انتقل الانقسام الفلسطيني إلى ميادين المظاهرات والوقفات المتضادة، الأحد، وسط تحوّل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وفي سابقة، إلى نقطة ارتكاز، بين داع لرحيله وآخر يريد بقاءه رئيساً للسلطة.

فلسطينيون تظاهروا في غزة وطالبوا الرئيس محمود عباس بالرحيل 
فلسطينيون تظاهروا في غزة وطالبوا الرئيس محمود عباس بالرحيل  (AFP)

ما المهم: تعكس المظاهرة التي شارك فيها الآلاف في قطاع غزة، وطالبوا برحيل الرئيس الفلسطيني محمود عباس حالة الانقسام المتصاعد في الضفة الغربية التي تحكمها السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح، وقطاع غزة الذي تحكمه حركة حماس. فيما يخشى مراقبون من أن يقود هذا المشهد إلى نقطة اللاعودة بين الطرفين.

المشهد: قال مراسل TRT عربي في قطاع غزة سامي برهوم، إن آلاف الفلسطينيين تظاهروا في مدينة غزة ظهر الأحد، مطالبين باستقالة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبتراجع السلطة الفلسطينية عن إجراءاتها الأخيرة "التي تشدد الخناق على القطاع".

وأشار إلى أن هذا الحراك الشعبي العفوي غير مسبوق من حيث المطالبة برحيل الرئيس الفلسطيني، موضحاً أنه تعزز بدعم ضمني من قبل الفصائل الفلسطينية التي تطالب السلطة برفع إجراءاتها.

وقال برهوم إن القائمين على الحراك أشاروا إلى أنّه سوف يتصاعد في حال لم تتراجع السلطة عن إجراءاتها، لافتاً في الوقت ذاته إلى توجّه لتنظيم وقفات أمام منزل الرئيس الفلسطيني في قلب غزة وأمام مقار المنظمات الدولية. كما نقل عن القائمين على الحراك قولهم إنهم قد يتوجهون إلى تنظيم عصيان مدني ومحاولة الضغط عبر رفع شكاوى دولية.

وتم تنظيم المظاهرة من قبل "الحراك الشعبي للإنقاذ الوطني"، وقال عضو الحراك زياد أبو طه، إن المتظاهرين جاؤوا ليؤكدوا حرصهم على إعادة ترتيب منظمة التحرير وتفعيلها لتكون الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا "كما يراها الشعب وليس المتنفذون حسب أهوائهم الداخلية".

وأضاف في كلمته أمام الحشود"جئنا لنؤكد أن غزة ليست قاطرة سائبة ولا حملاً إضافياً يريدون التخلص منه كيفما شاءوا ووقتما شاءوا، بل هي خزان الثورة وصاحبة الفعل الوطني التي لم ترضخ للإذلال".

مصادر مختلفة تحدثت إلىTRT عربي، قالت إن حركة حماس والتيار الإصلاحي التابع للقيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، قد يكونان مَن دفع باتجاه تنظيم المظاهرة.

وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صالح رأفت في بيان "من المؤسف أن تقدم حركة حماس اليوم، في الوقت الذي تُعقد فيه القمة العربية الأوربية الأولى في شرم الشيخ وبمشاركة دولة فلسطين ويمثلها الرئيس محمود عباس، على تنظيم مظاهرات في قطاع غزة تدعو لرحيله"

جدير بالذكر أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أصدرت بياناً السبت، قالت فيه إنها بذلت جهودها للحيلولة دون الإقدام على إجراءات وخطوات جديدة من شأنها تصعيد "التناقضات الداخلية"، في إشارة إلى مظاهرة غزة. وبدورها، نفت الجهاد الإسلامي علاقتها بتنظيم المظاهرة.

بالتوازي مع المشهد الآتي من غزة، نظم مؤيدون للرئيس محمود عباس، عدة وقفات موالية له في الضفة الغربية المحتلة، كما أكدت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية وفا.

وتتزامن مظاهرات الأحد مع وجود الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في مصر للمشاركة في القمة العربية الأوروبية، بالإضافة إلى وجود رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في القاهرة.

على صعيد آخر، انعكست حالة الانقسام على مواقع التواصل الاجتماعي، بين معارضين للرئيس عباس، وقد رفعوا شعار #ارحل، وبين مؤيدين له، وقد اختاروا شعار #اخترناك.

الخلفيات والدوافع: تراكمت في المدة الأخيرة مؤشرات الإخفاق ضمن مسار المصالحة الفلسطينية، وبات المشهد الفلسطيني حبيس التراشق الإعلامي بين طرفَي هذا المسار، السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة من جهة، والقوى السياسية وفصائل المقاومة في قطاع غزة المحاصر، وأبرزها حركة حماس، من جهة أخرى.

ومنذ العام الماضي، يتعذر تطبيق العديد من اتفاقات المصالحة الموقعة بين الحركتين والتي كان آخرها بالقاهرة في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وذلك بسبب نشوب خلافات حول عدة قضايا، منها: تمكين الحكومة في القطاع، وملف موظفي غزة الذين عينتهم حماس أثناء فترة حكمها للقطاع.

وترافق إخفاق مسار المصالحة مع توجه السلطة برئاسة محمود عباس، إلى اتخاذ سلسلة قرارات تخص قطاع غزة، فيما كانت حركة حماس تصفها بالعقابية.

ويشرح المحلل السياسي الفلسطيني حسام الدجني، في حديث لـTRT عربي، أن "الأسباب والدوافع التي تقف خلف مظاهرة غزة، تتمثل في العقوبات التي فرضها الرئيس محمود عباس، وانسداد أفق المصالحة".

وبدأت قرارات الرئيس عباس المشار إليها، بالبروز، مع انسحاب السلطة الفلسطينية من معبر رفح الحدودي مع مصر في بداية العام الجاري، ما وضع حماس أمام موقف محرج، لأن القاهرة كانت ترفض في أوقات سابقة أن يعمل المعبر إلا بوجود السلطة الفلسطينية.

ووصل الانقسام إلى ذروته مع قبول الرئيس الفلسطيني استقالة حكومة الوفاق برئاسة رامي الحمدالله في نهاية الشهر الماضي. وهو قرار تبعه قطع الرواتب عن موظفي السلطة في غزة.

وانعكست هذه القرارات على صعيد التراشق الإعلامي بين الطرفين؛ ففي نهاية الشهر الماضي دعا عضو اللجنتين التنفيذية والمركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية عزام الأحمد، في تصريح إذاعي، إلى "إعلان غزة إقليماً متمرداً".

من جهة أخرى، مثّلت القرارات الإسرائيلية العقابية بحق الشعب الفلسطيني، سبباً آخر لارتفاع التوتر بين القطاع والضفة بسبب سعي الاحتلال لتجفيف الموارد المالية للسلطة.

ما التالي: يبدي المحلل السياسي الفلسطيني حسام الدجني، اعتقاده أن ما حصل الأحد تجسيد فعلي لواقع انسداد الأفق السياسي الفلسطيني، مضيفاً في حديث لـTRT عربي أن "ما نشهده من مناكفات إعلامية وسياسية قد يتحوّل قريباً إلى انفجار عام بسبب الوضع الذي يعاني منه قطاع غزة". ويقول إن "المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في غزة باتت خطيرة".

ويرى الدجني أنه ما لم يتحرك المجتمع الدولي لتنفيذ اتفاقات وتفاهمات المصالحة ولجم الاحتلال الإسرائيلي عن أفعاله وتوجهاته، فإنّ "الانفجار قد يقع قبل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في أبريل/نيسان المقبل". ويشير إلى أن هذا الانفجار قد يكون "شعبياً أو حتى عسكرياً ضد الاحتلال".

من جهة أخرى، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية أمجد أبو العز، في حديث لـTRT عربي، إن كلا الطرفين الفلسطينيين باتا معنيين، أكثر من أي وقت مضى، بالتوجه نحو إقامة انتخابات، مضيفاً أنه إذا لم يتم التوجه إلى هذا الخيار "فإن الانقسام سوف يزداد".

المصدر: TRT عربي - وكالات