فرنسا تدخل أزمة بعد الاحتجتجات المناهضة لقانون الأمن الشامل واستخدام الشرطة الفرنسية العنف في تفريق المتظاهرين (AA)

في الوقت الذي يعجّ فيه العالم الغربي بالانتهاكات، وتشرع بعض الدول أسلحتها في وجه حرية التعبير وحقوق المواطنين، وتفرق الاحتجاجات بالقوة، يجد المتابع للإعلام الغربي تحيزاً واضحاً في التغطية والاهتمام، مقارنة بتغطيته للأحداث في العالم العربي والإسلامي، بخاصة تركيا.

فتلك الأحداث المثيرة والمهمة التي تنتهك أبسط حقوق المسلمين، حرية الدين، لا تلقى التغطية الكافية في الإعلام الغربي، كقضية الروهينغيا والإساءة للرسول محمد، والعنصرية ضد اللاجئين والإسلاموفوبيا والممارسات المتطرفة ضد الحجاب والمحجبات.

ولا يقف الأمر عند القضايا الخاصة بالمسلمين وحرية الدين لديهم، بل يتعداه إلى القضايا السياسية، فلا نجد التوازن المطلوب حين يتعلق الأمر ببعض الدول، فتركيا التي كانت تحاول الحفاظ على حدودها من الإرهاب بما هو مسموح لها حسب القوانين الدولية، والعمليات العسكرية التي نفّذتها في سوريا من أجل أمن السوريين وضمان عودة آمنة للاجئين، لقيت انتقاداً كبيراً من الإعلام الغربي، وصورت بعض وسائل الإعلام العمليات العسكرية بأنها تدخُّل سافر في شؤون الدول المجاورة، بل حاولت وسائل إعلام أخرى فبركة بعض الجرائم ونسبها إلى الجيش التركي، بنشر صور تبيّن لاحقاً أنها مزورة وليس لها علاقة بالحوادث المذكورة.

في المقابل نجد أن ذات وسائل الإعلام تقلّل من هول الأحداث والجرائم التي تُرتكب في العالم العربي، مثل تغطيتها الحرب في اليمن، وبالأخصّ الانتهاكات السعودية هناك، والقضية السورية والقضية الفلسطينية والانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، وقضايا تمسّ حرية الرأي والتعبير، كالاعتقالات السياسية في بعض الدول العربية من قبل أنظمة تابعة للغرب.

ازدواجية المعايير في الإعلام

ولقيت تغطية وسائل الإعلام الغربية وتحيزها استنكار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي دعا المجتمع الدولي إلى وضع حد للإساءات التي تُمارس تحت عباءة "حرية الصحافة"، قائلاً: "إذا لم يوضع حدّ للتصرفات القبيحة التي تُمارَس تحت عباءة حرية الصحافة، فإنّ أوروبا والإنسانية جمعاء ستدفع ثمن ذلك".

وأشار الرئيس التركي إلى أن "النظام الذي لا يعاقب المجرم والمسيء لا يمكن أن نصفه نظاماً حراً"، فيما وصف تبني بعض وسائل الإعلام لنهج معاداة الإسلام وكراهية الأجانب بأنه "أمر مخجل".

وانتقد الرئيس التركي ازدواجية المعايير في تعاطي وسائل إعلام حكومات غربية مع قضايا المنطقة ومع ما تشهده بلادهم من مظاهرات وعلى رأسها مظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا.

ولفت إلى أنّ صور أعضاء من تنظيم PKK/YPG الإرهابي الذي أراق دماء مئات الآلاف من السوريين، باتت تزين أغلفة مجلات تعتبر نفسها مرموقة لدى الغرب.

وتابع: "في الوقت ذاته يُتغاضى إعلامياً عن مظاهرات السترات الصفراء التي استمرت لأسابيع عديدة في العاصمة الفرنسية، ولم يوجَّه أي انتقاد لعنف الشرطة التي أعمت أعين المتظاهرين، ثم يعطينا هؤلاء دروساً في حرية الصحافة".

احتجاجات باريس ومحاولة الانقلاب في تركيا بين التجاهل والتهويل

وفي لمحة سريعة على وسائل الإعلام الفرنسية، يجد القارئ أنها تعكس السكينة والطمأنينة في فرنسا، متجاهلة المظاهرات التي تجتاح عموم فرنسا طَوال الأيام السابقة لرفض مشروع قانون "الأمن الشامل"، الذي كان حصل على الضوء الأخضر من البرلمان الفرنسي، وتنصّ إحدى مواده (المادة 24) على عقوبة السجن سنة ودفع غرامة قدرها 45 ألف يورو في حال بثّ صور لعناصر من الشرطة والدرك.

وعلى الرغم من أن مشروع القانون المثير للجدل أدخل البلاد في أزمة بدأت تضيق حول عنق ماكرون، فإن وسائل الإعلام الفرنسية والغربية تغاضت عمَّا يحصل في فرنسا من قمع واعتقالات من الشرطة للمتظاهرين، فيكاد القارئ على الصفحة الرئيسية لا يجد أي خبر ذي صلة بالأحداث التي يجب أن تشغل العالم في أكثر الدول تغنياً بالحريات والحقوق.

وازدادت حدة التوتر أيضاً بعد نشر صور صدامات وتعرُّض شرطي في ختام تظاهرات السبت في باريس لهجوم عنيف، في حين أصيب مئة شرطي بجروح.

"لا يمكن أن يلوم أردوغان أحداً على ليلة الانقلاب الفاشل سوى نفسه"، و"أمل تركيا الأخير يموت", كان ذلك جزءاً من عناوين مقالات على أكثر الصحف الغربية مصداقية، من بينها مجلة فورين بوليسي، وصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، إضافة إلى أخطاء وقع فيها أيضاً بعض وسائل إعلام عربية كالصحف المصرية، بعد أن تصدرت عناوين مثل "الجيش يطيح بأردوغان" المشهد الإعلامي العربي في تلك الليلة.

وقالت وزيرة تركيا السابقة في الاتحاد الأوروبي بيريل دادا أوغلو لوكالة الأناضول، تعقيباً على تغطية وسائل الإعلام الغربية عقب فشل محاولة الانقلاب إن "وسائل الإعلام الغربية حاولت تركيز الاهتمام على الحكومة التركية بدلاً من المتآمرين الانقلابيين".

ولم تهتم التغطية الإعلامية الغربية في 15 تموز/يوليو قبل ثلاث سنوات بالحديث عن تبعات محاولة عناصر محدودة من الجيش الانقلاب على الحكم في تركيا، وإنما انصبّ اهتمامها على انتقاد الحزب الحاكم والرئيس التركي في تلك الليلة.

وحاولت وسائل إعلام أوروبية وأمريكية التلميح إلى أن محاولة الانقلاب ما هي إلا محاولة من الجيش "للمحافظة على الديمقراطية"، وأن "من نفّذوا تلك المحاولة هم خير الرجال" حسب ما تناولته وسائل إعلام أمريكية، وصفت حينها خيار الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بأنه حرج في حال دعمِه الشرعية التركية في مواجهة الانقلابيين.

أحداث غزي بارك.. تغطية متواصلة كاذبة

ويظهر التضخيم الإعلامي الغربي للأحداث في العالم الإسلامي وتركيا على وجه الخصوص والانحياز في التغطية جليّاً لدى الرجوع إلى التغطيات الإعلامية لما يعرف بـ"أحداث غزي بارك" في إسطنبول التي وقعت عام 2013 وكانت شكلاً من أشكال محاولات الانقلاب على النظام الديمقراطي، حسب تصريحات حكومية.

إذ يظهر من مطالعة وسائل الإعلام الغربية أن وسائل الإعلام هذه سعت لتضخيم الأحداث والانحياز إلى المجموعة التي حاولت إثارة القلاقل في تركيا على حساب الحكومة المنتخبة، وفقاً للجهات الرسمية التركية.

فعلى سبيل المثال، غطت قناة "فرانس 24" الفرنسية أحداث غزي بارك في حينها بشكل متواصل، وألقت اللوم على الشرطة التركية التي زعمت أنها كانت تقمع المظاهرات الاحتجاجية، ووصفت الحكومة بأنها حكومة إسلامية محافظة وأنها واجهت المظاهرات بعنف، ولم تذكر أن جهات مشبوهة وقفت خلف الأحداث التي أكدت تركيا أنها كانت جزءاً من محاولة انقلاب على الحكم.

في المقابل، لا يبدو أن ذات القناة تهتم كثيراً بالأحداث المستمرة في فرنسا ابتداءً من مظاهرات السترات الصفراء، وصولاً إلى المظاهرات الجارية ضد قانون الأمن العام، فيما لم تتطرق إلى عنف الشرطة الفرنسية ضد المتظاهرين، والتي نتج عنها اعتداء الشرطة على صحفي وإصابته بجراح.

تغطية العمليات العسكرية التركية

وبشأن العمليات العسكرية التركية شمال سوريا، تناول بعض وسائل الإعلام الغربية هذه العمليات بشكل كبير ووضعها في أكثر من سياق. وقد ساقت هذه الوسائل حججاً بدا كثير منها متناقضاً كان أبرزها التركيز على رسم صورة للعملية على أنها احتلال وتعريض لأرواح المدنيين للخطر، وعلى احتمالات عودة تنظيم داعش الإرهابي نتيجة لهذه العملية.

كما حرصت وسائل إعلامية غربية أخرى على تصوير العملية كأنها استهداف للأكراد في سوريا. وقد انتقدت هذه الصحف قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الانسحاب من شمال سوريا، واعتبرته قراراً من شأنه التأثير سلباً على ثقة حلفاء الولايات المتحدة، كما فعلت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، التي قالت إن "أردوغان يريد إرسال عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى المنطقة التي تبلغ مساحتها 20 ميلاً والتي يهدف إلى احتلالها".

أما الصحف الفرنسية فقد صوّر بعضها العملية التركية على أنها موجهة ضد الأكراد. وقد أجرت صحيفة لوبيرزيان الفرنسية حواراً مع الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند الذي دعا إلى فرض عقوبات على تركيا، ودعا لمناقشة مسألة تعليق عضوية تركيا في الناتو، علماً أن قوانين الناتو لا تسمح بذلك.

إلا أن نتائج هذه العمليات كان تثبيت الأمن والاستقرار في الشمال السوري، والقضاء على جيوب تنظيم داعش الإرهابي، وتسهيل عودة لاجئين سوريين إلى بيوتهم.

فلسطين وإسرائيل.. ازدواجية واضحة

ويمكن أخذ تغطية وسائل الإعلام الغربية للقضية الفلسطينية وتجاهلها للجرائم الإسرائيلية، مثالاً على ازدواجية المعايير. وقد لفت الرئيس التركي الثلاثاء، إلى تجلّي تلك الازدواجية في الصحافة الغربية من خلال التعاطي مع إرهاب الدولة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين. وقال بهذا الخصوص إن "قتل أطفال فلسطينيين يرفعون أيديهم وسط الطريق، لم يكن خبراً يستحق الذكر لمن يعتبرون أنفسهم وسائل إعلام مستقلة".

وأضاف: "قبل عدة أيام وُقفت سيارة إسعاف تُقِلّ جريحاً فلسطينياً، واعتُقل، هذا الخبر لم يقابَل بأي رد فعل من وسائل الإعلام العالمية".

واستدرك: "كما لا أجد ضرورة للتطرق إلى العناوين الرئيسية المقززة للصحف التي تستهدفني شخصياً".

ومثّلت تغطية عدّة وسائل إعلام غربيّة لأحداث مسيرة العودة في قطاع غزّة، كشفًا لازدواجيّة المعايير المهنيّة عندما يتعلّق الأمر بالقضيّة الفلسطينيّة، فالفلسطيني في نظر الغرب سيبقى طرفاً مسبباً "للعنف" ولو خرج في مظاهرات سلميّة، وأراد أن ينتظم في اعتصام طويل من أجل حقوقه وتحرره، فالاقتراب من حدود السجن المرسومة له سببٌ كافٍ لتصبح التغطية على شاكلة "اشتعال المواجهات على حدود غزة بإسرائيل".

واختارت وسائل الإعلام البريطانية، على سبيل المثال BBC، تبني الرواية الإسرائيليّة نقلًا عن جيش الاحتلال كجزء أساسي من المصادر التي اعتمدت عليها في الخبر الرئيسي للحدث، وإعطاء بيانات الجيش مساحة كبيرة في ظل غياب الصوت الفلسطيني.

كذلك الأمر مع "نيويورك تايمز" التي أطّرت الحدث من خلال تحميل الفلسطينيين مسؤولية اندلاع أعمال العنف بطريقة غير مباشرة بسبب اقترابهم من الحدود، ومتجاهلة الحصار المفروض على القطاع منذ 14 عاماً، والحروب التي شنّتها إسرائيل عليه وقتلت المدنيين بأسلحة محرَّمة دولياً وارتكبت عديداً من المجازر بحق المدنيين والأطفال.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً