صورة لشعار 'غازبروم جرمانيا' في مقر الشركة في برلين، ألمانيا / صورة: AP (AP)
تابعنا

ظهر مقطع فيديو مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي لرجلين من الشرطة في برلين يعتقلان بوحشية لاجئاً سوريّاً في منزله، أمام طفليه الصغيرين، لعدم دفع غرامة قدرها 750 يورو (475 دولاراً). عندما احتجّت زوجة الرجل على الطبيعة العدوانية للاعتقال، التفت إليها ضابط شرطة وقال: "هذه أرضي، أنت ضيف هنا".

بعد فترة وجيزة من انتشار الفيديو، قفز حزب البديل اليميني المتطرف من أجل ألمانيا (AfD) بإعلان على صفحة كاملة في جريدة بعنوان "نحن نقف معكم" لدعم ضابط الشرطة الذي تسبب في الاعتداء.

بالنسبة إلى ألمانيا، كان هذا بمثابة نقطة تحوُّل: في الأسابيع التي تلَت ذلك، شهدت البلاد زيادة ملحوظة في احتجاجات اليمين المتطرف في المدن الكبرى، أعقبها من كثب أعمال عنف وإحراق مثيرة للشبهة في منزل بعض اللاجئين الأوكرانيين.

كانت الاحتجاجات الجماهيرية من حزب "البديل من أجل ألمانيا" النازي الجديد اليميني المتطرف سائدة بخاصة في برلين، حيث شجب المتظاهرون كلّاً من نقص الطاقة في البلاد وتضخُّم تكلفة المعيشة، إذ أصبح شعارهم الجديد "عندما لا يجد الألمان ما يكفي، فلماذا نعطي الغرباء؟".

لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن أبرز مؤسسة استطلاع للرأي في ألمانيا أفادت مؤخراً بارتفاع حادّ في شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا" في استطلاعات الرأي السياسي في جميع أنحاء البلاد.

رفض الأوامر

يتفق المحللون على أن الحافز الأكبر لتغيير معنويات الناخب الألماني هو التدهور الاقتصادي التدريجي للبلاد، الذي لم تظهر نهايته بعد.

"نعم، إنه أمر مقلق؛ غالباً ما يرى المرء هذه الأنواع من الأحزاب تميل إلى الأداء الجيد في أوقات الأزمات. لقد رأينا ذلك في أزمة اللاجئين السوريين، وفي أزمة جائحة كورونا، وهو يحدث مرة أخرى الآن ونحن نمرّ بأزمة اقتصادية وأزمة طاقة"، كما يقول المحلل السياسي الأستاذ حاجو فونك.

يواجه الاقتصاد الألماني حالة من الركود، إذ يتجه إجمالي الناتج المحلّي نحو الانخفاض في عام 2023، فقد تضررت صادرات ألمانيا بشدة، مع انخفاض الطلبات من المشترين الدوليين. تَقلَّص فائض الحساب الجاري للبلاد بحدّة إلى 0.6 مليار يورو (ما يقرب من 600 مليون دولار) في أغسطس/آب 2022، من 17 مليار يورو (ما يقرب من 17 مليار دولار) في نفس الشهر من العام الماضي.

تعني أزمة الطاقة المستمرة ارتفاع تكاليف التدفئة إلى أكثر من الضعفين لكثيرين في جميع أنحاء البلاد، مما دفع آلاف الشركات إلى الإغلاق.

أفلست Thilmann Brot GmbH، إحدى أكبر سلاسل المخابز في ألمانيا، وأغلقت أيضاً Hakle، وهي أكبر شركة لتصنيع ورق الحمّامات في البلاد، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

بينما تستعد ألمانيا للركود القادم، يُخشَى أن تزيد تخفيضاتُ الإنفاق العامّ التي تؤثّر في مدفوعات الرعاية الاجتماعية، الحركات اليمينية المتطرفة.

يقول فونك: "مع الحرب الروسية-الأوكرانية، لدينا الآن 1.2 مليون لاجئ أوكراني في ألمانيا يواجهون أيضاً نوعاً من المشكلات التي يواجهها اللاجئون السوريون، بخاصة في شرق البلاد".

المشكلة في الشرق

في شرق ألمانيا ولايات كانت في السابق جزءاً من ألمانيا الشرقية المتحالفة مع الاتحاد السوفييتي سابقاً، إذ لا تزال المشاعر المؤيّدة لروسيا مزدهرة. منذ بداية الحرب في أوكرانيا، تَحوَّل الآن ما كان في البداية تمتماتٍ معارِضة للعقوبات ضدّ روسيا إلى احتجاج حادّ.

ظلّ عديد من هذه الولايات محروماً اقتصادياً منذ إعادة توحيد ألمانيا، مع وجود فرص عمل أقلّ ومعدَّلات أعلى للجريمة وتعاطي المخدرات.

في ولاية ساكسونيا، في مدينة لايبزيغ الثرية نسبيّاً، اتخذت مظاهرة ضدّ التضخم وأزمة الطاقة منعطفاً قبيحاً عندما التقى المتظاهرون اللاجئين الأوكرانيين وبدؤوا يردّدون شعارات ضدّ العقوبات الروسية وحول عدم الترحيب باللاجئين الأوكرانيين في ألمانيا.

بينما تستضيف الحكومة الألمانية حاليّاً مؤتمراً حول جهود إعادة البناء في أوكرانيا، يوجد تراجع سريع في الدعم للدولة السوفييتية السابقة، على الأقل في بعض أوساط الجمهور الألماني.

في ولاية شرقية أخرى، مكلنبورغ فوربومرن، رصد منظمو استطلاعات الرأي زيادة بنسبة خمسة في المئة في عدد الأشخاص الذين قالوا إنهم سيصوّتون لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا في الانتخابات المقبلة.

في الوقت الذي لا يمكن فيه إقامة ربط مباشر مع حزب البديل من أجل ألمانيا، أُحرِقَ منزل لأحد اللاجئين الأوكرانيين في بلدة فيسمار، مما أثار شكوكاً كبيرة. تشتبه السلطات في أنه كان هجوماً متعمَّداً، وعبّرَت عن قلقها من أن مثل هذه الاعتداءات يمكن أن تتزايد وتيرتها، مما يؤدي إلى معارضة أوسع للاجئين الأوكرانيين ويزيد تبديد الموافقة العامة على الدعم المالي والعسكري الألماني لأوكرانيا.

"نحن نعلم أن فيسمار نقطة ساخنة للنازيين الجدد؛ كان الأمر كذلك منذ فترة. كان هذا بالتأكيد هجوماً عنصرياً على اللاجئين الأوكرانيين، والخوف هو أنه سيزداد. لقد أثارت الأزمة الاقتصادية هذه المشاعر بلا شك"، يقول فونك.

في مقابلة عام 2017، حذّر نجل جنرال نازي سابق من أن الآيديولوجيا المقترنة بالحرمان الاقتصادي يمكن أن تقود ألمانيا نحو العودة إلى الاستبداد.

قال نيكلاس فرانك، نجل الحاكم العامّ السابق لبولندا التي كانت تحت الاحتلال النازي، في مقابلة مع "بي بي سي": "لا تثقوا بنا أيها الألمان".

وحذر نيكلاس، الذي أعرب علانية عن اشمئزازه من الجرائم التي ارتكبها والده خلال النظام النازي، من أنه "ما دام اقتصادنا عظيماً، وما دمنا نجني المال، فإن كل شيء يكون ديمقراطياً للغاية".

لكنه أضاف أن الركود الاقتصادي المستمرّ يمكن أن يدفع ألمانيا إلى التخلّي عن جميع القيم الديمقراطية، ويعيدها إلى أحضان الاستبداد.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي