يواجه الرئيس ماكرون مخاطر فعلية مع ارتفاع حدة الإضرابات العمالية جرَّاء نقص الوقود وارتفاع الأسعار. / صورة: AFP (AFP)
تابعنا

تستمرّ أوروبا في مواجهة أزمة طاقة حادة جدّاً بسبب التوترات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا جراء الحرب المستمرة في أوكرانيا. لقد خلقت نماذج مختلفة لأزمة طاقة متنامية، ليس فقط للقارة ولكن أيضاً لكل دولة من دول الاتحاد الأوروبي، مما يؤثر في كل منها بدرجات متفاوتة.

الحقيقة أن هذا الأمر يؤثّر في البلدان بشكل مختلف يدفع البعض إلى تغيير موقفه ونهجه في محاولة لتلبية احتياجاته المحلية. وتشعر فرنسا، وهي دولة معرَّضة تاريخياً للتعبئة الجماهيرية الاجتماعية، بالضغط المحلي، وبالتالي يتزايد عزوفها عن الموقف العامّ لقيادة الاتحاد الأوروبي.

بينما اتخذت الحكومة الفرنسية إجراءات واسعة لحماية المواطنين من التضخم، بما في ذلك وضع حدّ لتكاليف الكهرباء لهذا العام، يزداد إحباط الناس ويعبرون غضبهم إلى إضرابات عامة.

الدوافع الجيوسياسية

كان الصراع في أوكرانيا فرصة للاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات شديدة على روسيا. وبينما أُشيدَ بهذه الخطوة على نطاق واسع، فإن الطريقة التي ردّت بها موسكو لم تكن متوقعة بالضرورة. من خلال الحدّ بشكل كبير من إمدادات الطاقة إلى القارة الأوروبية، التي تُوزَّع عبر خطي أنابيب نورد ستريم 1 و2 إلى ألمانيا ثم إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، يشعر الاتحاد الأوروبي الآن بوطأة هذا القرار.

خلال الصيف، لم تقيّد روسيا الواردات إلى الاتحاد الأوروبي فحسب، بل حدّت الكتلة المكونة من 27 دولة أيضاً من قدرة موسكو على التصدير؛ بينما كان خط أنابيب نورد ستريم 1 يعمل في ذلك الوقت، فمن الضروري أيضاً ملاحظة أن ألمانيا أخّرَت ورفضت تصريح التشغيل لخط أنابيب نورد ستريم 2. ردّاً على ذلك، خُفّضَت الإمدادات في يونيو/حزيران من 170 متراً مكعباً إلى 40 متراً مكعباً.

بعد ذلك قطعت روسيا إمدادات الغاز عن القارة في يوليو/تموز لمدة عشرة أيام بسبب احتياجات الصيانة. وعندما أعيد فتحه، انخفض العرض مرة أخرى بمقدار النصف بـ20 متراً مكعباً في اليوم. في أواخر أغسطس/آب، أُغلقَ خطّ الأنابيب تماماً بسبب مشكلات تشغيلية.

على الرغم من أن كلّاً من نورد ستريم 1 و2 غير متصل بالإنترنت، فقد تَعرَّضا في أواخر سبتمبر/أيلول لهجوم من مجهولين. ويُشتبه في وضْع عبوات ناسفة على خطوط الأنابيب وتفجيرها، مما ألحق أضراراً جسيمة ببنيته التحتية. كانت الأنابيب مملوءة أيضاً بالغاز، وتسببت أيضاً في تلويث البيئة. بينما أُجريَت تحقيقات وطنية منفصلة، لم يُفرَج عن أي بيانات رسمية، ومن المحتمل حجبها بسبب المخاوف الجيوسياسية. وقد أدّى ذلك إلى زيادة ملحوظة في التوتر السياسي، إذ أدى في جوهره إلى قطع مصدر الغاز الرئيسي للقارة الأوروبية.

على هذا النحو تقطعت السبل بالقارة الأوروبية وباتت تعتمد على الواردات باهظة الثمن وتسعى جاهدة لاستخراج واستخدام أي موارد محلية قليلة لديها. علاوة على ذلك، ولأن كل دولة تتعامل مع قضايا الطاقة الخاصة بها محلياً، فإن الصدع في الاتحاد الأوروبي يتسع بسبب المصالح المتنافسة والمتضاربة في بعض الأحيان. تشير تقارير متعددة إلى التوترات المتزايدة بين فرنسا وألمانيا، على سبيل المثال. لذلك أُجّل الاجتماع المقرَّر بين البلدين هذا الأسبوع حتى يناير/كانون الثاني القادم.

تزداد فرنسا إصراراً على فرض رؤيتها على الاتحاد الأوروبي، وتنتقد القيادة الألمانية لإعطاء مصالح الولايات المتحدة الأولوية. هذا الصدع بحدّ ذاته يشكّل تهديداً تجاه حل هذه الأزمة، فاحتمال التوصل إلى حلّ جماعي للاتحاد الأوروبي يبدو محدوداً الآن.

في فرنسا هذا الشهر، بالإضافة إلى كل المثيرات الدولية لأزمة الطاقة، يكافح قطاع الطاقة المحلي عبر عديد من الصعوبات ويواجه عوائق عديدة في جهوده لتعويض الإمدادات الروسية وما نجم عن ذلك من ارتفاع عامّ في الأسعار. بينما كانت الحكومة تحاول، من خلال تدابير متعددة، حماية مواطنيها من أزمة الطاقة المتضخمة التي أثارها المشهد الدولي، لم تكن هذه الإجراءات كافية لإرضاء شريحة كبيرة من السكان.

الإضرابات والاحتجاجات

استجابةً للتضخمُّ، فضلاً عن الزيادة الكبيرة في هامش الربح التي تشهدها شركات مثل عمالقة النفط توتال وإكسون، دعا العمال الفرنسيون في مصافي النفط إلى إضراب عام للمطالبة بزيادة الأجور 10 بالمئة، بالإضافة إلى حصة من الأرباح على شكل مكافأة.

امتدت الإضرابات إلى قطاعات أخرى، إذ حذا حذوَها المعلمون والعاملون في قطاع الحصة وموظفو النقل العامّ. وقد تسبب ذلك في اضطرابات بجميع أنحاء البلاد خلال الشهر الماضي، بدءاً من النقص الكبير في إمدادات الوقود التي تسببت في طوابير لا نهاية لها (من النوع الذي لم أرَه في محطات الوقود اللبنانية خلال واحدة من أكبر فترات الركود في التاريخ)، إلى المدارس التي لم تعُد قادرة على تدفئة الفصول الدراسية.

ليس هذا وحسب، بل إن المزارعين حذّروا من انهيار سلسلة الإمداد الغذائي بسبب الزيادة الهائلة في التكاليف التي يتكبدونها بسبب النقل. هذا يؤثر خصوصاً على المزارع الصغيرة التي لا تستطيع المطالبة بالمساعدة الحكومية.

على الرغم من الجهود المبذولة لتوطين إمدادات الطاقة، فإن 26 مفاعلاً نوويّاً فرنسياً فقط من أصل 56 مفاعلاً متصلاً بالإنترنت قابِل للعمل نتيجة تآكل الأنابيب وسوء الصيانة على مرّ السنين. كما انضمّ عمال المفاعلات إلى الإضرابات الوطنية، ممَّا أخّر إيجاد مصادر طاقة بديلة.

تراكم هذه الإضرابات الصناعية ينذر بانهيار محتمَل متعدد القطاعات. في الحالة الفرنسية، هذا التهديد ذو شقين بسبب الضغط السياسي المحلي المتزايد والعمل الاجتماعي اللاحق الذي يترتب على ذلك. لا تزال الحكومة بطيئة في التحرك على الرغم من الاضطرابات الوطنية المتزايدة.

وقد رافقت الإضرابات احتجاجات شعبية، خرج فيها الناس إلى الشوارع بأعداد كبيرة لمطالبة الحكومة ببذل مزيد من الجهد لمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة. يقول أحد المتظاهرين: "نحن نقاتل من أجل رواتب لائقة، وعلى الحكومة رفع رواتبنا ومواصلة دعم أوكرانيا". على الرغم من ذلك، من الواضح باطّراد عدم إمكانية استدامة الاثنين تماماً معاً، والاستمرار على الوضع الراهن يُعتبر تصرُّفاً غير مسؤول بنظر السكان المحليين.

"ترشيد الطاقة"

تدفع هذه المشكلات البلديات المحلية إلى اتخاذ تدابير لخفض التكاليف، بما في ذلك إطفاء أضواء الشوارع في الساعة 11 مساءً في بعض القرى والبلدات. وتشمل التدابير الأخرى خفض التدفئة في المدارس وأحواض السباحة العامة، ومعظمها بمبادرة محلية منها بسبب عدم وجود بدائل.

في هذه الأثناء، على المستوى الوطني، كانت الحكومة الفرنسية -بما في ذلك الرئيس ورئيس الوزراء ووزير المالية- تروّج ما يسمّونه "ترشيد الطاقة". وشمل ذلك الإعلان أن تدفئة مكاتبهم ستكون محدودة ووقف استخدام المجففات لغسل الملابس.

صُوّروا وهم يرتدون ملابس دافئة مثل القفازات والقمصان ذات الياقة العالية والمعاطف الواقية من المطر في الاجتماعات أيضاً. من حيث الجوهر، فإنهم يحاولون حثّ السكان على التحمُّل الشخصي لأساليب توفير الطاقة. وقد قوبل هذا بانتقادات شديدة وسخرية في كثير من الأحيان من الجمهور، ووصفه كثيرون بأنه "أبوي"، ويُعَدّ إجمالاً بعيد المنال.

افتراض أن الأسر يجب أن تتحمل عبء القرار الجيوسياسي مثل معاقبة المورد الرئيسي للطاقة في القارة غير واقعي، وقد ثبت أنه يمثّل مشكلة.

حتى الآن، لم تؤدِّ المفاوضات مع النقابات العمالية إلا إلى الفشل، وتكتسب الإضرابات زخماً شعبيّاً، إذ بدأت الصناعات الأخرى تشعر بضغوط تكاليف الطاقة.

تذهب مدفوعات الحكومات في أوروبا في طريقين متزامنين، أحدهما تمويل الاحتياجات الدفاعية والإنسانية لأوكرانيا، والثاني تعويض المواطنين المحليين عن الخسائر المتكبدة من هذه القرارات. إن الاستمرار في الموازنة بين الطريقين غير ممكن، وهو نهج قد يؤدّي إلى ضرر اقتصادي واجتماعي لا يمكن إصلاحه. يجب اتخاذ قرارات جماعية سريعة ذكية لمنع نزلات البرد الناجمة عن الشتاء التي قد يكون وقعها عنيفاً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي