أعلنت أنقرة وموسكو عزمهما التنسيق ميدانياً في سوريا بعد الانسحاب الأميركي المرتقب. يأتي ذلك بعد تفاهم مماثل بين أنقرة وواشنطن، واستمرار تحضير تركيا لعملية عسكرية شرق الفرات. تطورات عديدة تعقد المشهد، فكيف سيجري التنسيق بين القوى الحاضرة على الأرض؟

وزيرا الخارجية الروسي وسيرغي لافروف ونظيره التركي مولود تشاووش أوغلو في موسكو
وزيرا الخارجية الروسي وسيرغي لافروف ونظيره التركي مولود تشاووش أوغلو في موسكو (AFP)

ما المهم: يأتي إعلان التنسيق التركي-الروسي في سوريا الذي أُعلن عنه مساء السبت، بعد تطورات ميدانية أعقبت إعلان الولايات المتحدة عزمها سحب قوّاتها من سوريا، خصوصاً في ظل حالة الغموض التي تحيط بمصير مدينة منبج، وادعاء النظام السوري الدخول إليها، والنفي الأميركي التركي لذلك. في الوقت نفسه تواصل أنقرة إرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع سوريا استعداداً لعملية "شرق الفرات" المرتقَبة.

المشهد: اتّفقت روسيا وتركيا خلال محادثات جرت في موسكو، السبت، على تنسيق تحركاتهما الميدانية في سوريا بعد أن أجرى وفد تركي محادثات في موسكو جمعت وزراء الخارجية والدفاع في البلدين، إضافة إلى عدد من المسؤولين في الاستخبارات.

وقال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في مؤتمر صحفي، إن "تركيا وروسيا تمتلكان إرادة مشتركة لتطهير الأراضي السورية من جميع التنظيمات الإرهابية"، فيما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف "اتّفقنا على مواصلة تنسيق الممثّلين العسكريين الروس والأتراك تحركاتهم بما ينسجم مع الوضع الجديد، بهدف استئصال الخطر الإرهابي في سوريا".

وأضاف تشاووش أوغلو "باعتبارنا ضامنين لمسار أستانة، فإننا ندافع عن وحدة تراب سوريا وكيانها السياسي، ونعارض جميع الجهود التي من شأنها الإخلال بهما". وأشار إلى أن الاجتماع شهد مراجعة مخرجات مسارَي أستانة وسوتشي، والخطوات الممكن اتخاذها لاحقاً، إضافة إلى قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من شمالي سوريا.

من جهته قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأحد، إن الجهود المشتركة لروسيا وتركيا تساهم بحسم في مسيرة الحل السياسي ومكافحة الإرهاب في سوريا.

في سياق آخر وصلت تعزيزات جديدة للجيش التركي، الأحد، إلى قيادة المدرعات في منطقة خليلية بولاية شانلي أورفة جنوبي البلاد، تمهيداً لنشرها على الشريط الحدودي مع سوريا. وتتوالى على المنطقة منذ أيام تعزيزات الجيش التركي، وسط ترقب لإطلاق عملية عسكرية في منطقة شرق الفرات شمال سوريا ضد تنظيم YPG\PYD، الذراع السورية لتنظيم PKK المصنف إرهابياً.

الخلفيات والدوافع: كانت الولايات المتحدة الأميركية قررت الأسبوع الماضي، على لسان رئيسها دونالد ترمب، سحب قواتها من سوريا، وهو ما اعتُبر لحظة فارقة أخرى في سياق الأزمة السورية.

أتى قرار الانسحاب الأميركي بعد أيام من إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عزم بلاده إطلاق عملية عسكرية شرق نهر الفرات ضد تنظيمي YPG وPYD، الامتداد السوري لتنظيم PKK المصنف إرهابياً.

وقبل التنسيق التركي-الروسي، كان الرئيسان الأميركي والتركي أعلنا إجراءهما مباحثات ثنائية حول الانسحاب "المنسق والبطيء" للقوات الأميركية من سوريا، في إشارة إلى التوافق بين واشنطن وأنقرة على ترتيب الأوراق بعد الانسحاب الأميركي.

وليس واضحاً حتى الساعة، كيف سيجري التنسيق ميدانياً في الشمال الشرقي لسوريا، خصوصاً أن أولويات الأطراف على الأرض مختلفة. وعلى الرغم من أن الجانب التركي يركّز بشكل أساسي على إبعاد تنظيمي YPG وPYD عن الحدود التركية، فإنه يلتقي الجانب الروسي في مسألة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

في هذا الصدد قال خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية عبد الله أغار، لوكالة الأناضول، إن "تركيا اتخذت خطوات فعّالة لتحييد تنظيم YPG الإرهابي، وكسر إرادته في ما يتعلق بتقويض وحدة الأراضي السورية". وأضاف أن "تركيا طالما أكدت حماية وحدة الأراضي السورية، وأن هذا الأمر رُكّز عليه خلال الاجتماع الذي جرى أمس بين المسؤولين الأتراك والروس في موسكو".

ما التالي: عن الكيفية التي سيجري بها التنسيق بين الجانبين الروسي والتركي في منطقة شرق الفرات، يقول بلال سلايمة الباحث في مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA) ومقره أنقرة، في تصريح لـTRT عربي "النقاط الدقيقة للتنسيق ميدانياً لن تظهر تفاصيلها إلا بعد اللقاء بين أردوغان وبوتين، وهو لقاء يبدو قريباً. كل ما يتوفر لدينا الآن لا يعدو كونه جوّاً إيجابياً بين الطرفين لأنهما معنيّان جداً بالتنسيق".

ويضيف سلايمة "الكيفية التي سيتم بها الانسحاب الأميركي عامل سيؤثر على تفاصيل هذا التنسيق التركي الروسي. لكن في كل الأحوال تركيا لديها محددان ومبدآن أساسيان من الصعب أن تتهاون فيهما. أوّلاً؛ لن تقبل أنقرة بأية استقلالية لتنظيم YPG حتى وإن كانت إدارة ذاتية، وثانياً، ستحرص تركيا بشدة على إشراك الفصائل العربية والعشائر في المنطقة في أي ترتيبات مستقبلية".

المصدر: TRT عربي - وكالات