أنّ الفلّاحين يجدون صعوبات كبيرة في الحصول على الماء الذي يُعينهم على ريّ نخلهم ومواجهة الحرائق، من الآبار التي يحفرونها.

ولفت تقرير سابق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في المغرب (حكومي)، إلى تراجع حصّة الفرد السنوية من المياه في عموم البلاد لأقل من 650 متراً مكعباً، مقابل 2500 سنة 1960، ومن المتوقع أن تقلّ هذه الكمية عن 500 متر مكعب بحلول 2030.

والخميس الماضي، توقّعت المديرية العامة للأرصاد الجوية (حكومية)، تسجيل درجات حرارة عُليا تُراوح بين 46 و49 درجة، في المحافظات الوسطى والجنوبية، في الأيام الـ4 الموالية.

وقال الحسين يوعابد، رئيس مصلحة التواصل في المديرية، إنّ "المغرب سجّل في 10 يوليو/تموز الماضي، درجة حرارة قصوى بلغت 49.6 بمحافظة سيدي سليمان (وسط)، وهي الأعلى بالمملكة منذ 1995 التي سجّلت 49 درجة".

وأوضح أنّ نسبة الاحترار خلال السنوات الـ10 الماضية ارتفعت بواقع 0.33 درجة، وهو أعلى من المعدل العالمي البالغ 0.17 درجة.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً