ارتكب الجيش الإسرائيلي مجازر نتج عنها محو عائلات بأكملها من السجل المدني خلال جولة القصف المستمرة (Reuters)

مع كل عدوان على غزة، لا تجد إسرائيل حيلة لمهاجمة منتقديها سوى اتهامهم بـ"معاداة السامية"، وهو ما برز خلال موجة التصعيد الحالية مع تركيا والصين.

وارتكب الجيش الإسرائيلي مجازر نتج عنها محو عائلات بأكملها من السجل المدني خلال جولة القصف المستمرة منذ 10 مايو/أيار الجاري، وهو ما صعّد حدة الانتقادات الدولية.

وعلى عكس مرات سابقة، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إيصال صورة أكبر عن المجازر عبر الصوت والصورة، وتفاعلت شخصيات سياسية ورسمية ومشاهير يتابعهم ملايين، مما زاد حرج تل أبيب.

وفي مواجهة كل ذلك، عادت إسرائيل إلى استخدام أسطورة "معاداة السامية" للردّ على منتقديها، وآخرهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وجاءت التهمة هذه المرة من الحليف الأبرز لتل أبيب، على لسان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، الذي اتهم أردوغان بأنه "مُعادٍ للسامية"، بعد أن قال الرئيس التركي لنظيره الأمريكي جو بايدن: "يداك ملطختان بالدماء".

وجاء اتهام أردوغان يوم الاثنين بسبب دعم بايدن إسرائيل التي تواصل تصعيدها العسكري ضدّ قطاع غزّة، إذ باعت واشنطن للدولة العبرية أسلحة إضافية مؤخراً.

أسطورة متجددة

وتعود أصول ربط الاتهام بمعاداة السامية، بمناهضة إسرائيل أو مناهضة الصهيونية، إلى عقود ماضية، كما يقول البروفيسور نورمان فينكلستاين في كتابه "صناعة الهولوكوست".

ويقول فينكلستاين إن إسرائيل ومناصريها بدؤوا بعد حرب عام 1967 وتعرضها للانتقاد لاحتلال الأراضي العربية (الضفة وغزة وهضبة الجولان وسيناء)، البحث عن الطرق التي تقمع بها من يجرؤ على انتقاد إسرائيل، من خلال إبراز قضية "معاداة السامية"، التي أدّت إلى "الهولوكوست"، وربطها بانتقاد إسرائيل حالياً، باعتبارها "دولة اليهود".

وتعرّف المراجع العلمية مثل معجم “Merriam-Websters” مناهضة السامية الكلاسيكية، بأنها "العدوانية تجاه أو العنصرية ضد اليهود على خلفية دينية أو عرقية". ولا تربط المعاجم بين مناهضة السامية وانتقاد إسرائيل.

لذلك، انتقدت الجالية اليهودية في تركيا تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، وقالت في تغريدة على تويتر الأربعاء: "في حين أن المآسي التي تحدث في المنطقة محزنة للغاية، والتصاعد العالمي في معاداة السامية أمر غير مقبول، فإن من الظلم والمستهجَن الإشارة إلى الرئيس أردوغان في ذلك".

وأكدت استهجانها هذا الاتهام، منوّهة بأنه "على العكس من ذلك كان (أردوغان) دائماً بنَّاءً وداعماً ومشجعاً لنا".

ولم تتوقف واشنطن وتل أبيب عند أردوغان، إذ احتجّت السفارة الإسرائيلية في بكين على وصفته بـ"العداء الصارخ للسامية" خلال برنامج على تليفزيون الصين المركزي ناقش العدوان المستمر في قطاع غزة وأماكن أخرى.

وقالت السفارة في تغريدة علي تويتر: "كنا نأمل أن تنتهي أوقات نظريات المؤامرة المتعلقة باليهود وانهم يسيطرون على العالم، وللأسف أظهرت معاداة السامية وجهها القبيح مرة أخرى".

وجاء في التغريدة: "نشعر بالفزع لرؤية معاداة السامية الصارخة التي يُعبَّر عنها في وسيلة إعلامية صينية رسمية"، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس الأمريكية الأربعاء.

وعلى قناة الصين الدولية (سي جي تي إن)، وهي قناة تليفزيونية صينية، تُبَثّ وتُنطق باللغة الإنجليزية، تساءل المضيف تشنغ جون فنغ عما إذا كان دعم الولايات المتحدة لإسرائيل يستند حقاً إلى قيم ديمقراطية مشتركة.

وأضاف: "يعتقد بعض الناس أن السياسة الأمريكية الموالية لإسرائيل يمكن رجعها إلى تأثير اليهود الأثرياء في الولايات المتحدة واللوبي اليهودي على صناع السياسة الخارجية الأمريكية".

وأضاف تشنغ بالإنجليزية: "يهيمن اليهود على قطاعَي المال والإنترنت. هل لديهم جماعات ضغط قوية كما يقول البعض؟ ممكن".

ثم اتهم تشنغ الولايات المتحدة -أكبر منافس جيوسياسي للصين- باستخدام إسرائيل كـ"رأس جسر" في الشرق الأوسط، ووكيل في حملتها لهزيمة العروبة.

ولطالما كانت الصين داعماً قوياً للقضية الفلسطينية، وقد انتقدت قبل أيام الولايات المتحدة لعرقلتها بياناً في مجلس الأمن الدولي يُدين التصعيد في غزة.

بداية القصة

وبعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، بدأت منظمات صهيونية وغربية بمشاركة محاضرين في جامعات إسرائيلية، العمل مع "المركز الأوروبي لرصد العنصرية وكراهية الأجانب" (تحوّل إلى وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية) ومقره فيينا بالنمسا، على وضع تعريف جديد لمعاداة السامية.

وفي عام 2004 صدرت ورقة بعنوان "التعريف المبدئي لمعاداة السامية"، كمقترح يُفترض العمل عليه وتطويره، لكن المنظمات الصهيونية سارعت إلى تبني هذه الورقة رغم عدم اعتمادها.

وروّجت هذه المنظمات أن الورقة أصدرها وتبناها الاتحاد الأوروبي، وباتت تستخدمها أساساً في اتهام من ينتقد إسرائيل بأنه ينتقدها لأنها "دولة اليهود"، ولأنه يعادي "دولة اليهود"، في محاولة واضحة لترهيب منتقدي إسرائيل.

وتتضمن الورقة التعريف الكلاسيكي لمعاداة السامية، لكنها أضافت إليه بنوداً أخرى فضفاضة في نصها، تتضمن أشكالاً أخرى من معاداة السامية ذات صلة بإسرائيل وانتقادها، وبتشبيه ممارساتها بالممارسات النازية، واعتبار قيامها حدثاً عنصرياً، واعتبار مطالبة إسرائيل باتخاذ خطوات تُطلَب من دول أخرى، ممارسة معادية للسامية.

كذلك يشير نص التعريف الجديد إلى أن التركيز على انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، واستثناء دول أخرى تنتهك حقوق الإنسان أيضاً، هو ممارسةٌ "دوافعها مناهضة السامية أيضاً".

وفي عام 2013 حذفت "وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية" التعريف من موقعها، معتبرة أنها ورقة ليست ذات صفة رسمية أو قانونية، نافية تبنِّي الورقة، أو دعوة دول الاتحاد الأوروبي إلى تبنيها، مما أثار غضب إسرائيل ومناصريها.

لكن أقر الكونغرس الأمريكي هذا التعريف عام 2004 في قانون "رصد الممارسات المناهضة للسامية"، مما يعني وضعه منتقدي إسرائيل ضمن المناهضين للسامية.

كما تَبنَّى كونغرس ولاية كاليفورنيا عام 2012 هذا التعريف ضمن قرار اعتمده لقمع الحركات الطلابية التي تنظّم نشاطات مؤيدة للحقوق الفلسطينية في جامعات الولاية التي تتلقى دعماً مالياً حكومياً.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً