منذ أكثر من شهر تواصل قوات النظام السوري بدعم روسي قصفها المتواصل على مدينة إدلب، ما تسبب في مقتل العشرات ونزوح الآلاف وسط تحذيرات أممية من كارثة إنسانية. الأمر الذي استوجب تدخلاً تركياً مرة أخرى قد يضع اتفاق سوتشي في خطر.

النظام السوري يواصل قصف مناطق خفض التصعيد بدعم روسي
النظام السوري يواصل قصف مناطق خفض التصعيد بدعم روسي (AFP)

تتعرض منطقة خفض التصعيد، في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، والتي كرسها اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في سوتشي، لهجوم عنيف تشنه قوات النظام ومليشياته، بدعم من حلفائه منذ مطلع مايو/أيار 2019.

وقد أدى الهجوم حتى الآن إلى مقتل مئات المدنيين، وتدمير عشرات المراكز الصحية والمدارس التي يُستخدم أكثرها مراكز للإيواء، فضلاً عن نزوح ما يزيد عن نصف مليون من السكان. وهو يهدد مباشرة اتفاق سوتشي ومعه كامل مسار أستانا، وفتح الباب واسعاً أمام مواجهة شاملة بين قوات المعارضة وقوات النظام.

عشرات القتلى والجرحى جراء أكثر من 1250 ضربة جوية وبرية من النظام وحلفائه استهدفت ريفي حماة وإدلب، أعادت من جديد المعركة إلى مربعها الأول، لتطرح تساؤلات حول مدى جدية حلفاء بشار الأسد في الالتزام بالاتفاقات الدولية ووقف إطلاق النار من أجل الحل السياسي.

بين موسكو وأنقرة

جاء تحذير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من ردٍّ "قاسٍ وساحق" في إدلب، بمثابة التحدي لأي دعوات للحوار والتهدئة عندما قال إن “الإرهابيين ينفذون باستمرار هجمات استفزازية، ويقصفون بالصواريخ والطائرات المسيرة مواقع للجيش السوري، في البلدات وقاعدة حميميم الجوية الروسية”، وفق زعمه.

أردف لافروف اتهاماته للمعارضة السورية بتوعدهم قائلاً "بطبيعة الحال لن نترك، لا نحن ولا الجيش السوري، مثل هذه التصرفات من دون رد قاس وساحق".

جاء هذا التصعيد الروسي بعد فشل التوصل إلى اتفاقات قاطعة وثابتة خلال الجولة الأخيرة من محادثات أستانا أواخر أبريل/نيسان 2019، بمشاركة كل من روسيا وتركيا وإيران. وكان يفترض أن تتوصل الأطراف فيها إلى اتفاق نهائي حول أسماء أعضاء اللجنة الدستورية ومهماتها وآليات عملها لوضع مسودة دستور جديد؛ تمهيداً لإقرارها، وإجراء انتخابات ترى روسيا أنها الطريق الوحيد لإنهاء الصراع المستمر منذ ثماني سنوات.

ويأتي التصعيد كذلك بعد فشل تفاهم روسي-تركي، كان من المفترض أن تسمح تركيا بموجبه بسيطرة "مدنية" أو "غير عسكرية" للنظام في مناطق من ريف إدلب الجنوبي، بما يشمل الطرق الدولية، ومدينة جسر الشغور، في مقابل السماح بسيطرة تركية على منطقة تل رفعت، التي تتواجد فيها حالياً التنظيمات الإرهابية، وتنطلق منها هجمات على منطقة عفرين التي تسيطر عليها تركيا في إطار عملية "غصن الزيتون"، وأدت إلى مقتل جندي تركي مطلع مايو/أيار 2019.

وازداد المشهد تعقيداً بعد أن قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، إن بلاده بدأت ترى بعضاً من المرونة في موقف الولايات المتحدة الأمريكية حيال المنطقة الآمنة في سوريا، في مناطق شرق الفرات حيث يسيطر تنظيم PYD الإرهابي، ما يعني تحقيق انفراجٍ في العلاقات بين أنقرة وواشنطن بعد سنين من التوتر بسبب تحالف واشنطن مع الإرهابيين وتجاهلها مخاوف تركيا الأمنية.

وكان مجلس الأمن القومي التركي، انعقد قبل شهر، وقال إن هجمات نظام الأسد على المدنيين في منطقة خفض التوتر بسوريا، تقوّض روح اتفاق أستانا.

مستقبل اتفاق سوتشي

في ظل التصعيد بدأ الحديث عن إمكانية نزوح أكثر من مليوني سوري بسبب المعارك الأخيرة إلى تركيا من قبل الأمم المتحدة.

وقالت منظمة برنامج الأغذية العالمية التابعة للأمم المتحدة، إن أكثر من 300 ألف سوري اضطروا منذ أبريل/نيسان الماضي، إلى النزوح إلى المخيمات القريبة من الحدود التركية، نتيجة الاشتباكات العنيفة الدائرة في المنطقة.

وأوضحت المنظمة في بيان، أن الاشتباكات العنيفة في المنطقة، عوقت إيصال المساعدات الإنسانية إلى العديد من النقاط، بخاصة في المناطق الواقعة جنوبي محافظة إدلب.

وأضافت المنظمة أن طواقمها لم تتمكن من إيصال المساعدات الإنسانية إلى نحو 7 آلاف شخص يقيمون في محيط قلعة المضيق بالريف الشمالي لمحافظة حماة.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكد قبل أسبوعين لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، ضرورة تحقيق وقف إطلاق النار بمنطقة إدلب، بأقرب وقت والتركيز لاحقاً على الحل السياسي مجدداً.

وأشار أردوغان إلى ضرورة منع وقوع مزيد من الضحايا جراء هجمات النظام السوري التي تستهدف في غالبيتها المدنيين جنوبي إدلب، وإزالة خطر الهجرة المتزايدة نحو الحدود التركية.

في المقابل، تدرك موسكو أن عملية عسكرية كبيرة في إدلب ستؤدي بالضرورة إلى انهيار مسار أستانا، الذي يتعرض لضغوط شديدة مع استمرار محاولات الولايات المتحدة إعادة الاعتبار إلى مسار جنيف، وزيادة ضغطها على إيران لإخراجها من سوريا.

ويعدّ اتفاق إدلب أمل موسكو الوحيد لإنقاذ مسار أستانا الذي تهدد تركيا بالانسحاب منه إذا قامت روسيا بعمل عسكري كبير ضد إدلب. ومن شأن ذلك أن يقوض فرص الحل السياسي وفق الرؤية الروسية في سوريا، والقائمة على ثنائية الدستور والانتخابات.

وحسب نيويورك تايمز، فإن عملية عسكرية كبيرة في إدلب ستدفع تركيا مجدداً إلى التقارب مع الغرب، وستؤدي بالضرورة إلى تبديد كل جهود روسيا للبقاء الحليف الأول لأنقرة، تلك الجهود المستمرة منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/تموز 2016، بما في ذلك مساعي ربط تركيا بروسيا باتفاقيات حول التجارة والطاقة، وحتى تزويدها بمنظومة صواريخ S-400.

من جانبها نجحت تركيا في إيضاح أهمية إدلب بالنسبة إليها، من خلال مواقفها الرسمية وتصريحات قادتها، فيما أوصلت المقاومة الشرسة التي أبدتها قوات المعارضة في الدفاع عن معقلها الأخير رسالة مهمة إلى روسيا، مفادها أن معركة إدلب، في حال قررت روسيا خوضها، لن تكون كبقية المعارك، وبخاصة مع ظهور أسلحة مضادة للطائرات.

وحسب رويترز، فإنه من المرجح أن تؤدي الضغوط الدولية دوراً في منع وقوع حمام دم في إدلب أو موجات نزوح واسعة؛ بسبب وجود نحو أربعة ملايين مدني في المحافظة، أكثرهم من النازحين من مناطق أخرى داخل سوريا، في حال حصول هجوم عسكري روسي شامل عليها.

وكانت الولايات المتحدة حذرت من أنها لن تقف مكتوفة اليدين في حالة استخدام السلاح الكيماوي في الهجوم على إدلب.

المصدر: TRT عربي