يتباحث الجانبان التركي والأميركي حول تفاصيل إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا بعد الانسحاب الأميركي المرتقب، في وقت تغيب فيه كل التفاصيل عن هذه المنطقة، وفي ظل استعداد تركي لإدارتها بما يحقق الأهداف المرجوة منها.

الجيش التركي يحشد أكثر من 80 ألف جندي على الحدود مع سوريا استعداداً لعملية شرق الفرات
الجيش التركي يحشد أكثر من 80 ألف جندي على الحدود مع سوريا استعداداً لعملية شرق الفرات (AA)

ما المهم:يُرتقب أن تتناول المحادثات بين رئيس الأركان في الجيش التركي يشار غولار ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة جوزيف دانفورد، ترتيبات المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها في شمال سوريا، حسب ما أفادت به مصادر دبلوماسية في أنقرة لـTRT عربي.

غير أنّ تفاصيل المنطقة الآمنة ليست واضحة حتى الساعة، وتعتبر إحدى أهمّ نقاط الخلاف بين الجانبين التركي والأميركي، إذ يخشى الأتراك أن تكون هذه المنطقة بمثابة حماية للتنظيمات التي تعتبرها إرهابية، وتصرّ على نقاش مهامّها ودورها وتفاصيل إنشائها ميدانياً.

المشهد: يسعى الجانب التركي ليكون شريكاً في إنشاء المنطقة الآمنة التي يجري الحديث عنها من خلال طرد التنظيمات الإرهابية وتسليم المنطقة لإدارات محلية. في هذا الصدد قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء "يمكننا إنشاء المنطقة الآمنة التي تهدف إلى توفير الأمن للسوريين، حال تلقينا الدعم المالي واللوجستي من واشنطن والتحالف الدولي". وأضاف "يمكن أن تتولى شركة الإسكان التركية أعمال الإنشاءات بالمنطقة الآمنة المزمعة على الحدود السورية".

وأشار أردوغان إلى أنّه كان سبّاقاً إلى طرح تشكيل منطقة آمنة شمالي سوريا خلال فترة إدارة أوباما، وقال إن الاقتراح كان أن تتولّى الولايات المتحدة السيطرة على المجال الجوي، وأن تتولى تركيا الأمن على الأرض.

وعمّا إذا كانت تركيا ستنشئ المنطقة الآمنة قال أردوغان "نحن جزء من قوات التحالف الدولي، ويمكن إدراج مسار أستانة أيضاً في المسألة. ليس من الصحيح اتخاذ قرار حول هذا الأمر دون بحثه تفصيليّاً".وبشأن تفاصيل المنطقة ميدانياً قال الرئيس التركي إن الحديث كان يدور عن منطقة عمقها 30 كيلومتراً، ويمكن زيادة هذا العمق إلى 32 كيلومتراً.

وعن ارتباط العملية العسكرية التركية المرتقبة شرق الفرات بالتخطيطات للمنطقة الآمنة قال أردوغان إنهما موضوعان منفصلان، وأوضح أن "هذا موضوع والعملية موضوع آخر"، وأضاف "نحن مستمرون في طريقنا ضمن الظروف الحالية".

في ذات الصدد وصلت، الثلاثاء، دفعة جديدة من الآليات العسكرية إلى ولاية كليس التركية المتاخمة للأراضي السورية. وتنوي أنقرة شنّ عملية عسكرية شمال شرقيّ ضدّ تنظيمات YPG/PYD المرتبطة بتنظيم PKK الإرهابيّ.

عن هذا قال أردوغان، الثلاثاء، إن تنظيم YPG الإرهابي لن يكون له مكان في مشروع المنطقة الآمنة، وأكّد أن "تنظيم YPG/PYD لا يختلف في شيء عن تنظيم داعش الإرهابي، ولا بدّ أن يكون مصيره مشابهاً له"، وشدّد أردوغان على ضرورة "تطهير المنطقة الآمنة من جميع التنظيمات الإرهابية".

ويحظى تنظيم YPG/PYD بدعم أميركي، وتلقّى خلال السنوات الماضية أسلحة أميركية، وأوضحت مصادر دبلوماسية تركية لـTRT عربي أن الجانب الأميركي كان قدّم وعوداً للجانب التركي بمعالجة موضوع الأسلحة التي زودت بها الولايات المتحدة الأميركية تنظيم YPG الإرهابي، ولفتت إلى أن أنقرة كانت طالبت الجانب الأميركي بسحب هذه الأسلحة، وبتقديم كشوف بأنواع وعدد هذه الأسلحة المتطورة، إلا أن واشنطن لم تبتّ في هذا الأمر بعد.الخلفيات والدوافع:

وكان الرئيسان التركي والأميركي بحثا في اتصال هاتفي، الإثنين، التطورات الأخيرة في سوريا، وقال بيان صدر عن الرئاسة التركية بعدها إن الاتصال تَطرّق إلى "فكرة تأسيس منطقة آمنة وخالية من الإرهاب في شمالي سوريا بالاستناد إلى مبدأ وحدة التراب السوري".

وعلى وقع هذه التطوّرات تستمر الاستعدادت لقمّة مرتقبة بين تركيا وروسيا وإيران في موسكو، إذ قال الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، الثلاثاء، إن "أردوغان سيزور موسكو في 23 يناير/كانون الثاني الجاري"، وإن "محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية التي تستهدف تركيا ستتواصل على جميع الأصعدة".

الخلفيات والدوافع: كانت تركيا اقترحت إنشاء منطقة عازلة شمال سوريا منذ الشهور الأولى للأزمة السورية عام 2011. وتهدف المنطقة أساساً إلى تحييد النزاعات المسلحة وحظر الأسلحة فيها، ويمكن للمنطقة الآمنة أن تكون بريّة كما يمكن أن تكون محميّة من الجو. وتهدف المناطق العازلة أيضاً إلى حماية السكّان المحليين، غير أن تركيا في الحالة السورية كانت ترغب أن تكون المنطقة بمثابة مساحة يعود إليها اللاجئون السوريون الذين غادروا البلاد في أوقات مختلفة إلى تركيا.

وفي سبتمبر/أيلول 2018 نجح الرئيسان التركي والروسي في التوصل إلى اتفاق حول منطقة عازلة منزوعة السلاح في إدلب في الشمال الغربي لسوريا، وأُسّست 12 نقطة مراقبة في إطار عملية أستانا الثلاثية التي رعتها تركيا وإيران وروسيا. وتأمل تركيا في إعادة إحياء هذه التجربة وتوسيعها لتشمل كل منطقة الشمال السوري على الحدود السورية-التركية.

بين السطور: يقول إراي غوتشلار الأستاذ في جامعة ألتنباش في إسطنبول، لـTRT عربي، إن أهداف تركيا من إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا تتلخّص في "القضاء على الإرهاب الذي يشكل خطراً على الأمن القومي التركي، والإرهاب الذي يشكّل خطراً على وحدة الأراضي السورية، وحماية المدنيين".

ويضيف غوتشلار أن تركيا سبق أن طلبت إنشاء المنطقة منذ سبع سنوات لكن الولايات المتحدة وقوى أوروبية رفضت المقترح. غير أنّ العمليات التي نفّذتها تركيا في جرابلس والباب وعفرين، شكّلت مناطق آمنة بحكم الأمر الواقع، وكانت نتائج هذا الأمر إيجابية، إذ إن تسليم هذه المناطق لإدارة محلية بعد تأمينها، سمح بوصول المساعدات، وفتح المجال أمام عودة النازحين السوريين إليها، وهو ما دفع الولايات المتحدة والأوروبيين إلى التفكير في المقترح من جديد.

وأشار غوتشلار إلى أن "تركيا تريد تسليم المدن والبلدات في المنطقة الآمنة المرتقبة لإدارات محلية تكون نواة لنظام سياسي لسوريا المستقبل، بعد إقرار دستور جديد وإتمام اللجنة الدستورية لعملها".

وعن تفاصيل المنطقة ميدانياً والعملية التركية المرتقبة يقول غوتشلار إن "تركيا جادة في عمليّتها التي ستتمّ لا محالة ولا تراجع فيها، والتحرك التركي بهدا الخصوص ليس دعاية سياسية، وهدفه عسكري بحت، إذ إن تركيا حشدت قرابة 80 ألف جندي على الحدود، وهذا أمر تاريخي، وليس أمام المجموعات الإرهابية إلا تسليم سلاحها والانسحاب، أو مواجهة الجيش التركي".ويضيف غوتشلار أن تركيا تفكّر أن تكون "المنطقة الآمنة بعمق 32 كلم كمرحلة أولى، على أن تمتدّ من منبج حتى القامشلي، وستحاول إدارة عمليتها العسكرية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، ومع روسيا وإيران والقوى الفاعلة على الأرض".

المصدر: TRT عربي