فشل ملتقى الحوار السياسي الليبي في الاتفاق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات في موعدها (Onayli Kisi/Kurum/AA)

خيبة أمل كبيرة خلّفها فشل ملتقى الحوار السياسي الليبي في الاتفاق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات في موعدها، بعد إصرار أتباع اللواء المتقاعد خليفة حفتر على تفصيل شروط الترشح للرئاسة على مقاسه.

إذ لم يكف تشكيل أعضاء ملتقى الحوار ثلاث فرق مصغرة ومتتالية (القانونية، والاستشارية، والتوافقية)، للوصول إلى تفاهمات بشأن القاعدة الدستورية، وغادروا جنيف في 2 يوليو/تموز الجاري، بعد خمسة أيام من النقاشات.

كان يكفي في اجتماع ملتقى الحوار حسم الخلافات بشأن المسودة التي اقترحتها اللجنة القانونية، في مايو/أيار الماضي، ولو عبر التصويت بأغلبية 75 بالمئة أو 63 بالمئة أو 50 بالمئة 1.

غير أن بعض أعضاء ملتقى الحوار فوجئوا بتشكيل لجنة استشارية، خرجت بمقترح جديد قالت إنه توافقي، لكن بالنظر إلى بنوده فإنه فُصل على مقاس حفتر، بشكل يسمح له بالترشح للرئاسيات دون عوائق قانونية كانت مطروحة في السابق.

عقبات حفتر الثلاثة

فحفتر يواجه ثلاثة إشكالات رئيسية أمام ترشحه، أولها جنسيته الأمريكية التي يرفض التنازل عنها مقابل الترشح للرئاسيات، وثانيها بذلته العسكرية التي لا يريد نزعها حتى لا يخسر سلطته على مليشياته إن خسر الانتخابات، وثالثها جرائم الحرب ضد الإنسانية التي ارتكبها في حروبه المختلفة وآخرها في طرابلس، وليست مقابر ترهونة الجماعية عنا ببعيد.

هذا الأمر أثار صدمة لدى أعضاء في ملتقى الحوار ووصل صداه إلى المجلس الأعلى للدولة وللمؤسسة العسكرية في طرابلس وأعيان المنطقة الغربية، الذين أعلنوا رفضهم بشكل تام تفصيل قاعدة دستورية على مقاس حفتر.

واتهمت البعثة الأممية بممارسة ضغوط على أعضاء اللجنة الاستشارية للخروج بالمقترح المثير للجدل، الذي يخدم حفتر بالدرجة الأولى.

وتحدثت وسائل إعلام محلية عن رفض عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، مقترح اللجنة القانونية، وهذا يعني أنه حتى ولو توافق ملتقى الحوار على قاعدة دستورية فإنها لن تحصل على موافقة مجلس النواب، وهذا ما يفسر الانتقادات التي وجهها المبعوث الأممي يان كوبيتش إلى البرلمان.

وكانت البعثة الأممية تريد توافقاً بأي ثمن، وكوبيتش قالها بشكل صريح: "لا مغادرة لجنيف دون الوصول إلى اتفاق بشأن القاعدة الدستورية".

وتم تمديد الجلسات من أربعة أيام إلى خمسة، لإنقاذ الفرصة "الأخيرة" للاتفاق على القاعدة الدستورية في 2 يوليو/تموز، والذي يمثل مؤشراً على مدى إمكانية إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل.

وتم تشكيل فريق مصغر من 13 شخصاً (غاب منهم واحد) سُمي "لجنة التوافقات"، كفرصة أخيرة لإنقاذ اجتماع جنيف وحصر الخلافات بعد أن تشعبت وكادت تميع الملتقى، في ظل غياب المبعوث الأممي بسبب المرض، لكنه ألقى كلمات "قوية وقاسية" عن بعد.

3 مقترحات و3 تيارات

لحظات مصيرية وعصيبة مرت على الحاضرين ليلة الأربعاء إلى الخميس، الكل ينتظر ما ستفرزه اجتماعات لجنة التوافقات خلال بضع ساعات، وضغوطات من عدة أطراف على المجتمعين سواء في شكل بيانات رسمية أو عبر الكواليس.

نجحت لجنة التوافقات في حصر الخلافات في ثلاث مقترحات رئيسية، كل واحدة تعبر عن تيار كبير، وعرضتها على أعضاء الملتقى للتصويت على أحدها في جولتين، وبنسبة 75 بالمئة.

المقترح الأول ويمثله التيار الداعم لحفتر، ويتضمن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة في 24 ديسمبر/كانون الأول، دون أية قيود على حق الترشح، وفق قاعدة دستورية مؤقتة.

وعدم وضع قيود أمام الترشح للرئاسيات يعني أن حفتر لن يتخلى عن جنسيته الأمريكية ولا عن صفته العسكرية ولن ينظر إلى ملفه الحقوقي، حيث يتابع في الولايات المتحدة بارتكاب جرائم حرب، كما أن النائب العام في طرابلس سبق أن أصدر أمراً بالقبض عليه، وإن لم يصدر بحقه حكم نهائي بعد.

كما أن هذا المقترح يتيح حتى لسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي معمر القذافي، الترشح للرئاسيات رغم أنه مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، لكنه يحظى بدعم روسيا، وله ممثلون داخل ملتقى الحوار، ما يجعله في نفس الخندق مع حفتر.

المقترح الثاني، يقوده التيار المدني في ملتقى الحوار، وهو أكثر واقعية، ويتمثل في الذهاب إلى انتخابات برلمانية فقط، يليها الاستفتاء على مشروع الدستور، بعدها تجرى الانتخابات الرئاسية على أساس دستور دائم.

ويحاول التيار المدني قطع الطريق على المعرقلين، وإنقاذ موعد 24 ديسمبر/كانون الأول، من خلال تأجيل الانتخابات الرئاسية التي تثير كل هذا الجدل والخلاف، والاكتفاء بالانتخابات البرلمانية، للتخلص من عقيلة صالح، الذي جعل مجلس النواب رهينة في يده.

ووفق هذا المقترح، فإن البرلمان الجديد ستوكل له مهمة تعديل مشروع الدستور وقانون الاستفتاء على الدستور قبل عرضه للاستفتاء الشعبي، ويصعب حينها على حفتر الترشح للرئاسيات، إلا إذا فاز أنصاره بأغلبية المقاعد النيابية.

المقترح الثالث ويقوده المجلس الأعلى للدولة برئاسة خالد المشري، وحزب العدالة والبناء (إسلامي) ويتمثل ببساطة في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها على أساس الدستور المعدل بموجب مسودة مشروع الدستور.

إذ كان هذا المطلب الرئيسي للمجلس الأعلى للدولة، وتم التوافق عليه مع مجلس النواب ضمن لجنة 13+13 المشتركة، لكن مماطلات مجلس النواب ومهلة مفوضية الانتخابات، جعلت من الصعب إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور الجاهز منذ 2017، قبل الانتخابات.

وسعى حفتر وأنصاره في مجلس النواب لعرقلة عرض مشروع الدستور الذي أنجزته لجنة الـ60 المنتخبة في 2017، لتضمنه شروطاً تمنع حفتر من الترشح للأسباب الثلاثة آنفة الذكر.

آلية التصويت المستحيلة

أحد الأسباب الرئيسية لفشل ملتقى الحوار الليبي، ليست المقترحات الثلاثة، بقدر ما يتعلق الأمر بآلية التصويت الغريبة.

ففي أغلبية الديمقراطيات الحديثة تحسم العديد من القضايا المصيرية بأغلبية الثلثين (66.67 بالمئة)، فإن لم يتحقق ذلك يتم اللجوء إلى الأغلبية المطلقة (50 بالمئة 1)، وبهذه الطريقة تقريباً تمكن ملتقى الحوار من اختيار أعضاء المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة، بعد طول جدل.

لكن الآلية المقترحة تنص على أن المقترحات الثلاثة تطرح على التصويت ومن يحصل على 75 بالمئة من أصوات الأعضاء 75 يتم اعتماده، وإلا تجرى جولة ثانية، وبدل اعتماد الأغلبية المطلقة (50 بالمئة 1)، فإن لجنة التوافقات اقترحت أن تتم جولة ثانية بنفس النسبة، وهو أمر تعجيزي في ظل الانقسام داخل ملتقى الحوار، الذي عكسته جلسات سابقة.

وفي حالة عدم حصول أي مقترح على نسبة 75 بالمئة في الجولتين، فإن الأمر يؤول للجنة التوافقات للتوصل إلى خيار توافقي يكون معتمداً بشكل نهائي.

ومن الطبيعي أن يرفض أعضاء ملتقى الحوار هذا المقترح، لأنه لا أحد من التيارات الثلاثة يملك تأييد ثلاثة أرباع الأعضاء الـ75، والذين غاب العديد منهم.

ليتم إنهاء الملتقى والإعلان عن فشله دون التصويت على الخيارات الثلاثة، بل والعودة إلى مقترح اللجنة القانونية، بعد أن تشعب النقاش وكاد يخرج عن إطاره المحدد.

ماذا بعد الفشل؟

حتى وإن تم تجاوز موعد 1 يوليو/تموز، الذي وضعته مفوضية الانتخابات كآخر أجل للاستلام القاعدة الدستورية وقوانين الانتخابات، فما زال هناك بصيص أمل لتدارك الأوضاع واللحاق بموعد 24 ديسمبر/كانون الأول.

فالبعثة الأممية أعلنت مواصلتها "العمل مع أعضاء الملتقى ولجنة التوافقات من أجل بذل المزيد من الجهود لبناء أرضية مشتركة"، ما يعني أن هناك اجتماعات أخرى ستعقد مستقبلاً لتحديد القاعدة الدستورية التي ستجرى عليها الانتخابات.

وكان ملفتاً في بيان البعثة الأممية، الصادر السبت، تأكيدها أن القاعدة الدستورية سيتم إعدادها "بالاستناد إلى مقترح اللجنة القانونية"، الذي وصفته بأنه "الإطار المرجعي للقاعدة الدستورية للانتخابات".

وهذا يعني أن البعثة ستعود إلى مقترح اللجنة القانونية، وستتراجع عن مقترحي اللجنة الاستشارية ولجنة التوافقات، بعد أن هدد 16 عضواً من ملتقى الحوار (من الشرق) بالانسحاب من اجتماع جنيف إثر تجاهل مقترح اللجنة القانونية.

وأكدت البعثة أنه "لن يتم قبول المقترحات التي لا تمهد الطريق وتمكن من إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول)".

ولم توضح من المقصود بهذه المقترحات التي سيتم إقصاؤها، ولكن لطالما همشت البعثة الأممية الدعوات المطالبة بإجراء الاستفتاء على الدستور قبل الانتخابات، والتي صدرت من لجنة صياغة مشروع الدستور، وتبناها أيضاً المجلس الأعلى للدولة، وظهرت في المقترح الثالث الذي تضمنته مسودة لجنة التوافقات.

وترى البعثة وعدة دول أن إجراء الاستفتاء أولاً من شأنه عرقلة إجراء الانتخابات في موعدها، بسبب الخلافات العميقة بشأنه ورفضه من أنصار حفتر ومن الأقليات العرقية مثل الأمازيغ والتبو والطوارق، لذلك تفضل البعثة إعداد قاعدة دستورية.

الولايات المتحدة الأمريكية وعلى لسان مبعوثها الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، اتهمت أعضاء في ملتقى الحوار بمحاولة إدخال "حبوب سامة" تضمن عدم إجراء الانتخابات، إما عن طريق إطالة العملية الدستورية (الاستفتاء أولاً) وإما من خلال خلق شروط جديدة (للترشح للرئاسيات) يجب تلبيتها لإجراء الانتخابات.

وهذا التصريح يكشف أن الولايات المتحدة أقرب إلى المقترح الثاني الذي يتبناه التيار المدني داخل ملتقى الحوار، وتعارض مقترحي أنصار حفتر والمجلس الأعلى للدولة على الرغم من اختلافهما.

كما أبدى نورلاند استعداد واشنطن "لمساعدة حكومة الوحدة الوطنية على تقديم الخدمات الأساسية، والتحضير للانتخابات الوطنية، حتى انتهاء ولايتها في ديسمبر (كانون الأول)".

ما يعني عدم تأييد الولايات المتحدة لفكرة تمديد ولاية حكومة الوحدة عاماً جديداً كما طالب بذلك علي الدبيبة، عضو لجنة الحوار.

فالمرحلة المقبلة ستنطلق من النقطة التي انتهت عندها اللجنة القانونية في مايو/أيار الماضي، أما لقاء جنيف فهو فرصة ضائعة متروكة للنسيان، لكن في ظل إصرار أتباع حفتر على وضع شروط خاصة به لا تعيق ترشحه للرئاسيات فإن الأزمة الليبية ستراوح مكانها.

AA
الأكثر تداولاً