يسيطر دونالد ترمب على استطلاعات الرأي داخل الحزب الجمهوري  (Mandel Ngan/AFP)

قبل يوم من تصديق الكونغرس الأمريكي على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية، فوجئت النائبة الجمهورية عن ولاية كارولينا الشمالية نانسي مايس، بأحد الناخبين لدونالد ترمب متهجماً عليها في مطعم بالعاصمة واشنطن، مردداً بذهول "سيفعلونها ويصوتون لانتخابات مزورة".

على إثر هذه الحادثة، صرخت النائبة ميس وسط المطعم أن الكونغرس ليس دوره إلغاء نتائج الانتخابات، وأن القيام بذلك من شأنه أن يخرق الدستور، وردت على الناخب أن ترمب دفعكم بادعاءاته الكاذبة إلى تصديق أن الانتخابات قد سُرقت منه، وأن المشرعين في الكونغرس ونائبه مايك بنس قادرون على انتزاع أربع سنوات أخرى له.


كان هذا الناخب مثالاً لآلاف الأنصار الذين تجمعوا في السادس من يناير/كانون الأول أمام مبنى "الكابتول"، والذين حركتهم كلمات ترمب العاطفية من قبيل خطف الانتخابات منه وسرقة الأصوات، تجاه ساحة الكونغرس التي كانت ساحة لمشاهد يصفها الأمريكيون بالصادمة، عندما اقتحم أنصار الرئيس المنتهية ولايته أكبر مؤسسة تشريعية في البلاد فيما تسببوا في سقوط 5 قتلى على الأقل.


كان اقتحام الكونغرس ناقوساً أحمر للديمقراطية الأمريكية "العريقة"، إلا أنه كان واجهة حقيقية لما يمثله ترمب داخل الحزب الجمهوري من شرائح وأفكار، كما أنه كان امتحاناً قاسياً للحزب الجمهوري في ذاته الذي يعاني تصدعات خسارة السلطات الثلاث بسبب ترمب.

جمهوريو "حزب الشاي"

يصف الأكاديميون الأمريكيون رئاسة ترمب بأنها نتاج للحزب الجمهوري الجديد، إذ إن نجاحه لم يكن ممكناً لولا التحول الذي شهده الحزب منذ الثمانينيات، حيث بدأ التحول داخل الحزب الجمهوري خلال رئاسة رونالد ريغان، وللمفارقة كان مركز التغيير مبنى الكابيتول هيل الذي تم اقتحامه.

هناك توافدت مجموعة من الشباب الجمهوريين على عضو الكونغرس عن ولاية جورجيا "نيوت غينغريتش" من أجل السير ورائه نحو قيادة مجلس النواب، ومن خلال الترويج لرؤية شعبوية وسياسات مناهضة للمؤسسة التقليدية، أقنع غينغريتش زملاءه الجمهوريين بأن كل شيء سيكون مباحاً وعادلاً عندما يتعلق الأمر بإسقاط الديمقراطيين.

وفي سلسلة من المعارك الكبرى، استخدم غينغريتش أرضية مجلس النواب لإطلاق خطاب مناهض للديمقراطيين ومخاوفهم بشأن الأمن القومي، أسقط خلاله رئيس مجلس النواب جيم رايت بتهمة أنه "الأكثر فساداً في التاريخ الأمريكي ".


نيوت غينغريتش طالب بإعلان القمر ولاية أمريكية وإعادة الديناصورات للحياة (the atlantic)

بعد أكثر من عقد على ذلك، جاءت انتخابات التجديد النصفي لعام 2010، أي بعد سنتين من بداية ولاية باراك أوباما الأولى، بمفاجأة كبيرة، إذ صعدت جيلًا جديداً من الجمهوريين الذين يعرفون باسم "جمهوريي غينغريتش" إلى مجلس النواب، وتسمي هذه المجموعة نفسها اسم "حزب الشاي" والذين كانوا على استعداد لفعل أي شيء من أجل القضايا اليمينية.

ابتداءً من عام 2011 ومع صعود جماعة "حزب الشاي" إلى الحزب الجمهوري نشأت ما تعرف بحركة "بيرثر"، وهي حركة يمينية شككت في شرعية رئاسة أوباما بادعاءات أنه لم يولد في الولايات المتحدة.

كان من بين هؤلاء دونالد ترمب، إذ بدأ نجمه السياسي يسطع عبر حزب الشاي أو الجمهوريين الجدد، وبحلول الوقت الذي أعلن فيه ترشحه، وجد نفسه مدعوماً من التيار الجديد والمتنفذ داخل الحزب، إذ سيطر على الانتخابات الداخلية منذ يومها الأول.

لا يزال حزب ترمب

رغم أنه متهم بالتحريض على هجوم خلف خمسة قتلى في الكونغرس وعزله مرتين، وخطابه المليء بالتفرقة، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهوريين لا يزالون يؤيدون ظهره وآراءه بأغلبية كبيرة، إذ يعتقدون أنه كان على حق في تحدي خسارته في الانتخابات، بل ويريدونه أن يكون المرشح الجمهوري في عام 2024.

حسب موقع أكسيوس الإخباري، صوت ثلثا الجمهوريين في مجلس النواب لإبطال نتائج الانتخابات، في الساعات التي أعقبت اقتحام الكونغرس، فيما صوت 93% من الجمهوريين في مجلس النواب ضد العزل.

وفي استطلاع أجرته شركة Axios-Ipsos قبل يومين، يرى 64% من الجمهوريين إنهم يدعمون سلوك ترمب الأخير، فيما قال 57% من الجمهوريين إن ترمب يجب أن يكون مرشح الحزب الجمهوري لعام 2024، و 17% فقط يعتقدون أنه يجب عزله من منصبه.


وينقل الموقع عن جمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ أنهم يؤمنون بشدة أن ترمب سيظل قوة في سباقات الحزب 2022 و 2024، حتى لو تمت إدانته في محاكمة مجلس الشيوخ القادمة، ومنعه من تولي منصب فيدرالي.


يعكس ذلك عدم تردد نجل ترمب "جونيور"، قبل اقتحام الكونغرس بساعات قليلة في تهديد الأعضاء الجمهوريين الذين أعلنوا نيتهم التصديق على فوز بايدن بأنهم سيواجهون العواقب، على أساس أن "هذا لم يعد حزبهم الجمهوري. بل بات حزب دونالد ترمب الجمهوري".

وفي مؤشر على استمرار الدعم الذي يحظى به ترمب داخل الحزب الجمهوري، أعيد انتخاب رونا مكدانييل وتومي هيكس جونيور، وهما حليفان مقربان منه، في 8 يناير/كانون الأول، أي بعد يومين فقط من اقتحام الكونغرس، في منصبين رئيسين في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري.

الحزب الجمهوري: الكابوس

قبل يوم واحد من اقتحام الكونغرس، كانت نتائح ولاية جوروجيا أظهرت فوز الديمقراطيين بمقعدَي مجلس الشيوخ وهو ما يعني خسارة الجمهوريين للأغلبية، وبهذا يخسرون البيت الأبيض ومجلسَي الكونغرس النواب والشيوخ، اللذين كانا تحت سيطرتهم مع بداية رئاسة ترمب عام 2017.

في ظل ذلك، ظهر صوت عال داخل الحزب الجمهوري أن الهزيمة مردها صورة الحزب التي سوقها ترمب، إذ إنه أصبح "يواجه تهديداً وجودياً" إذا لم يتمايز في موقفه ويبتعد عن رئيس منفلت تتحكم فيه نزوات سلطوية جامحة. وبحسب السيناتور الجمهوري جون ثون من ولاية ساوث داكوتا، فإن "هوية" الحزب الجمهوري تمحورت في السنوات الماضية حول قيادة الحزب، وينبغي أن تتمحور الآن حول "الأفكار والمبادئ والسياسات".

ويحذر أصحاب هذا الموقف من أن البقاء تحت عباءة ترمب سيحدّ من قدرة الحزب على الفوز في أي انتخابات عامة قادمة، وجمع الأموال، فضلًا عن إيجاد مرشحين أقوياء.

ويؤيد هؤلاء فكرة التصويت على إقالة ترمب في مجلس الشيوخ، بعد عزله في مجلس النواب، والتصويت تالياً على منعه من تسلم أي منصب عام في المستقبل. ويخشى هؤلاء الجمهوريون من عودة ترمب إلى الترشح للرئاسة بعد أربع سنوات، رغم أنه لا يحظى بشعبية كبيرة على المستوى الوطني.

هذا ما ظهر جلياً في تعليق رئيس مجلس النواب السابق الجمهوري جون بوينر، الذي تقاعد من السياسة عام 2015، على اقتحام الكونغرس وخسارة ولاية جورجيا قائلاً: "قلت ذات مرة إن حزب لينكولن وريغان سيأخذ قيلولة، لكن يبدو أن هذه القيلولة تحولت إلى كابوس لأمتنا، يجب أن يستيقظ منه الحزب الجمهوري".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً