Former U.S. President Donald Trump speaks at the Conservative Political Action Conference in Orlando (Joe Skipper/Reuters)

قبل يوم من تصديق الكونغرس الأمريكي على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الذي استلم رئاسة الولايات المتحدة فوجئت النائبة الجمهورية عن ولاية كارولينا الشمالية نانسي مايس بأحد مؤيدي ترمب متهجماً عليها في مطعم بالعاصمة واشنطن، مردداً بذهول: "سيفعلونها ويصوتون لانتخابات مزورة".

على إثر هذه الحادثة صرخت النائبة ميس وسط المطعم بأن الكونغرس ليس دوره إلغاء نتائج الانتخابات، وأن ذلك من شأنه أن يخرق الدستور، وردت على الناخب بأن ترمب دفعكم بادعاءاته الكاذبة إلى تصديق أن الانتخابات سُرقت منه وأن المشرعين بالكونغرس ونائبه مايك بنس قادرون على انتزاع 4 سنوات أخرى له.


كان هذا الناخب مثالاً لآلاف الأنصار الذين تجمعوا في السادس من يناير/كانون الأول أمام مبنى "الكابتول"، الذين حركتهم كلمات ترمب العاطفية من قبيل خطف الانتخابات منه وسرقة الأصوات تجاه ساحة الكونغرس التي كانت ساحة لمشاهد يصفها الأمريكيون بالصادمة، عندما اقتحم أنصار الرئيس المنتهية ولايته أكبر مؤسسة تشريعية في البلاد فيما تسببوا في سقوط 5 قتلى على الأقل.

كان اقتحام الكونغرس ناقوساً أحمر للديمقراطية الأمريكية "العريقة" إلا أنه كان واجهة حقيقية لما يمثله ترمب داخل الحزب الجمهوري من شرائح وأفكار، كما أنه كان امتحاناً قاسياً للحزب الجمهوري في ذاته الذي يعاني تصدعات خسارة السلطات الثلاث بسبب ترمب.

عاد لينتقم

يوم 28 فبراير/شباط 2021 ووسط جمع غفير من المحافظين في الحزب الجمهوري ظهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بمدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، حيث تحدث لأكثر من 90 دقيقة هاجم خلالها الرئيس جو بايدن والديمقراطيين، والجمهوريين الذين صوتوا لإدانته، وقضاة المحكمة الدستورية العليا، وتعهد بالانتقام من خلال هزيمة أعدائه السياسيين.

خلال خطابه واصل ترمب اتهاماته بتزوير انتخابات 2020 وادعاء أنه الفائز فيها، وهو المنطق الذي دفع أتباعه إلى اقتحام مبنى الكونغرس في 6 يناير/كانون الثاني الماضي.

وقال ترمب إنه لن يسمح "بتكرار هذه الانتهاكات أو غيرها من انتهاكات انتخابات عام 2020.. نحن بحاجة إلى نزاهة الانتخابات وإصلاحها على الفور. يجب أن يكون الجمهوريون حزب الانتخابات النزيهة".

ومن هنا جاء تأكيد ترمب عدم وجود نية لديه للانفصال عن الجمهوريين أو تأسيس حزب سياسي جديد كما توقع بعض المعلقين.

ووصف تقارير ذكرت أنه يفكر في تأسيس حزب ثالث بأنها "أخبار زائفة" وادعى أن الحزب الجمهوري موحد. لكنه لم يفوت الفرصة في تسمية كل جمهوري صوت لصالح عزله، بما في ذلك العديد ممن يواجهون بالفعل انتخابات تمهيدية داخل الحزب قريباً، وتعهد بالتخلص منهم جميعاً.

كما شن ترمب حملة على السيناتور ماكونيل وطالب بعزله من قيادة الجمهوريين بمجلس الشيوخ، ولم يتردد في التعهد بالإطاحة بالنائبة ليز تشيني بسبب موقفها المؤيد لمحاكمته.

ويمثل تعهُّد ترمب بهزيمة بعض الجمهوريين تحدياً كبيراً للنائب كيفين ماكارثي زعيم الأقلية الجمهورية بمجلس النواب، الذي سيتعين عليه الاختيار بين أعضاء أقوياء بالمجلس وبين رغبة الرئيس السابق في التخلص منهم واستبدالهم، وهو ما قد يقلل من حظوظ الحفاظ على هذه المقاعد جمهورية.

كما ترك الرئيس الأمريكي السابق الباب مفتوحاً أمام ترشُّحه لانتخابات 2024 الرئاسية، وعبّر عن سعادته بترك الخبراء والمعلقين يتكهنون بموقفه المستقبلي، وقال لأنصاره: "بمساعدتكم سنستعيد مجلس النواب وسنفوز بمجلس الشيوخ، وبعد ذلك سيعود رئيس جمهوري منتصراً إلى البيت الأبيض، وأتساءل من سيكون؟".

كان خطاب ترمب بمثابة تأكيد جديد لقوة هذا الرجل داخل الحزب الجمهوري ونفوذه، وهو ما يصفه البعض بأنه أصبح أحد المستحوذين عليه.

جمهوريو "حزب الشاي"

يصف الأكاديميون الأمريكيون رئاسة ترمب بأنها نتاج للحزب الجمهوري الجديد، إذ إن نجاحه لم يكن ممكناً لولا التحول الذي شهده الحزب منذ الثمانينيات، حيث بدأ التحول داخل الحزب الجمهوري خلال رئاسة رونالد ريغان، وللمفارقة كان مركز التغيير مبنى الكابيتول هيل الذي جرى اقتحامه.

هناك توافدت مجموعة من الشباب الجمهوريين على عضو الكونغرس عن ولاية جورجيا "نيوت غينغريتش" من أجل السير وراءه نحو قيادة مجلس النواب، ومن خلال الترويج لرؤية شعبوية وسياسات مناهضة للمؤسسة التقليدية أقنع غينغريتش زملاءه الجمهوريين بأن كل شيء سيكون مباحاً وعادلاً عندما يتعلق الأمر بإسقاط الديمقراطيين.

وفي سلسلة من المعارك الكبرى استخدم غينغريتش أرضية مجلس النواب لإطلاق خطاب مناهض للديمقراطيين ومخاوفهم بشأن الأمن القومي، أسقط خلاله رئيس مجلس النواب جيم رايت بتهمة أنه "الأكثر فساداً في التاريخ الأمريكي".


نيوت غينغريتش طالب بإعلان القمر ولاية أمريكية وإعادة الديناصورات للحياة (the atlantic)

بعد أكثر من عقد على ذلك جاءت انتخابات التجديد النصفي لعام 2010، أي بعد سنتين من بداية ولاية باراك أوباما الأولى، بمفاجأة كبيرة، إذ صعدت جيلًا جديداً من الجمهوريين الذين يعرفون باسم "جمهوريي غينغريتش" إلى مجلس النواب، وتسمي هذه المجموعة نفسها اسم "حزب الشاي" الذين كانوا على استعداد لفعل أي شيء من أجل القضايا اليمينية.

ابتداءً من عام 2011 ومع صعود جماعة "حزب الشاي" إلى الحزب الجمهوري نشأت ما تعرف بحركة "بيرثر"، وهي حركة يمينية شككت في شرعية رئاسة أوباما بادعاءات أنه لم يولد في الولايات المتحدة.

كان من بين هؤلاء دونالد ترمب، إذ بدأ نجمه السياسي يسطع عبر حزب الشاي أو الجمهوريين الجدد، وبحلول الوقت الذي أعلن فيه ترشحه، وجد نفسه مدعوماً من التيار الجديد النافذ داخل الحزب، إذ سيطر على الانتخابات الداخلية منذ يومها الأول.

لا يزال حزب ترمب

رغم أنه متهم بالتحريض على هجوم خلف خمسة قتلى في الكونغرس وعزله مرتين، وخطابه المليء بالتفرقة، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهوريين لا يزالون يؤيدون ظهره وآراءه بأغلبية كبيرة، إذ يعتقدون أنه كان على حق في تحدي خسارته في الانتخابات، بل ويريدونه أن يكون المرشح الجمهوري في عام 2024.

حسب موقع أكسيوس الإخباري، صوت ثلثا الجمهوريين في مجلس النواب لإبطال نتائج الانتخابات، في الساعات التي أعقبت اقتحام الكونغرس، فيما صوت 93% من الجمهوريين في مجلس النواب ضد العزل.

وفي استطلاع أجرته شركة Axios-Ipsos قبل يومين، يرى 64% من الجمهوريين إنهم يدعمون سلوك ترمب الأخير، فيما قال 57% من الجمهوريين إن ترمب يجب أن يكون مرشح الحزب الجمهوري لعام 2024، و 17% فقط يعتقدون أنه يجب عزله من منصبه.


وينقل الموقع عن جمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ أنهم يؤمنون بشدة أن ترمب سيظل قوة في سباقات الحزب 2022 و 2024، حتى لو تمت إدانته في محاكمة مجلس الشيوخ القادمة، ومنعه من تولي منصب فيدرالي.


يعكس ذلك عدم تردد نجل ترمب "جونيور"، قبل اقتحام الكونغرس بساعات قليلة في تهديد الأعضاء الجمهوريين الذين أعلنوا نيتهم التصديق على فوز بايدن بأنهم سيواجهون العواقب، على أساس أن "هذا لم يعد حزبهم الجمهوري. بل بات حزب دونالد ترمب الجمهوري".

وفي مؤشر على استمرار الدعم الذي يحظى به ترمب داخل الحزب الجمهوري، أعيد انتخاب رونا مكدانييل وتومي هيكس جونيور، وهما حليفان مقربان منه، في 8 يناير/كانون الأول، أي بعد يومين فقط من اقتحام الكونغرس، في منصبين رئيسين في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري.

الحزب الجمهوري: الكابوس

قبل يوم واحد من اقتحام الكونغرس، كانت نتائح ولاية جوروجيا أظهرت فوز الديمقراطيين بمقعدَي مجلس الشيوخ وهو ما يعني خسارة الجمهوريين للأغلبية، وبهذا يخسرون البيت الأبيض ومجلسَي الكونغرس النواب والشيوخ، اللذين كانا تحت سيطرتهم مع بداية رئاسة ترمب عام 2017.

في ظل ذلك، ظهر صوت عال داخل الحزب الجمهوري أن الهزيمة مردها صورة الحزب التي سوقها ترمب، إذ إنه أصبح "يواجه تهديداً وجودياً" إذا لم يتمايز في موقفه ويبتعد عن رئيس منفلت تتحكم فيه نزوات سلطوية جامحة. وبحسب السيناتور الجمهوري جون ثون من ولاية ساوث داكوتا، فإن "هوية" الحزب الجمهوري تمحورت في السنوات الماضية حول قيادة الحزب، وينبغي أن تتمحور الآن حول "الأفكار والمبادئ والسياسات".

ويحذر أصحاب هذا الموقف من أن البقاء تحت عباءة ترمب سيحدّ من قدرة الحزب على الفوز في أي انتخابات عامة قادمة، وجمع الأموال، فضلًا عن إيجاد مرشحين أقوياء.

هذا ما ظهر جلياً في تعليق رئيس مجلس النواب السابق الجمهوري جون بوينر، الذي تقاعد من السياسة عام 2015، على اقتحام الكونغرس وخسارة ولاية جورجيا قائلاً: "قلت ذات مرة إن حزب لينكولن وريغان سيأخذ قيلولة، لكن يبدو أن هذه القيلولة تحولت إلى كابوس لأمتنا، يجب أن يستيقظ منه الحزب الجمهوري".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً