عاد التوتر في شمال غرب إفريقيا على خلفية أزمة مَعبر الكراكرات على الحدود الموريتانية، وهو المَعبر الذي سبق لعناصر تابعة لجبهة البوليساريو أن عطّلت فيه حركة المواصلات، وحرية التنقل، وتدخلت القوات المغربية لتفريق وحدات البوليساريو.

يعتبر الحادث تحولاً لأنه يكشف فشل الأمم المتحدة في إيجاد حل لقضية الصحراء المعروضة على الأمم المتحدة في إطار ما يسمى بمخطط التسوية الذي وضعته في سبتمبر/أيلول 1991 مع وقف إطلاق النار.

خطورة الحادث أنه أنهى وقف إطلاق النار، ممَّا يتهدد المنطقة بالتوتر والصدام، وقد ظهر التوتر جلياً بين المغرب والجزائر، جراء أزمة الكركرات، في تراشق بيانات وموجات إعلام. اعتبر بلاغ من الجيش الشعبي الجزائري أن الأمن القومي لا يقتصر على مناطق الحدود، ووقع انتشار القوات المغربية في حدود الشريط العازل، وقامت الجزائر بمناورات عسكرية بالذخيرة الحية. 

عادت لغة القوة والبيانات والحرب الإعلامية بين البلدين اللذين يجمعهما أكثر ممَّا يفرقهما. في هذا الجو المشحون أقدم ثلة من المثقفين من البلدين، الجزائر والمغرب، على توجيه نداء للتحذير من ركوب المغامرة في سياق دولي مشحون يطبعه صدام الحضارات وشبح عودة الحرب الباردة، وتصدع العالم العربي، وذكّروا بالوشائج التاريخية العميقة بين البلدين، وانصهار الشعبين في معارك التحرير، وميراث الأجداد، وتطلعات الأحفاد، والخطورة المحتملة لأي تصعيد على أمن حوض البحر الأبيض المتوسط، والانعكاسات السلبية على العالم العربي والعالم الإسلامي. وبذات المناسبة دعا أصحاب النداء إلى الحوار أياً كان مسلكه، إما رسمياً وإما من خلال أطراف أخرى في إطار مساعٍ حميدة ضمن قنوات متوازية، من أجل الحفاظ على المشترك، وعدم شتيمة المستقبل. 

ينبغي أن يُسجّل أن التوتر بين البلدين لم يذهب منذ اندلاع قضية الصحراء سنة 1975 إلى المواجهة، وغلبت الحكمة بين البلدين، رغم محطات من التوتر الشديد، ممَّا دعا إلى تدخل أطراف عربية ودولية لإطفاء الفتيل أو الحد من التوتر، ولم يغامر أي طرف في شتيمة المستقبل. 

لكن العلاقات الرسمية بين البلدين ظلت متوترة، رغم الوشائج العميقة بين الشعبين اللذين يشكلان في حقيقة الأمر شعباً واحداً. بقيت القاعدة في العلاقات بين البلدين هي التوتر مع انفراجات عابرة. كانت التوترات مستترة قبل اندلاع قضية الصحراء، وأضحت مكشوفة بعد 1975، مع اندلاعها. اعتبرت الرباط أن إنهاء الاستعمار الإسباني لإقليمي الساقة الحمراء ووادي الذهب، ممَّا كان يعرف حينها بالصحراء الإسبانية، هو عملية استكمال الوحدة الترابية، كما جرى في أقاليم أخرى كانت مستعمرة من قِبل إسبانيا في شمال المغرب، وإقليم طرفاية وسيدي إفني. أما الجزائر فقد دعت إلى حق "الشعب الصحراوي في تحقيق مصيره". ساءت العلاقات بين البلدين، وقطعت العلاقات الدبلوماسية، ودعمت الجزائر جبهة البوليساريو عسكرياً ودبلوماسياً، واحتضنت عناصرها في أراضيها. 

كان الانفراج الذي عرفته العلاقات الثنائية بين البلدين بعد استرجاع العلاقات الدبلوماسية سنة 1988 مؤشراً إلى عودة الدفء، وتحريك قطار الوحدة المغاربية الذي طالما راود شعوب المنطقة في غمرة النضال ضد الاستعمار، وفعلاً عرفت العلاقات بداية دفء أفضى إلى إقامة نواة الاتحاد المغاربي في مراكش سنة 1989، ولكن الاتحاد لم يصمد بالنظر إلى ضعف منسوب الثقة بين البلدين، فضلاً عن تحولات دولية منها أزمة الخليج سنة 1990 وتداعياتها، وقضية لوكربي التي شلت ليبيا، والوضع الداخلي في الجزائر في بداية التسعينيات، وانتهى الأمر إلى اتخاذ الرباط قراراً منافياً لمنطوق وروح معاهدة مراكش المنشئة للاتحاد، وهو فرض التأشيرة على الرعايا الجزائريين في صيف 1994، وردت الجزائر بالمثل مع إغلاق الحدود البرية، ومنذ ذلك التاريخ دخل الاتحاد المغاربي مرحلة الموت السريري. 

ما يُسجل للبلدين رغم التوتر هو الحفاظ على الحد الأدنى من قواعد اللياقة، ورغم أن هذه القواعد لا تحل المشكل بين البلدين، فإنها على الأقل تبقي التوتر تحت السيطرة، لكن لا بد من مقاربة جديدة، أو ما دعا له الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي من ضرورة تغيير المقاربة أو البراديغم، لتذليل الصعاب بين البلدين وبناء الثقة بين النظامين، من أجل تجسيد أمل الوحدة المغاربية الذي اقترن في وجدان الشعوب المغاربية مع المعركة من أجل نيل الاستقلال. 

لا يمكن الزعم بإيجاد حل للقضية بين عشية وضحاها، ولكن سبل الحوار لم تُستنفد، وعوض أن تكون القضية عامل فصل، يمكنها أن تصبح بالذكاء والحكمة عنصر وصل لشعوب المنطقة كلها كما يقول الحزب الاشتراكي الموحد المغربي، الذي سبق أن قاد محاولة لإجراء حوار غير رسمي مع فعاليات في الجزائر. 

إن إرساء علاقات طبيعية ما بين المغرب والجزائر ليس مكسباً للبلدين فقط بل عامل من عوامل الاستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط وقطب جذب في إفريقيا، ومصدر قوة وإشعاع للحضارة الإسلامية، فالبلدان ورثا صفحة مشرقة من تاريخ البشرية تلك التي بزغت في الأندلس، ومنها انطلقت جذوة النهضة إلى أوروبا مع صقلية وقاعدتها الخلفية تونس.

لقد أقدم ثلة من المثقفين على تحمل مسؤولياتهم من أجل التذكير بالمشترك، والتحذير من مغبات التهور، وعلى الدول التي لها مصلحة في الوئام بين البلدين أن تضطلع بدورها، لأنه بقدر وجود أطراف تشترك مع البلدين أواصر التاريخ والمصير المشترك، من مصلحتها أن يسود الوئام بين البلدين، هناك أطراف أخرى ليس من مصلحتها أن يعم الوئام بينهما، وغذت الفرقة بينهما وتغذيها. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.       

TRT عربي