سيف الإسلام القذافي في الزنتان في مايو/أيار الماضي (Jehad Nga/The New York Times)

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تقريراً تضمن حديثاً صحفياً مطوَّلاً مع سيف الإسلام القذافي، نجل "طاغية ليبيا" الراحل معمر القذافي.

كشف سيف الإسلام في حديثه للصحيفة الأمريكية تفاصيل وملابسات اعتقاله، ونظرته الشخصية إلى الآفاق الليبية المستقبلية.

ويؤكد التقرير أن الغرب أواخر حكم القذافي كان يعقد آمالاً على نجله سيف الإسلام لإحداث إصلاح في ليبيا، وكان الأخير مختلفاً عن أبيه كليّاً، إذ تَخرَّج في كلية لندن للاقتصاد الشهيرة، وكان دائم الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لكن مع قيام الثورة، تَغيَّر توجُّه سيف الإسلام رأساً على عقب، وسارع بالانضمام إلى حملة القمع الغاشمة التي أطلقها النظام الليبي.

كيف نجا من الأسر؟

يسرد التقرير قصة اعتقال سيف، حين اعترضت مجموعة من المسلَّحين موكبه بالقرب من مدينة أوباري الليبية الصحراوية، في أثناء محاولته الفرار باتجاه النيجر. وعند وقوعه في أسر الثوار ظنّ سيف أنه هالك لا محالة، فما الذي يجنّبه مصير أبيه الذي تشفّى فيه الثوار بقتله؟

لكن لحسن حظه، وقع أسيراً لكتيبة ذات توجُّه مستقلّ حمَته من الفصائل المتمردة الأخرى ونقلته جوّاً إلى مدينة الزنتان، موطنها في الجبال جنوب غربي العاصمة، وظلّ أسيراً لدى الزنتانيين حتى بعد انتخابات ليبيا عام 2012.

وأفاد سيف الإسلام بأنه لم يكن على اتصال بالعالم الخارجي خلال الفترة الأولى من اعتقاله، وأنه قضى بعضها بمكان أشبه بالكهف: "غرفة شُقّت تحت الأرض وسط الصحراء أسفل منزل في بلدة الزنتان"، ولم يكن بالغرفة أي نوافذ، فلم يكن يميّز الليل عن النهار، وأدرك أنه قد يموت في أي لحظة.

ومع انقسام ليبيا خلال الأعوام التالية إلى مليشيات متناحرة، بدأ بعض الليبيين يغيّر نظرته إلى سيف الذي سبق أن تنبأ بهذا الانقسام في الأيام الأولى من الثورة عام 2011.

وأفاد التقرير بأن خاطفيه أطلقوا سراحه بعد أن تبيّن لهم أن "الثورة كانت خطأً، وسيف الإسلام وأباه كانا محقَّين"، حسب ما ورد في التقرير.

طموح إلى خلافة أبيه

يروي الصحفي روبرت وورث ملابسات لقائه بسيف الإسلام قائلاً: "انتابني كثيرٌ من التوتر، فقد قضيتُ عامين ونصفاً أرتّب لهذه المقابلة"، ولم يحدث أن التقاه أي صحافي أجنبي منذ عشر سنوات.

وسط إجراءات أمنية مشددة، وصل وورث إلى المكان المحدد للقائه سيف الإسلام، يقول: "تقدّم نحوي رجل ومدّ يده قائلًا: مرحبا! (...) لم يكن لديّ شَكّ في أنه سيف الإسلام، مع أن ملامحه بدت أكبر سنّاً وكست وجهَه لحيةٌ طويلةٌ غزاها الشيب".

ويضيف وورث: "سألته إن كان لا يزال سجيناً، فقال إنه حرٌّ ويعتزم العودة إلى الساحة السياسية، وأوضح أن المقاتلين الذين اعتقلوه قبل عشر سنوات قد تحرّروا من وهْم الثورة، وأدركوا (خطيئتهم) في نهاية المطاف".

ورغم تحفّظ سيف الإسلام بشأن الحديث عن احتمالية ترشّحه للرئاسة، فهو يعتقد أن بإمكانه أن يعيد للبلاد وحدتها المفقودة. يقول سيف الإسلام: "اغتصبوا بلادنا وأذلّوها. ليس لدينا مالٌ ولا أمنٌ ولا حياة. (...) ما حدث تَخطَّى حدود الفشل، إنها مهزلة".

ويعلّق وورث معتقداً أنه من غير المرجح أن تنجح الانتخابات الرئاسية في رأب الصدع الليبي، بل إنها قد تعيد البلاد إلى حالة الحرب "إذا فاز فيها شخص مثير للجدل، ولا أحد أكثر إثارةً للجدل من سيف الإسلام".

ورغم اختفاء سيف عن الساحة، فإن تطلعاته إلى الرئاسة تؤخذ على محمل الجدّ، فخلال المحادثات التي أسفرت عن تشكيل الحكومة الليبية الحالية، سُمح لمؤيديه بالمشاركة، ونجحوا في إلغاء شروط للانتخابات كانت ستحول بينه وبين الترشّح.

ويعتقد وورث أن سيف ينتهج الاختفاء والغياب عن الأنظار سبيلاً لإحياء شعبيته، فهو حريصٌ أشدّ الحرص على الاحتفاظ بهالة من الغموض حوله. ويقول سيف: "قضيتُ عشر سنوات بعيداً عن أنظار الليبيين، عليّ أن أعود إليهم خُطوةً خطوة (...)، عليك أن تلعب بعقولهم قليلاً".

نجل القذافي: "لقد قضيت 10 سنوات بعيداً عن أنظار الليبيين؛ عليّ أن أعود إليهم خطوةً خطوة" (Jehad Nga/The New York Times)

سردية "الحرب الأهلية" وتواطؤ العالم

يرى سيف الإسلام أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لا معمر القذافي، هي مَن يتحمل مسؤولية الدمار الذي حلّ بليبيا، إذ اتخذ أوباما وقتها قراراً بدعم حملة الناتو العسكرية، في الوقت الذي حذر فيه دعاة حقوق الإنسان من مذبحة وشيكة.

دمّرت ضربة جوية للناتو عام 2011 مناطق بليبيا، وفي العالم التالي تخلّت الولايات المتحدة عن ليبيا بعد حادثة اغتيال سفيرها جون كريستوفر ستيفنز وثلاثة أمريكيين في بنغازي. وأقرّ أوباما لاحقاً بأن أكبر خطأ ارتكبه في أثناء توليه الرئاسة كان غياب التخطيط لمرحلة "ما بعد القذافي" في ليبيا.

ويقول سيف متحدثاً عن الثوار: "كان العالم بأسره يقف معهم"، ثم تطرق بشكل مبهم إلى ما سمَّاه "النفاق"، قائلاً: "وسائل الإعلام العربية شيطنت نظام القذافي إلى درجة جعلت من المستحيل إقامة حوار (...). الثوار عقدوا العزم على تدمير الدولة، وأي مجتمع قبلي مثل ليبيا يضيع بلا دولة". ثم أردف: "ما حدث في ليبيا لم يكن ثورة. يمكنك أن تسمّيه حرباً أهلية أو أيام شؤم، لكنها لم تكن ثورة".

وأفاد سيف الإسلام أنه بدأ يفكر في خوض غمار السياسة في وقت مبكّر جداً، فقد اختاره والده للوساطة مع الغرب بشأن بعض النزاعات التي تورطت فيها ليبيا، بما في ذلك تفجير "لوكربي".

ولخّص روبرت وورث حديثه معه مؤكداً أهمية نشأة سيف الإسلام وهو يرى والده يمتدح نظامه الديكتاتوري ويصفه بـ"الديمقراطية المثالية الوحيدة في العالم"، وتَعلَّم في مرحلة مبكّرة من حياته أن نزاعات ليبيا مع الغرب تتطلب إتقان المواربة والكلام المزدوج.

كان يريد أن يكسب إعجاب أصدقائه في أمريكا وأوروبا، وبسرعة أدرك أن الحديث بلغة غربية معينة -مثل الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان- سيجعل عهده أكثر سهولة وسلاسة من عهد أبيه.

يبدو أنه كان لديه اهتمام صادق بهذه الأفكار، لكنه كان يراها هِبةً للشعب تُمنح لهم بجرعات صغيرة. أما من يطالبون بشيء قبل أوانه، فيكون التعنيف مصيرهم. وهو الذي يمتلك الحق في تعنيفهم، وذلك الحقّ نابع من مبدأ راسخ وقاطع لدرجة أنه لم يُضطرّ إلى ذكره قط، هو أنه "قذافيّ"، وفق الصحيفة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً