يرى ماكرون نفسه في شخص نابليون محاولاً إحياءه بشكل ساخر ومقدماً نفسه كتجسيد حديث له (Reuters/Hans Lucas)

رغم الانقسام الشديد حوله في الداخل الفرنسي، يحيي الرئيس إيمانويل ماكرون، الأربعاء، ذكرى مرور 200 عام على وفاة نابليون، بوضع إكليل من الزهور أمام قبره تحت "قبة ليزانفاليد" في باريس.

ويُرتقب أن يُلقي ماكرون، قبل ذلك بقليل، خطاباً بالمناسبة مستذكراً شخصية مثيرة للجدل. فرغم دمويّته وحروبه التي أرهقت فرنسا وإعادته للعبودية في المستعمرات، يرى ماكرون نفسه في شخص نابليون، ربّما، محاولاً إحياءه بشكل ساخر ومقدماً نفسه كتجسيد حديث له.

"الكائن المعقّد"

قال قصر الإليزيه، في بيان، إنّ ماكرون سيُلقي خطاباً من "أجل النّظر في حقيقة هذا الكائن المعقّد" الذي كانه نابليون، لأنّه "ليس في سيرة القديسين ولا في الإنكار ولا في التوبة"، حسب تعبير البيان الذي استخدم إحالات مسيحية.

وتبدو هذه المناسبة حسّاسة لأنّ "هذه الشخصية الرئيسية في التاريخ كانت دوماً موضع جدل" كما يذكر "معهد فرنسا"، ففي مواجهة هذا الإرث امتنع الرؤساء الفرنسيون عن إبداء موقف بشأن نابليون.

غير أن ماكرون تجرأ على إحياء ذكراها، فهو "لا يتوانى" عن تأكيد رغبته في "النظر في حقيقة" تاريخ فرنسا، سواء فيما يتعلّق بنابليون أو بوجود فرنسا في الجزائر ورواندا، حسب الإليزيه.

ويُتّهم نابليون بالتسبب في مقتل مئات الآلاف خلال حملاته العسكرية على واجهات عدة، وبالأخص الخسائر البشرية الهائلة للحملة في روسيا ولانقلاب "18 برومير".

كما يُعدّ مسؤولاً عن إعادة العبودية خصوصاً فيما يُسمى "الأراضي الفرنسية ما وراء البحار"، في غوادالوب ومارتينيك ولاريونيون بشكل خاص، التي يستنكر سكانها إحياء ذكرى قائد كان مسؤولاً عن معاناة أجدادهم.

في هذا الصدد، قالت "اللجنة الدولية للشعوب السوداء" و"الحركة الدولية للتعويضات"، في بيان: "لا يمكن لأيّ ضحية أن تحتفل بجلادها، إلا إذا كانت مصابة بالجنون"، منددة بذكرى شخص "عنصري وخانق للحريات".

ويقول مؤرخون إن صلات نابليون بفظائع العبودية ظلت طيّ الكتمان في فرنسا، التي لا تزال تصارع ماضيها الاستعماري واتهامات لها من الأقليات العرقية بالعنصرية المتجذرة، إذ ترى دومينيك تافا من "المؤسسة التذكارية للعبودية" أنه لم يعد من الممكن اختصار إرث نابليون في روايات الصولات العسكرية والأمجاد الفرنسية.

وفي بلد مستقطب يشهد عودة قوية للخطاب القومي، وصعوداً لافتاً لقوى اليمين، ظلّ النقاش حول صوابية إحياء ذكرى نابليون خافتاً، شهد بعض الانتقادات المحتشمة من نواب يساريين، فيما علا صوت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن مشيدة "بعظمة" الإمبراطور الذي "قام بالكثير للبلاد وأعطى الكثير للعالم".

نسخة "دون موهبة ولا قيادة"

في المئوية الثانية لولادة نابليون عام 1969، خرج جورج بومبيدو الذي خلف شارل ديغول في منصب الرئاسة قائلاً: "لا يوجد اسم أكثر عظمة من اسم نابليون. بدأ من لا شيء، محروماً من كل شيء، وحصل على كل شيء"، تماماً كما يتخيّل ماكرون نفسه، قادماً من الخلف، متسلقاً سلّم السلطة إلى الرئاسة من خارج منظومة الأحزاب التقليدية.

غير أن نابليون وشارل ديغول وماكرون إن كانا يتقاسمان شيئاً، فإنهما يتقاسمان نظرة محافظة لفرنسا، ويحلمان بعظمتها، وبصرامتها الإدارية، ورغبتها في التحرك دوماً في الخارج، حسب رأي سيمون تيسدال في مقال على صحيفة الغارديان البريطانية.

في المقابل، يقول تيسدال إنّه على الرغم من أنّ ماكرون ونابليون أتيا فعلاً من لا شيء، ويتشاطران رؤية محافظة سياسياً لفرنسا والفرنسيين، إلا أنّ المقارنة بينهما تبدو مثيرة للسخرية بالضرورة.

هذا الأمر يتفق معه النائب البولندي في البرلمان الأوروبي، ريسزارد زارنيكي، الذي قال إنّ "ماكرون يريد أن يكون التجسد القادم لنابليون، لكنّه يفتقر إلى الموهبة والمهارات القيادية"، فيما قالت صحيفة إكسبرس البريطانية إنه تصريح مهين لماكرون.

في هذا الصدد يقول سيمون تيسدال إنّ ماكرون "دائم الاضطراب" ويبدو وكأنه "بطل محكوم عليه بالفشل"، مضيفاً: "أن قدر ماكرون أن يمشي على خطى نابليون".

في المقابل، يقول توني باربر، في مقال على صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، إنّ إحياء ذكرى نابليون في فرنسا منقسمة، يأتي أيضاً بعد أسبوعين على دعوة 20 جنرالاً فرنسياً للجيش كي ينقذ فرنسا مما أسموه مخاطر "الإسلام المتطرف" والحرب الأهلية، ليذكّر بتاريخ الانقلابات التي بدأت مع نابليون نفسه.

كما أنّه يأتي قبل قرابة عام واحد على موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في الوقت الذي تراجع فيه مؤشر الثقة بالرئيس الفرنسي إلى 36% حسب استطلاع لصحيفة لوفيغارو الفرنسية. فهل يغادر ماكرون في انتخابات 2022 إلى النّسيان، معزولاً مثل نابليون؟

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً