تحول سياسة تركيا الخارجية عقب عامَي 2006 و2007 اكتسب زخماً مع محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016 فوجهته وأهدافه الرئيسية لم تتغير، لكن جرى تأكيد مساعي جعْل سياسة البلاد الخارجية متعددة الأبعاد، مركزها أنقرة، وأقل ارتباطا بالخارج.

شهدت السياسة التركية على الصعيد الداخلي والخارجي انكسارات هيكلية ملحوظة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016. وقد تمكنت هذه الانكسارات من ترك آثار دائمة على سياسة تركيا الخارجية ورؤيتها الأمنية.

فأزمة 15 يوليو/تموز دفعت المجتمع التركي إلى تبني وضع دفاعي في المرحلة الأولى، غير أنها وجهت الدولة التركية وخصوصاً دوائرها الأمنية إلى التحرك خارج القوالب المعتادة. وفي فترة قصيرة تخلصت تركيا من سياسة ردود الفعل الدفاعية، وبدأت في لعب أدوار مهمة بقضايا إقليمية مثل الأزمة السورية والليبية وحصار قطر، وصارت عنصراً رئيسياً قادراً على تغيير قواعد اللعبة. والخطوات الجديدة التي تتخذها تركيا على صعيد الدفاع والسياسة الخارجية تشير إلى أنها عازمة على مواصلة هذه التوجه الجديد.

التحول الذي حدث في سياسة تركيا الخارجية عقب عامَي 2006 و2007 اكتسب زخماً مع محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016. فوجهة هذا التحول وأهدافه الرئيسية لم تتغير، لكن جرى تأكيد مساعي جعْل سياسة تركيا الخارجية متعددة الأبعاد، مركزها العاصمة أنقرة، وأقل ارتباطاً بالخارج في القضايا الحساسة.

للمزيد حول الموضوع.. يمكنك قراءة:

سياسة تركيا الخارجية بعد محاولة انقلاب 15 تموز: استحضار كل أدوات القوة

وظل هذا الهدف يمثل أولوية السياسة الخارجية للبلاد لدى حكومات حزب العدالة والتنمية. لكن محاولة انقلاب 15 يوليو/تموز دفعت تركيا إلى تبني سياسة خارجية يبرز فيها البعد الأمني.

فنهج السياسة الخارجية التركية حول القيم الليبرالية وتعميق التكامل الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي تأثَّر بالسلب من التغيرات التي طرأت عليه نتيجة ذلك. ولا شك أن القلق الوجودي الذي شعرت به الدولة التركية عقب محاولة انقلاب 15 يوليو/تموز، لعب دوراً كبيراً في ذلك.

فقد امتنعت الدول الغربية عن التضامن ودعم الحكومة المدنية المنتخبة عقب المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا. الأمر الذي دفع تركيا إلى اعتبار ذلك نفاقاً وازدواجية معايير.

ولا شك أن سبب هذه الانكسارات التي حدثت على صعيد سياسة تركيا الخارجية ونهجها الأمني يعود إلى أزمة الثقة العميقة التي تسببت فيها هذه التجربة الصادمة لدى الحزب الحاكم والمؤسسات الأمنية في تركيا.

فلم يُنظر إلى المحاولة الانقلابية الفاشلة على أنها مجرد تمرُّد داخلي. ونظراً إلى الروابط الخارجية التي شابتها، اعتُبر أن ماحدث في 15 يوليو/تموز صُمم خصيصاً لإجبار تركيا على العودة إلى الاعتماد على الغرب، والتحرك في إطار حلف شمال الأطلسي "الناتو"، والتصرف وفق الدور المرسوم لها.

ولعل الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الحزب الحاكم وجناح المعارضة في تركيا هو أن واشنطن إلى حد بعيد، تقف وراء هذه المحاولة الانقلابية.

وقد كانت محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز، سبباً في تغيير وجهة تركيا إلى مسار معاكس تماماً. وبوتيرة ملموسة، بدأت تركيا في التقدم والتحول نحو نهج أكثر استقلالاً قائم على سياسة خارجية متوازنة مبدأها "المحلية-الوطنية".

أزمة الثقة تجاه الناتو والعقيدة الأمنية الجديدة

لم يكن سهلاً على شركاء تركيا الدوليين، وفي مقدمتهم حلفاؤها في الناتو، فهم هذا التغير في البداية. وفي مراحل لاحقة، نأوا عن قبول هذا التغير الذي تشهده تركيا والتسليم به. فيما بحثت تركيا فرص التعاون من جديد استناداً إلى مبدأ المصالح المشتركة مع الجهات الدولية التي أدركت وقبلت هذا الوضع الجديد.

ومنذ 4 سنوات، تتواصل مساعٍ لجعل نهج سياسة تركيا الخارجية وتوجهاتها الدفاعية والأمنية متوافقة مع ظروف مرحلة ما بعد 15 يوليو/تموز. فيما يرى متابعو السياسة الخارجية التركية وتوجهها الأمني، هذه الجهود بمثابة ترنُّح، فإن التفسير الأصح للأمر يتمثل في أن تركيا تسعى للتكيف والانسجام مع ظروف مرحلة ما بعد 15 يوليو/تموز ومتطلباتها.

تعد هذه هي المرة الأولى منذ نحو 70 عاماً التي تتخذ فيها تركيا هذا العدد من الخطوات الملموسة من أجل تشكيل عقيدة استراتيجية في مجال الدفاع يكون مركزها وهدفها أنقرة.

وفيما يتواصل هذا التحول من جهة، تنفذ تركيا تحركات عسكرية في سوريا والعراق وليبيا لإزالة مخاوفها الأمنية المشروعة من جهة أخرى.

وتواصل تركيا تحديد سياساتها نحو المناطق القريبة منها، كما شرعت في هيكلة جديدة يتمثل مركزها في أولوياتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية. ولا تستند هذه الهيكلة إلى أسس أيدولوجية بل تتقدم بوتيرة متزنة وأكثر براغماتية في ضوء مصالحها الوطنية. وتُجرى حالياً إعادة تشكيل الاستراتيجيات الإقليمية كافة من جديد لتكون أولويتها المصالح الوطنية.

ولا شك أن عدم مراعاة الناتو أولويات تركيا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي، ومحاولته التدخل في سياستها الداخلية، هي أمور تسببت في اهتزاز ثقة تركيا بالحلف الغربي إلى حد كبير.

وتماشياً مع ذلك، بدأ صناع القرار في تركيا اتخاذ خطوات حاسمة وطويلة الأمد، لإنهاء الاعتماد على الخارج على الصعيدين الدفاعي والأمني. وقد نتج عن هذا التوجه حملة التكنولوجيا العسكرية الوطنية لإنهاء الاعتماد على الخارج في مجال الصناعات الدفاعية.

ونجحت تركيا في هذه الآونة في زيادة قدراتها عبر التقنيات العسكرية التي طُورت محلياً. ولعبت هذه التقنيات دوراً كبيراً في عمليات تركيا العسكرية خارج الحدود.

وقد تبنت تركيا أشكال تعاون مرنة بشأن قضايا معينة مع جهات متنوعة في ضوء أهدافها على الصعيدين الدفاعي والأمني. لذا نجدها تبذل جهوداً مشتركة بشأن قضية معينة مع جهة ما أو دولة ما، وتتعارض معها وتعمل مع جهات أخرى في بعض القضايا الأخرى.

للمزيد حول الموضوع.. يمكنك قراءة:

انقلاب 15 تموز الفاشل.. ملحمة وطنية حجزت مقعدها بالسينما التركية
وادي الذئاب.. الوطن
وادي الذئاب.. الوطن ()

وقد رسم هذا التغير لوحة معقدة وصعبة الفهم والقبول بها بالنسبة إلى متابعي تركيا عن بُعد. وتظهر في هذه اللوحة دول مثل قطر وأذربيجان وباكستان وأوكرانيا بمثابة الحلفاء الأكثر ثقة وديمومة، بينما تتسابق دول مثل الإمارات والسعودية وفرنسا واليونان في تبني سياسات معادية لتركيا في جميع المجالات تقريباً.

فيما تتواصل علاقات متقلبة بين الصعود والهبوط مع روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيران.

وأولوية تركيا في هذا الصدد تتمثل في مواصلة تبني علاقة تحافظ على التوازن بين هذه الدول. وقد ساهم اهتزاز العلاقات مع واشنطن في تعزيز علاقات أنقرة مع موسكو.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن ثقة تركيا بالولايات المتحدة والناتو انخفضت إلى حد كبير فيما يتعلق بمسألة مكافحة الإرهاب ومنظمة "كولن" الإرهابية.

فتحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع تنظيم YPG الإرهابي في سوريا، والمساعدات التي قدمتها فرنسا للإرهابيين شمالي سوريا، ودعم الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي تنظيم PKK الإرهابي وغض طرفها عن فاعلياته داخل حدودها، كلها أمور دفعت تركيا إلى البحث عن بدائل أخرى لمواجهة الإرهاب.

فجرى تأسيس علاقة جديدة مع روسيا. وقد ساعدت هذه العلاقة تركيا في تعزيز فاعليتها في سوريا ومهدت الطريق أمامها لإطلاق عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام شمالي سوريا، الأمر الذي مكنها من تنفيذ إجراءات ملموسة لمنع تشكيل ممر إرهابي على طول حدودها الجنوبية.

صور تعاون جديدة وتحالفات مرنة

كان من الضروري لتركيا تطوير علاقة بناءة وأكثر اتزاناً مع روسيا في القضايا الاستراتيجية. وقد تبين أنه لن يجري الحصول على أية نتائج إيجابية من التصادم مع روسيا، لا سيما في الملف السوري.

كما لوحظ أنه في الفترات التي شهدت توتراً في العلاقات مع دول مثل روسيا وإيران، كانت تركيا أكثر اعتماداً على حلفائها في الناتو. وفي مثل هذه المواقف كان الخروج عن ثوابت الناتو ومعاييره أمراً صعباً بالنسبة إلى تركيا، الأمر الذي حسرها بين ضغوط الجانبين.

لذا كان من الضروري تأسيس علاقات بناءة مع روسيا وإيران حتى ولو تسبب ذلك في التعرض لانتقادات من طرف الولايات المتحدة والناتو. ورُغم الخلافات مع روسيا وإيران في عدة قضايا، فإن تركيا سعت لمواصلة علاقاتها في صورة متزنة مع الدولتين.

على صعيد آخر، اكتسبت العلاقات التركية-القطرية زخماً وصار التحالف بينهما أكثر عمقاً. فقد أُجبرت تركيا على الاختيار بين تحالف محور الإمارت المدعوم من إسرائيل والولايات المتحدة وبين تحالف محور إيران.

بينما قرر كل من تركيا وقطر أن يكونا لاعبين مستقلين يشقان طريقهما بأنفسهما، بعيداً عن هذين القطبين. وكان هذا القرار سبباً في تقارب الدولتين إلى بعضهما.

فيما سعى تحالف محور الإمارات والسعودية لتوسيع رقعة حلفائه عبر الانقلابات العسكرية والتدخلات الخارجية، وتسبب هذا المحور في نشر الفوضى في دول عديدة بالمنطقة، في مقدمتها ليبيا واليمن ولبنان والعراق والسودان.

بينما كانت إسرائيل هي الوحيدة المستفيدة من هذه الفوضى. وقد تبنت تركيا في هذه الفترة موقفاً رائداً وصريحاً ضد السياسات الإسرائيلية لاحتلال مزيد من الأراضي الفلسطينية. وقد حظي الموقف التركي من القضية الفلسطينية بتقدير المجتمع الدولي.

مواجهة الإرهاب والانتقال من الدفاع إلى الهجوم

حققت تركيا نجاحاً تاريخياً في كفاحها ضد الإرهاب في فترة ما بعد 15 يوليو/تموز. تنظيمات إرهابية عديدة بينها PKK وPYD وداعش، باتت في هذه الفترة غير قادرة على تنفيذ أية هجمات أو تجنيد عناصر جديدة لها في تركيا.

ولأول مرة منذ 40 عاماً كافحت تركيا خلالها منظمة PKK الإرهابية، صار عدد مسلحيها داخل تركيا من دون الـ500 عنصر.

وتواجه المنظمة الإرهابية فشلاً في تجنيد عناصر جديدة لها. والفضل يعود في ذلك إلى جهود الدولة التركية ومؤسساتها الأمنية لتأسيس حوار وثقة مع سكان المناطق التي يستهدفها الإرهابيون.

وبالتوازي مع النجاح في إضعاف المنظمة الإرهابية على الأرض، حققت تركيا نجاحاً متصاعداً في منع انضمام عناصر جديدة إلى الإرهابيين. ورغم زيادة المساعدات الدولية التي تحصل عليها، فإن وتيرة أنشطة المنظمة الإرهابية داخل تركيا تواصل الانخفاض بصورة ملحوظة.

ومع إزالة الأضرار التي تسببت فيها منظمة كولن الإرهابية في دوائر الأمن والاستخبارات، زادت فاعلية كفاح تركيا ضد الإرهاب بصورة واضحة.

يتضح مما سبق أن تركيا انتقلت من النهج الدفاعي المتواصل منذ سنوات طويلة في كفاحها ضد الإرهاب إلى توجه جديد رادع وأكثر فعالية. وباتت أولوية تركيا في نهجها الجديد هي السيطرة على الأرض قدر الإمكان من طرف الجيش التركي وحلفائه وتقييد قدرة الإرهابيين على التحرك. الأمر الذي فرض أن تكون مواجهة الإرهاب خارج الحدود التركية. وهذه الضرورة دفعت القوات المسلحة التركية وجهاز الاستخبارات إلى زيادة فعالياتهما خارج الحدود، لاسيما في سوريا والعراق.

عند إمعان النظر في التغيرات التي طرأت على سياسة تركيا الخارجية وعقيدتها الدفاعية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز 2016، يمكن القول إن هذا التغير كان بمثابة تجديد تاريخي لصورة تركيا.

فقد أسفرت محاولات سجن تركيا في الثوابت القديمة إلى نتائج عكسية تماما. ودفعت هذه المحاولات تركيا لتكون دولة أكثر قدرة على تلبية احتياجاتها العسكرية، وتدير ملفات سياساتها الخارجية المعقدة في ضوء مصالحها الوطنية، وتتخذ خطوات ريادية وفعالة لحماية أمنها ومصالحها. لا شك أن هذا الوضع يحمل في طياته عدة مخاطر، لكن عند النظر إلى الضبابية التي تسيطر على مستقل السياسة العالمية، يمكن القول إن هذا الوضع الجديد أكثر فائدة بالنسبة لتركيا. وها نحن نرى تركيا حاليا أكثر مقاومة للضغوط والتهديدات مقارنة بما قبل 15 تموز، فيما تبقى أولويتها الحالية هي تعزيز هذه المقاومة بصور تعاون وتحالقات جديدة، إضافة إلى إزالة نقاط الضعف في الاقتصاد والسياسة الداخلية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي