أردوغان (AA)

وهذا يعني بأن مستقبل العلاقات -على المدى القريب على الأقل- لن يكون على المستوى المأمول. ما يدفع إلى القول إنه تصريح مفاجئ يحمل مؤشرات حول خلل بمسار العلاقات، فالتصريح يأتي بعد 3 أشهر فقط من اللقاء الذي جمع أردوغان ونظيره الأمريكي بايدن على هامش قمة زعماء حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل بيونيو/حزيران الماضي.

كان اللقاء "مثمراً وإيجابياً" حسبما صرح الرئيس الأمريكي بايدن، كما أكد أن إدارته ستحقق تقدماً بالعلاقات مع تركيا، وفي المقابل وصف أردوغان المحادثات بأنها كانت "صريحة وموسعة ومثمرة جداً"، وأكد عدم وجود مشكلة بالعلاقات التركية-الأمريكية لا يمكن تجاوزها.

هذا التطور يدفع بالتالي إلى التساؤل عن سبب عدم ارتياح أنقرة إزاء التعامل مع إدارة بايدن، بل وعدم وجود نظرة إيجابية أو متفائلة نحو مستقبل هذه العلاقات.

قبل إجابة هذا السؤال والدخول بتفاصيل الأزمات بين تركيا والولايات المتحدة، وعلى رأسها شراء أنقرة منظومة S-400 بعد رفض الولايات المتحدة بيعها صواريخ باتريوت، إلى جانب الدعم الأمريكي السخي لتنظيمات إرهابية شمال شرقي سوريا، يجب أن نتذكر أن بايدن حتى قبل أن يفوز بالانتخابات الرئاسية أوضح موقفه إزاء تركيا، وتحدث عن خطة لدعم المعارضة التركية للإطاحة بأردوغان.

وعقب فوز بايدن بالرئاسة صدرت تصريحات من مسؤولين بإدارته تفيد بأن العلاقات مع أنقرة ستقتصر على القنوات الدبلوماسية ولن تتمتع بالزخم الذي كانت عليه في عهد ترمب، في إشارة إلى الاتصالات الهاتفية التي كانت تجري بصورة متواترة بين أردوغان وترمب.

وإذا أضفنا إلى ذلك موقف بايدن المفاجئ من قضية ما يعرف بـ"مزاعم الأرمن" حول حصول إبادة أواخر عهد الدولة العثمانية واعترافه بحصول تلك الإبادة، ربما تكون الصورة واضحة حول مدى اهتمام إدارة بايدن بالتعامل مع أنقرة باعتبارها حليفاً تاريخياً مهماً.

احتمالان للدوافع والأسباب

بالعودة إلى تصريحات أردوغان الأخيرة أمام الصحفيين في "البيت التركي" الجديد بنيويورك في ختام زيارته للمشاركة باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نجد عنصر المفاجأة بهذه التصريحات يبرز بسبب كونها جاءت بعد 3 أشهر فقط من لقاء "مثمر وإيجابي" مع بايدن، وهذا يوحي بأن تطوراً سلبيّاً حدث بالآونة الأخيرة دفع الرئيس التركي إلى التصريح بذلك.

ونستعرض هنا أهم الاحتمالات المعقولة:

1- من المعلوم أن بين الجانبين التركي والأمريكي محادثات فنية لمعالجة قضية طائرات F-35 بدأت بعهد ترمب، ومن المحتمل أن تكون هذه المحادثات وصلت إلى طريق مسدود لا يوحي بوجود أي حل أو نية أمريكية لإعادة النظر في قرار استبعادها تركيا من برنامج تلك الطائرات بشكل رسمي في أبريل/نيسان الماضي.

بالنسبة إلى أنقرة كانت حتى اللحظة الأخيرة تعول على المحادثات المباشرة مع واشنطن لتبديد مخاوف الأخيرة حيال صواريخ S-400 الروسية، وكانت أنقرة تقول إنها اضطرت إلى شراء الصواريخ الروسية بعد أن رفضت إدارة أوباما بيعها صواريخ باتريوت الأمريكية، بل إن ترمب نفسه وجد وجهة نظر تركيا محقة، وحمّل إدارة أوباما المسؤولية، وقال: "لا ألوم تركيا على شراء صواريخ S-400 الروسية".

ومن الواضح أن المحادثات بين البلدين بعهد ترمب كانت تتسم بشيء من المرونة والإيجابية، على عكس ما تحولت إليه في عهد بايدن، إذ سارع الأخير إلى التصديق على قرار استبعاد تركيا من برنامج طائرات F-35، على الرغم من أن تركيا كانت من بين الدول المصنّعة للطائرة، ودفعت مئات الملايين من الدولارات في سبيل ذلك.

وما يزيد قوة هذا الاحتمال أن أردوغان بعد تصريحه المستاء من إدارة بايدن لفت إلى امتناع واشنطن عن تسليم تركيا مقاتلات F-35 وأن تركيا ستفعل ما يلزم استناداً إلى القانون الدولي. ما يعني أن تركيا ربما تأكدت من أن محادثاتها مع واشنطن لن تحقق أي تقدم ملموس.

ويبدو أن إدارة بايدن مصرّة على عدم تسليم هذه الطائرات لتركيا، وتركيا مصرّة على موقفها من صواريخ S-400 الروسية، ولا يمكن أن تعود خطوة نحو الوراء على الإطلاق.

2- ما قبل وخلال زيارة أردوغان إلى نيويورك، كان باللقاءات بين الأطراف التركية والأمريكية زخم، فنائب وزير الخارجية التركي سادات أونال التقى نظيرته الأمريكية ويندي شيرمان يوم 17 سبتمبر/أيلول الجاري، كما التقى المتحدث الرئاسي التركي إبراهيم قالن مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان في واشنطن الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول، أما تصريحات أردوغان الأخيرة فقد جاءت عقب تلك اللقاءات.

من المرجح أن هذه اللقاءات لم تسفر عن نتائج إيجابية كما توقعت أنقرة، إذ بحثت اللقاءات ملفات عدة على رأسها سوريا وليبيا وأفغانستان وشرق المتوسط.

ولعل من أبرز ما اعتبرته تركيا "خيبة أمل" من إدارة بايدن مواصلة دعم التنظيمات الإرهابية شمال شرقي سوريا، إذ أوضح أردوغان أن "بايدن بدأ نقل الأسلحة والذخائر والمعدات إلى المنظمات الإرهابية في سوريا، لكن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تشاهد ذلك".

صرح الرئيس التركي رجب طيب #أردوغان للصحفيين من "البيت التركي" بنيويورك الخميس بأن بايدن بدأ نقل الأسلحة والذخائر...

Posted by ‎عربي TRT‎ on Friday, September 24, 2021

ولا شك أن هذه المسألة لا تقل أهمية عن مسألة طائرات F-35، بل ربما تعتبر الأهم لأنقرة إذ تشكل قضية أمن قومي وتهديداً مباشراً للحدود التركية مع سوريا.

ومن المفارقة أن الولايات المتحدة بينما تعتبر شراء تركيا صواريخ S-400 الروسية مسألة أمن قومي وتهديداً لواشنطن ونظام مقاتلاتها F-35، وتفرض عقوبات على أنقرة بلا اقتناع بالوعود التركية بأن الصواريخ الروسية لن تشكل تهديداً على المقاتلات الأمريكية، فإنها تتدخل مباشرة بمسألة تعتبرها تركيا قضية أمن قومي وتهديداً لها، وترفض الوعود الأمريكية بأن دعم تلك التنظيمات تحت السيطرة ولن يشكل تهديداً على تركيا.

بالطبع، إضافة إلى ما سبق يشار إلى أن الرئيسين أردوغان وبايدن لم يعقدا لقاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، على الرغم من توقعات لذلك اللقاء، عكس ما جرى بقمة الناتو حيث التقى الزعيمان وأجريا محادثات موسعة وُصفت بأنها مثمرة.

كما يعول الرئيس التركي أردوغان بشكل كبير على علاقاته الشخصية مع الزعماء عبر الاتصالات واللقاءات المباشرة التي في الغالب تسفر عن تقدم إيجابي على الفور، كاتصالاته مع ترمب وماكرون وميركل، كما هو الأمر مع الرئيس الروسي بوتين على الرغم من اختلاف وجهات النظر كليّاً بين تركيا وروسيا بجميع الملفات تقريباً.

التحدي الصعب

ما يمكن قوله هو أن تصريحات أردوغان وإن كانت تحمل نوعاً من عدم التفاؤل إزاء مستقبل العلاقات مع حليف مهم كالولايات المتحدة يمكن أن تكون تلويحاً لإدارة بايدن بضرورة إعادة النظر بعلاقاتها مع حليف مهم في المنطقة كتركيا.

لا سيما أن أردوغان ذكر بتصريحاته الأخيرة أنه يأمل "أن تسود الصداقة علاقات تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من البداية غير الجيدة مع إدارة الرئيس جو بايدن"، ولذلك فلا يمكن القطع بأن العلاقات وصلت إلى طريق مسدود بشكل تام.

وتبقى تركيا الآن أمام تحدٍّ صعب يكمن في الموازنة بين ضرورة الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة من جهة، وضرورة الحفاظ على مصالحها الأمنية والقومية التي لا تتسق مع مزاج الولايات المتحدة من جهة أخرى.


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً