سد النهضة (Reuters)

راهن النظام في مصر على التفاوض كخيار وحيد، واستهلك عشر سنوات في محاولات عبثية للوصول إلى اتفاق ملزم حول سد النهضة دون نتيجة. لجأ في أثنائها إلى لجان فنية ومفاوضات ثنائية وثلاثية مباشرة على مستويات القمة وعلى مستوى وزارات الخارجية والري وأجهزة الاستخبارات على مدار سنوات، نجحت إثيوبيا في تحييدها واستهلاك الوقت في تفاصيل فنية دون اتفاق ملزم.

روجت الحكومات المصرية المتعاقبة للنجاح الباهر لمخرجات تلك اللجان واجتماعاتها وللوساطة الأمريكية والإفريقية ولم تصل إلى شيء. ثم عادت إلى المسار الثلاثي المتعثر، والذي لا تعد فيه إثيوبيا حالياً بأكثر من اتفاق جزئي لملء سد النهضة مع ترك القضايا العالقة، وهو ما قاد لانسحاب السودان من هذه المفاوضات وإعلان مصر تعثرها وفشلها أكثر من مرة.

الفشل يتمثل باتخاذ التفاوض كخيار وحيد.لطالما كررت الرئاسة والخارجية المصرية ووسائل الإعلام والصحافة الرديفة أن التفاوض خيار وحيد لمصر في هذه الأزمة.ويبدو أن الطرف الإثيوبي كان يتصرف بتأكد كبير من هذا التوجه لذلك فقد استغله أيما استغلال، لم يكن آخرها التصريحات للرئاسة المصرية في يوليو/تموز 2020 بعد تهديدات إثيوبية صريحة بتحويل النيل إلى بحيرة إثيوبية.

نص اتفاق إعلان المبادئ الذي وقع بين مصر والسودان وإثيوبيا، في الخرطوم في مارس/آذار عام 2015، على أنه "في حال تعثر المفاوضات يمكن اللجوء إلى الوساطة".

وقد استضافت العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 مفاوضات بوساطة من البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، بين دول حوض النيل الثلاث، وعلى مدار أكثر من عام من تلك الوساطة، لم تتقدم المفاوضات إلى الأمام خطوة واحدة حول النقاط العالقة المتمثلة في إجراءات الملء والتشغيل وإدارة الجفاف والاتفاق الملزم الذي تتحدث عنه مصر وترفضه إثيوبيا.

تخاذل الحلفاء والوسطاء

بينما شكل الحلفاء الخليجيون الاستراتيجيون لنظام ما بعد الثالث من يوليو/تموز 2013 في مصر، وعلى رأسهم الإمارات والسعودية، طوق نجاة شديد الأهمية تجاه أمواج احتجاجية هائلة وأوضاع اقتصادية سيئة في الداخل وتوتر علاقات كبير مع الاتحاد الإفريقي وبعض المؤسسات والشركاء الدوليين، فإن هؤلاء الشركاء بدوا في موقف الحياد من أزمة سد النهضة بينما يمتلكون أوراق ضغط كبيرة على الطرف الإثيوبي متمثلة في استثماراتهم الكبيرة هناك، وعلاقاتهم الوطيدة بالنظام الإثيوبي، لكن من يبحث خلف هذه الاستثمارات الضخمة يجد أن أغلبها في قطاع الزراعة، وبالتالي فإن هؤلاء مستفيدون رئيسيون من أية مشروعات مائية وزراعية تقوم بها الحكومة الإثيوبية، وتحاول الإمارات لعب الوسيط لمصلحة إثيوبيا لإنقاذ استمرارية المسار التفاوضي.

عولت الرؤية المصرية على إدارة الرئيس ترمب للضغط على إثيوبيا للتوصل إلى اتفاق قبل انتهاء ولايته الأولى، وعلى الرغم من الجولات المكوكية لوزارتي الخارجية والخزانة الأمريكية، والتصريحات الأمريكية المساندة لإنهاء هذه المسألة، فإنها لم تستطع فرض أية اتفاقات وتملصت إثيوبيا وانسحبت من اتفاق واشنطن الذي كان مزمعاً توقيعه في فبراير/شباط 2020، دون أية عقوبات أو ضغوط أمريكية حقيقية لإجبارها على العودة إلى مسار التفاوض.

وابتكرت إثيوبيا فكرة التفاوض حول اتفاق جزئي للملء الأول للسد، وهو أمر رفضته مصر والسودان لخطورته الشديدة على التنسيق بينهما، وعلى حصصهما المائية والسدود وإدارة فترات الجفاف فيهما.

وبينما عولت مصر كثيراً على المسار الدولي سواء في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديداً، واحتفى المصريون كثيراً بكلمة الوزير سامح شكري في مجلس الأمن عشية عرض القضية عليه في 29 يونيو/حزيران 2020، فإن المجلس اكتفى بإحالة القضية إلى الاتحاد الإفريقي الذي كانت إثيوبيا تسعى من البداية لحصر القضية في إطاره، والذي لم يقدم أو يؤخر كثيراً عمَّا توصل إليه المسار التفاوضي الثلاثي المتعثر، وبقيت القضايا الخلافية مؤجلة وأصبحت الاجتماعات في إطار الاتحاد تناقش الاستمرار في التفاوض أكثر ممَّا تناقش موضوعاته.

أية إمكانية للتغيير في الوقت الضائع؟

مؤخراً وبعد عشر سنوات من التفاوض الهزلي بدأ النظام المصري يلوح عبر أذرعه الإعلامية بأن هناك خيارات أخرى غير التفاوض، ففي يناير/كانون الثاني الماضي طرح الأستاذ عماد الدين حسين، الكاتب المقرب جداً من النظام المصري، والذي عين مؤخراً في مجلس الشيوخ من قبل الرئاسة، في مقال له بعنوان "إثيوبيا تحترم القوة فقط"، بجريدة الشروق المصرية في 16 يناير/كانون الثاني هذه الرؤية، قائلاً: "لا بد من التوقف عن الوقوع فى اللعبة الإثيوبية السخيفة التى نجحت للأسف فى شراء واستهلاك الوقت طوال عشر سنوات كاملة".

ويضيف في نهاية مقاله: "أن التجربة التاريخية مع الحكومات الإثيوبية المختلفة تقول شيئاً واحداً، وهو أنهم لا يحترمون غير القوة الواضحة والسافرة والغاشمة".

ويشير كذلك إلى أن قصف محطات الكهرباء التى ستنقل الكهرباء من السد إلى سائر أنحاء البلاد وتعطيلها وإخراجها عن العمل أمر ليس صعباً، وهي بدائل في حقيقتها غاية في الصعوبة لأن من يمول هذه المحطات وهي رهن له روسيا والصين بشكل أساسي حليفتا النظام المصري الحالي.

هذا موقف يعاكس تماماً لغة الرجل وصحافة الأذرع. فطوال عشر سنوات لم يتهم فيها سوى الثورة وقواها والإخوان والمعارضة بالتسبب في الأزمة وبتعطيل المسار التفاوضي، وبترديد مقولات أقل حدة بكثير من هذا الموقف.

قد يكون هذا تطوراً في الموقف المصري في هذا الملف المعقد والمتعثر بالطبع، لكن الرجل وهو عضو معين في مجلس الشيوخ، لم يشر إلى بدائل واقعية كانت تتضمن أيضاً طرح اتفاق المبادئ الموقع عام 2015 والمسار التفاوضي الحالي برمته على البرلمان وتوجيهه لرفضه وبالتالي التملص منه في وقت مبكر، أو حتى تصدير فائض الطاقة المصري لدول الجوار الإثيوبي المباشر للضغط على إثيوبيا. لكن هذا لم يعد ضمن البدائل التي يطرحها النظام المصري.

في التحليل الأخير فإن إثيوبيا ذهبت بمسار التفاوض كخيار وحيد إلى استنفاد التفاوض في قضايا فنية شديدة التعقيد ثم التخلي عن أية اتفاقات ملزمة بشانها، وفرضت الملء الأول في يوليو/تموز الماضي من دون اتفاق، وتسعى للمضي قدماً في الملء الثاني في يوليو/تموز القادم من دون اتفاق أيضاً، وهو أمر شديد الخطورة في ظل الحرب الدائرة بين أديس أبابا والتيغراي وضعف سلطة الحكومة في منطقة السد، والأزمات الحدودية المتكررة مع السودان وإريتريا.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي