كشفت شبكة CNN الأمريكية أن محكمة واشنطن أرسلت مذكرات استدعاء إلى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، عبر تطبيق "واتساب" على خلفية ملاحقة الضابط السابق سعد الجبري له في المحاكم الأمريكية بعدد من التهم.

محكمة واشنطن تستدعي محمد بن سلمان على خلفية دعوى قضائية
محكمة واشنطن تستدعي محمد بن سلمان على خلفية دعوى قضائية (Getty Images)

تستمر وقائع دعوى قضائية رفعها مسؤول استخباري سعودي سابق في محكمة أمريكية، بعد إفشاء أسرار ملكية من داخل أروقة الحكم في السعودية، مع ادّعاء المسؤول أنّ ولي العهد النافذ الأمير محمد بن سلمان حاول اغتياله.

آخر مستجدات الدعوى كانت استدعاء محكمة واشنطن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان و9 سعوديين آخرين بالإضافة لمؤسسة "مسك" الخيرية، في الدعوى القضائية التي رفعها المستشار الأمني السعودي السابق سعد الجبري ضدهم، عبر تطبيقي "واتساب" و"سيغنال"، بحسب وثائق المحكمة التي حصلت شبكة CNN الأمريكية على نسخة منها ونشرتها الخميس.

(CNN)

وأظهرت وثيقة لمحكمة واشنطن، بتاريخ الخميس، 29 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أنها أرسلت مذكرة ورسائل استدعاء للأمير محمد بن سلمان عبر واتساب باللغتين العربية والإنجليزية، في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي.

نشرت الشبكة صوراً تقول إنها راجعة إلى المراسَلة التي بعثت بها المحكمة
نشرت الشبكة صوراً تقول إنها راجعة إلى المراسَلة التي بعثت بها المحكمة (CNN)

ونشرت الشبكة نفسها، صوراً تقول إنها راجعة إلى المراسَلة التي بعثت بها المحكمة، وقد تبين أنها أُرسلت عند الساعة الرابعة وخمس دقائق عصراً بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة (الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق مساء بتوقيت السعودية)، كما أكدت أيضاً أن المتلقي توصل بها بعد 20 دقيقة من ورودها إليه.

نشرت الشبكة صوراً تقول إنها راجعة إلى المراسَلة التي بعثت بها المحكمة
نشرت الشبكة صوراً تقول إنها راجعة إلى المراسَلة التي بعثت بها المحكمة (CNN)

وإلى جانب بن سلمان جاء أبرز المستدعين معه من قبل المحكمة الأمريكية سعود القحطاني المستشار بالديوان الملكي والذراع اليمنى لولي العهد محمد بن سلمان وبدر العساكر مدير المكتب الخاص لولي العهد السعودي، إضافة إلى أحمد عسيري، نائب مدير الاستخبارات السعودية، وجميعهم طالتهم الاتهامات بالاشتراك في جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول قبل عامين.

صورة تؤكد استلام الاستدعاء من قبل بن سلمان
صورة تؤكد استلام الاستدعاء من قبل بن سلمان (CNN)

كيف بدأت القضية؟

كان خالد الجبري، نجل سعد الجبري، قد أكد في شهر أغسطس/آب الماضي، أن والده أقام دعوى قضائية ضد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بعدما فشلت مساعيه على مدار 3 سنوات في استخدام كل وسائل "الدبلوماسية الهادئة والمصالحة" مع الحكومة "من دون فائدة".

وعمل الجبري، الضابط السابق بالاستخبارات السعودية الذي يعيش حالياً في المنفى بكندا، مستشاراً فترة طويلة للأمير محمد بن نايف. وحلَّ الأمير محمد بن سلمان في 2017 محل بن نايف في ولاية العهد، ما جعله الحاكمَ الفعلي للسعودية.

وقال أشخاص لـ"رويترز" سابقاً، إن الجبري مطَّلع على وثائق تحتوي على معلومات حساسة يخشى ولي العهد أن تسبب ضرراً له، ويعد الجبري اليد اليمنى لوليّ العهد السعودي السابق محمد بن نايف، ويعتبر اليوم أبرز المطلوبين لمحمد بن سلمان.

وانتقل الجبري إلى كندا قادماً إليها من الولايات المتحدة تحسباً لاحتمال تسليمه إلى السعودية، بعدما شغل مناصب عدة حساسة في المملكة على مدى عقود.

وعاش الجبري بعيداً عن الأضواء في كندا منذ أن انتقل إليها في عام 2017 ملتزماً الصمت، لكن بعد اعتقال ابنه وابنته مؤخراً كسر صمته وتحدث إلى الإعلام عن محنته. 

وفضلاً عن كونه وزير دولة سابقاً وعضواً في مجلس الوزراء، فإنه كان المسؤول الأول عن جهاز الاستخبارات السعودي أثناء تولي الأمير محمد بن نايف مقاليد وزارة الداخلية قبل سنوات، إضافة إلى عمله مستشاراً أمنياً وحلقة وصل بين الأمير محمد بن نايف وأجهزة الاستخبارات الغربية، وفي القلب منها الأمريكية.

وتنطلق الدعوى القضائية المؤلفة من 107 صفحات والمرفوعة ضد ولي العهد السعودي و24 آخرين أمام محكمة اتحادية في مقاطعة كولومبيا، من شكوى الجبري ولي العهد بإرساله فرقة قتل إلى كندا في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2018.

وتقول الدعوى القضائية التي تطالب بتعويضات يجري تقدير قيمتها أثناء المحاكمة: "سافر فريق من السعوديين عبر المحيط الأطلسي من السعودية بنيّة قتل الدكتور سعد". تشير الدعوى إلى أن فريق الاغتيال كان مؤلفاً من مجموعة مقربة من ولي العهد تسمى فرقة النمر، وكانوا يحملون حقيبتين تحتويان على أدوات تحقيقات جنائية، وكان من بينهم شخص يعلم كيفية تنظيف مسرح الجريمة من الأدلة.

وأضافت أن الرجال "حاولوا دخول كندا بشكل مستتر، إذ سافروا بتأشيرات سياحية"، وتظاهروا بعدم معرفة بعضهم بعضاً. لكن ضباط الحدود ارتابوا في الأمر، حيث عثروا على صورة تُظهر عدداً منهم معاً، وهو "ما كشف كذبهم وأحبط مهمتهم".

ووفقًا للدعوى أيضاً، فقد نشر بن سلمان "شبكة عملاء سريين" في الولايات المتحدة، في محاولة منه لتعقب مكان الجبري، وقد احتك هؤلاء في أكثر من مناسبة بنجل الجبري وأصدقائه في بوسطن.

وحدثت تلك الواقعة بعد أقل من أسبوعين من قتل عملاء سعوديين للصحفي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في إسطنبول. 

وتعرَّض ولي العهد محمد بن سلمان، لانتقادات دولية، بسبب قتله، الذي قالت مصادر في الحكومة الأمريكية، إن وكالة المخابرات المركزية CIA تعتقد أن ولي العهد وافق عليه، بل ربما أمر به أيضاً.

ويقول خالد نجل الجبري الذي يعيش أيضاً بكندا، إن والده يعيش في خوف مستمر ويخشى على حياته، حيث يتعرض لضغوط متزايدة من قِبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للعودة إلى السعودية.

وذكر خالد الجبري، في مقابلة خاصة مع شبكة CNN الأمريكية، في أغسطس، أن أسرته واجهت "حملة إرهابية غير قانونية عابرة للحدود"، كانت تسعى إلى قتل والده وأخذ شقيقيه (عمر وسارة)، المحتجزين في السعودية حالياً، كـ"رهائن".

وكشف الجبري عن أنه كان هناك تهديد مماثل لحياة والده "قبل أسبوعين" من المقابلة، وأن أجهزة الاستخبارات في كندا وأمريكا كانت مطلعة على ذلك.

وتابع: "في النهاية، دُفعنا إلى السعي للمحاسبة والعدالة من خلال (رفع قضية أمام) محكمة اتحادية أمريكية، ونأمل أن تساعدنا القضية الحالية في إنهاء هذا العذاب، وحرية عمر وسارة ولمّ شملهما معنا وحماية والدي، ونهاية الكابوس لعائلتي".

ووفق ما كشفته صحيفة "ذا ستاندرد" الكندية تضاف محاولة الاغتيال المذكورة إلى سلسلة محاولات فاشلة أخرى لتعقّب الجبري منذ عام 2017، بدأت بمراسلات مباشرة من بن سلمان نفسه لإقناع الأخير بالعودة، عبر إغرائه بـ"وظيفة كبيرة" تارة، ومحاولة إقناعه بوجود مسألة حساسة تخص بن نايف وتتطلب وجوده في البلاد لأخذ مشورته.

ثمّ تبع ذلك محاولات استدراجه من خلال صديق قديم له التقاه في كندا، وحاول إقناعه بالعودة إلى إسطنبول "ليكون قريباً من عائلته"؛ ثمّ سعي السلطات السعودية لاستعادته عبر "إنتربول"، ثم اعتقال ابنيه اللذين بقيا في السعودية واحتجزهما كرهينتين للضغط عليه.

صندوق أسرار

وقال مصدر مقرّب من الديوان الملكي السعودي لوكالة الصحافة الفرنسية أنّ دعوى سعد الجبري، لا أساس لها، مصرّاً على أن المسؤول السابق في جهاز الاستخبارات يواجه مزاعم "فساد خطيرة" في المملكة.

وقد تتحوّل القضية التي شملت اتهام الجبري للأمير بتدبير اعتقال نجله وابنته في المملكة دون توجيه اتهامات لهما، إلى نزاع علني يؤدي إلى كشف بعض أوجه صراعات القوة والنفوذ في المملكة.

وهي المرة الأولى التي يرفع فيها مسؤول كبير سابق دعوى ضد ولي العهد، وفي حال ثبتت صحة ما ورد في الدعوى، فإنها ستلقي مزيداً من الضوء على ما يعتبره مراقبون حملة حكومية ضارية لملاحقة الخصوم والمنتقدين في الخارج، خاصة بعد قضية خاشقجي.

وشملت الدعوى مراسلات عبر تطبيق واتساب لإقناع الجبري بالعودة إلى المملكة بعيد إعفاء الأمير محمد بن نايف من منصبه.

وأكّد مسؤول سعودي رفيع المستوى، لوكالة الصحافة الفرنسية أنّ الحكومة تستعد للرد على الدعوى القضائية في المحكمة الأمريكية، في حين لم تنف كندا الادعاء بأنها اعترضت فرقة الاغتيال السعودية.

وقد أعرب مسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عن دعمهم للجبري، وأشادوا به كشريك في جهود مكافحة الإرهاب، بعدما ساعد بحسب هؤلاء في إحباط عدة هجمات ضد المصالح الأمريكية.

ومن غير الواضح مصير الدعوى في الولايات المتحدة، حيث لا يقيم الجبري ولا ولي العهد، لكن قرار استدعاء ولي العهد مؤخراً يمثل تطوراً مهماً.

وتشكّل القضية مصدر قلق للرياض؛ لأنها تؤكد أن الجبري يمتلك "معلومات حساسة ومهينة" عن ولي العهد، بما في ذلك تسجيلات سيجري نشرها في حال مقتله.

ومن بين المعلومات التي وردت أنه في عام 2015 شجّع محمد بن سلمان سراً روسيا على التدخل في الصراع السوري، وهي خطوة أثارت غضب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

وبعد شهرين من ذلك، بدأت القوات الروسية تدخّلها، مما قضى فعلياً على أية فرصة لتحقيق نصر عسكري للمعارضة السورية التي قالت المملكة إنها تدعمها.

المصدر: TRT عربي - وكالات