تعود القيود في الغالب إلى عام 2012 عندما كان القلق متزايداً في الكونغرس الأمريكي والأمم المتحدة بشأن تجنيد الإرهابيين عبر الإنترنت (AFP)

لدرء أي شبهات واتهامات بمساعدتها "الإرهابيين" في نشر الدعاية، منعت شركة فيسبوك المستخدمين لسنوات عديدة من التحدث بحرية عن الأشخاص والمجموعات التي تقول إنهم "يروجون العنف".

تعود القيود في الغالب إلى عام 2012، عندما كان القلق متزايداً في الكونغرس الأمريكي والأمم المتحدة بشأن تجنيد الإرهابيين عبر الإنترنت.

وقتها أضافت فيسبوك إلى معايير المجتمع الخاصة بها حظراً على "المنظمات التي تحظى بسجلّ من الأنشطة الإرهابية أو الإجرامية العنيفة".

منذ ذلك الحين تضخمت هذه القاعدة المتواضعة إلى ما يُعرف بسياسة الأفراد والمنظمات الخطرة، وهي مجموعة شاملة من القيود على ما يقرب من 3 مليارات مستخدم وكيانات تُعتبر خارج هذا التصنيف، وفق موقع "ذي إنترسبت" الأمريكي.

في السنوات الأخيرة استُخدمت هذه السياسة باطراد، بما في ذلك ضد رئيس الولايات المتحدة، واستُولِيَ بقوة على الشبكة الاجتماعية لتطمين الجمهور.

لكن اتُّهمت فيسبوك بالتسبب في العنف كما حدث في أعمال الشغب في مقر الكونغرس التي نفّذها أنصار الرئيس السابق دونالد ترمب.

ونشرت وول ستريت جورنال الأمريكية أن الشركة كانت تعلم أنها سهّلت وقوع أضرار لا تُحصَى.

لكن كما هو الحال مع المحاولات الأخرى لتقييد الحريات الشخصية باسم مكافحة الإرهاب، أصبحت سياسة فيسبوك غير خاضعة للمساءلة، إذ تعاقب مجتمعات معينة بشكل غير متناسب، كما يقول النقاد.

وأُنشئَت قائمة سوداء تضمّ أكثر من 4000 شخص ومجموعة، بما في ذلك السياسيون والكتاب والجمعيات الخيرية والمستشفيات ومئات الأعمال الموسيقية والشخصيات التاريخية التي ماتت منذ زمن طويل، وفق الموقع الأمريكي.

ودعا مجموعة من الباحثين القانونيين والمدافعين عن الحريات المدنية الشركة إلى نشر القائمة حتى يعرف المستخدمون متى يواجهون خطر حذف منشور أو تعليق حسابهم بسبب مدح شخص أو منظمة ما.

رفضت الشركة ذلك مراراً وتكراراً، مدعية أنها ستعرّض الموظفين للخطر وتسمح للكيانات المحظورة بالتحايل على السياسة.

على الرغم من مزاعم فيسبوك أن الكشف عن القائمة من شأنه أن يعرّض موظفيها للخطر، فقد أوصى مجلس الإشراف المختار بعناية من الشركة رسمياً بنشرها في مناسبات متعددة، كما حدث مؤخرا في أغسطس/آب، "لأن المعلومات في المصلحة العامة".

ما بعد 11 سبتمبر

قالت فايزة باتيل المديرة المشاركة لمركز برينان للحرية والعدالة: "يضع فيسبوك المستخدمين في وضع صعب بإخبارهم أنهم لا يستطيعون النشر عن الجماعات والأفراد الخطرين، ولكن بعد ذلك يرفض الكشف عنهم علناً".

قال الخبراء إن القائمة والقواعد المرتبطة بها تبدو تجسيداً واضحاً للقلق الأمريكي والمخاوف السياسية وقيم السياسة الخارجية منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

ويعتبر كل شخص ومنظمة في القائمة تقريباً عدواً أو تهديداً لأمريكا أو حلفائها، أكثر من نصفهم يتكون من إرهابيين أجانب مزعومين، تخضع نقاشاتهم على فيسبوك لأقصى رقابة.

ويقول "ذي إنترسبت": "تضع سياسة فيسبوك قيوداً أكثر مرونة على التعليقات حول المليشيات ذات الغالبية البيضاء المناهضة للحكومة (في الولايات المتحدة) مقارنةً بالجماعات والأفراد المدرجين في قائمة الإرهابيين، الذين ينتمون في الغالب إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا والمسلمين، أو أولئك الذين يُقال إنهم جزء من مؤسسات إجرامية عنيفة، وهم في الغالب من السود واللاتينيين".

وقال أنجيل دياز المحاضر في كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، الذي أجرى أبحاثاً وألّف كتباً عن تأثير سياسات الاعتدال في فيسبوك على المجتمعات المهمشة، إن الشركة تستخدم "قبضة من حديد تجاه بعض المجتمعات".

قال مدير سياسة مكافحة الإرهاب والمنظمات الخطيرة في فيسبوك برايان فيشمان، في بيان مكتوب، إن الشركة تحتفظ بسرية القائمة لأن "هذه مساحة خصومة".

ويضيف: "لذلك نحاول أن نتحلى بأكبر قدر ممكن من الشفافية، مع إعطاء الأولوية للأمن أيضاً، والحد من المخاطر القانونية ومنع المجموعات من الالتفاف على قواعدنا".

وأردف: "لا نريد إرهابيين أو مجموعات كراهية أو منظمات إجرامية على منصتنا، لهذا نحظرهم ونزيل المحتوى الذي يمدحهم أو يمثلهم أو يدعمهم".

يركز فريق مكون من أكثر من 350 متخصصاً في فيسبوك على وقف هذه المنظمات وتقييم التهديدات الناشئة، وفق فيشمان.

ويتابع: "نحظر حالياً آلاف المنظمات، بما في ذلك أكثر من 250 مجموعة من جماعات التفوق العرقي الأبيض، ونحدّث بانتظام سياساتنا والمنظمات الأخرى المؤهلة للحظر".

على الرغم من أن الخبراء الذين راجعوا الموادّ يقولون إن سياسة فيسبوك تعاقب المستخدمين بشكل غير ملائم، فإنها مع ذلك تعكس معضلة حقيقية تواجه الشركة.

تحريض على العنف

بعد الإبادة الجماعية في ميانمار، أدركت الشركة أنها ربما أصبحت أقوى نظام جُمّع على الإطلاق للتوزيع الحسابي العالمي للتحريض على العنف.

ويقول الموقع الأمريكي إن عدم فعل أي شيء في مواجهة هذا الواقع سوف يُنظر إليه على أنه إهمال صارخ من أجزاء كبيرة من الجمهور.

القائمة التي استعرضها موقع "ذي إنترسبت" مقسمة إلى فئات كراهية وجريمة وإرهاب وحركات اجتماعية عسكرية وعنف من عدة دول.

نُظّمت هذه الفئات في نظام من ثلاثة مستويات بموجب القواعد التي طرحها فيسبوك في أواخر يونيو/حزيران.

ولكن في حين أن تسميات مثل "إرهابي" و "إجرامي" واسعة من الناحية المفاهيمية، فإنها تبدو أقرب إلى وكلاء عرقيين ودينيين.

وبغضّ النظر عن المستوى، لا يُسمح لأي شخص في القائمة بالوجود على منصات فيسبوك، ولا يُسمح للمستخدمين بتمثيل أنفسهم كأعضاء في أي مجموعات مدرجة.

مستويات القائمة

تحدد المستويات بدلاً من ذلك ما يُسمح لمستخدمي فيسبوك الآخرين بقوله حول الكيانات المحظورة.

المستوى الأول هو الأكثر تقييداً: لا يجوز للمستخدمين التعبير عن أي شيء يُعتبر مدحاً أو دعماً للمجموعات والأشخاص في هذا المستوى، حتى بالنسبة إلى الأنشطة غير العنيفة (على النحو الذي يحدده فيسبوك).

هذا المستوى يشمل الإرهاب والكراهية والجماعات الإجرامية المزعومة والأعضاء المزعومين فيها، مع تعريف الإرهاب بأنه "تنظيم العنف ضد المدنيين أو الدعوة إليه"، والكراهية على أنها "تجريد من الإنسانية بشكل متكرر أو الدعوة إلى إلحاق الضرر" بالأشخاص.

الفئة الإجرامية من المستوى الأول هي تقريباً عصابات الشوارع الأمريكية وعصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية، ومعظمهم من السود واللاتينيين.

فئة الإرهابيين على فيسبوك، التي تشكل 70% من المستوى 1، تتكون بشكل كبير من منظمات وأفراد من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهم ممثَّلون بشكل غير متناسب في القائمة، عبر جميع المستويات، إذ يُصنَّف ما يقرب من 80% من الأفراد المدرجين على أنهم إرهابيون.

ويقول الموقع: "يضغ فيسبوك معظم الأسماء في فئة الإرهاب بعد أخذها مباشرة من حكومة الولايات المتحدة، وتستعين بقائمة عقوبات تحتفظ بها وزارة الخزانة الأمريكية".

في المستوى الأول ما يقرب من 500 مجموعة كراهية، بما في ذلك أكثر من 250 منظمة لتفوُّق البيض، لكن فايزة باتيل من مركز برينان، أشارت إلى أن مئات من مجموعات المليشيات اليمينية البيضاء التي تبدو مشابهة لمجموعات الكراهية "قُيّدت بلمسة خفيفة" وتُوضَع في المستوى 3.

المستوى الثاني هم "الفاعلون العنيفون من غير الدول"، يتكون في الغالب من مجموعات مثل المتمردين المسلحين الذين ينخرطون في أعمال عنف تستهدف الحكومات بدلاً من المدنيين.

ويشمل عديداً من الفصائل التي تقاتل في الحرب السورية. يمكن للمستخدمين مدح المجموعات في هذا المستوى لأعمالهم اللا عنفية، ولكن لا يجوز لهم التعبير عن أي "دعم جوهري" للمجموعات نفسها.

المستوى الثالث مخصص للمجموعات غير العنيفة ولكنها تنخرط بشكل متكرر في خطاب الكراهية، ويبدو أنها على وشك أن تصبح عنيفة قريباً، أو تنتهك سياسات فيسبوك نفسها بشكل متكرر.

مستخدمو فيسبوك أحرار في مناقشة قوائم المستوى 3 كما يحلو لهم. ويشمل المستوى 3 الحركات الاجتماعية العسكرية، التي هي في الغالب مليشيات أمريكية يمينية مناهضة للحكومة، وهم من البيض بالكامل تقريباً، حسب الموقع.

ويخلص الموقع إلى القول إن "القائمة تتضمن مجموعة من قادة داعش ومقاتلي القاعدة الذين لا جدال في خطرهم على الآخرين، لكن سيكون من الصعب القول إن بعض الإدخالات تشكل تهديداً كبيراً لأي شخص على الإطلاق".

وبيّن أن المشكلة تكمن في معاقبة الخصوم الدوليين بدلاً من تحديد مدى خطورتهم قبل اتخاذ فيسبوك، التي تلتزم معايير الحكومة الأمريكية في ذلك الأمر، هذا الإجراء.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً