تحاول الصين اللعب على تناقضات العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (Pool/Reuters)

اشتعل الصراع مجدداً بين الصين والقوى الغربية ممثلة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، في ظل إعلان إدارة بايدن تعهدات لترميم العلاقات مع الاتحاد بعد تدهورها في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب.

لطالما أحجم الاتحاد الأوروبي عن الدخول في صراع مفتوح مع بكين رغم ضغوط ترمب السابقة، ولكن الأيام الأخيرة شهدت فرض عقوبات أوروبية بتهم متعلقة بحقوق الإنسان، مع ملاحظة أن لغة واشنطن في هذا الصدد تغيرت وأعلن وزير الخارجية الأمريكي أنهم لا يريدون تسليط ضغوط على حلفائهم لاعتماد نهج أكثر صرامة مع الصين.

نهج جديد

وتكليلاً لهذا النهج الأوروبي الجديد المدشن صدر بيان مشترك، الأربعاء، عن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، يقول إن الولايات المتحدة وأوروبا اتفقتا على إعادة إطلاق الحوار الثنائي بشأن الصين وغيرها من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

يأتي ذلك بعدما وقع الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى منذ أكثر من 30 عاماً، عقوبات على شخصيات وكيانات صينية بسبب سوء معاملة بكين لأقلية الأويغور المسلمة بإقليم تركستان الشرقية، ذاتي الحكم غربي الصين.

كما قامت دول أوروبية باستدعاء سفراء الصين لديها غداة عقوبات صينية على عشر شخصيات أوروبية.

قد تكون الخلافات الصينية مع واشنطن مختلفة بعض الشيء عما في الاتحاد الأوروبي، حيث تتصاعد التوترات بين واشنطن وبكين بشكل كبير للغاية حول مجموعة واسعة من القضايا الرئيسية، مع تزايد القلق الدولي بشأن تداعياتها المحتملة.

وتعد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين وثيقة ومتوترة في الوقت ذاته على صعيد التجارة والاقتصاد والصناعة، بل يمكننا القول إنها الأشد تقارباً، إذ تعد الصين أكبر مقرض لواشنطن.

وتحاول الصين اللعب على تناقضات العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ فترة تحسباً لهذه التحركات، وهو ما رصدته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في مقال مطلع هذا العام.

وتقول الصحيفة الأمريكية إن الصين "دقت إسفيناً" في العلاقات بين الاتحاد وأمريكا بسبب موافقة بروكسل اتفاقية من شأنها أن تمهد الطريق أمام استثمارات أوسع في الصين من قبل الشركات التي تتخذ من الاتحاد الأوروبي مقراً لها.

ووصفت واشنطن بوست الاتفاق أيضاً بأنه انقلاب دبلوماسي للصين ومؤشر على أن نهج ترمب العدائي "أمريكا أولاً" ربما يكون قد أحدث ضرراً دائماً للعلاقات عبر الأطلسي.

ورأت الصحيفة أن الاتحاد تجاهل قمع الصين المعارضةَ في هونغ كونغ وفرض العمل القسري على المسلمين في شينغيانغ.

وعلقت الصحيفة بشكل سلبي بأنه لا يوجد بلد ديمقراطي غربي لديه أيد نظيفة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الاقتصادية مع الصين، مشيرة إلى أنهم سعوا جميعهم لتحقيق المصلحة الذاتية على حساب بعض المبادئ المعلنة على الأقل.

وكل ما يحدث مؤخراً من محاولات لإدارة بايدن لوضع خط جديد مع الحلفاء في أوروبا يُنبئ بحرب باردة مختلفة إلى حد كبير في مظهرها وأساليبها وماهيتها عما كانت عليه في الفترة الماضية.

تنسيق صيني-روسي مقابل

تلقت كل من الصين وروسيا رسائل التقارب الأمريكي والأوروبي الجديد قبل وصول وزير الخارجية الأمريكي إلى بروكسل.

ظهر ذلك جلياً في زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى العاصمة الصينية بكين، حيث دعا مع نظيره الصيني إلى قمة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لحماية الاستقرار العالمي، معتبرين سلوك واشنطن هداماً، وطالب الجانبان الدول الغربية بالكف عن التدخل في شؤون الصين وروسيا الداخلية.

وأدانت روسيا والصين بشكل مشترك العقوبات الغربية بعد يوم واحد من إدراج الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وكندا بعض كبار المسؤولين الصينيين في القائمة السوداء على خلفية انتهاك حقوق الإنسان ضد أقلية الأويغور.

وجدير بالذكر أنه في السنوات الأخيرة، طورت الصين وروسيا تعاوناً وثيقاً غير مسبوق، بناءً على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي جرى تقديمها لأول مرة في العام 1996، وقام البلدان بتحسين علاقاتهما بشكل كبير في هذين العقدين ونصف العقد.

وفي هذا الصدد تحدثت شبكة CGTN مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف حول سبب عدم قبول رؤية الصين وروسيا للعالم متعدد الأقطاب من قبل البعض وما إذا كان الخطاب الغربي الساخن على نحو متزايد يقرب بين الصين وروسيا.

وتظهر إجابة ريابكوف شكل وطبيعة الصراع القادم مع اشتداد الضغط على الصين وروسيا في وقت واحد، والمحاولة الغربية لإيجاد سياسات حصار لهما، إذ قال إنه: "من الطبيعي أن يقترب بلدانا بعضهما من بعض، وأود أن أقول إن هذه ستكون هي الحال في غياب أي محاولات للضغط علينا من جانب الغرب أيضاً".

يأتي ذلك في ظل صراع موازٍبين موسكو وواشنطن وصل إلى "التلاسن الرئاسي" بين بايدن وبوتين، وليس من قبيل المصادفة أن تتحول بكين أيضاً إلى روسيا جديدة في إطار ذهني مشابه لدى الإدارة الأمريكية.

وهو ما فرض في الواقع تنسيقاً سريعاً، ولا غرابة في معرفة معلومة أن بوتين تحدث في نفس يوم محادثات آلاسكا بين واشنطن وبكين، مع يانغ جيتشي عضو المكتب السياسي ومدير مكتب لجنة الشؤون الخارجية المركزية للحزب الشيوعي الصيني.

وأعرب بوتين عن ثقته في أن بكين ستفعل اللازم بغض النظر عما يتطلبه الأمر، لمقاومة ما أسماه "البلطجة والتدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية للصين وحماية مصالحها الأساسي".

TRT عربي
الأكثر تداولاً