الرئيس ألأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني جونسون  (AFP)

جاءت جائحة كورونا وما خلفتها من أزمات لتحقق نبوءات الخطاب الشعبوي اليمني، الذي بنى سرديته في السنوات الأخيرة على معاداة الانفتاح والعولمة. فالخطاب الشعبوي الذي تفشى بين الأمم بشكل سريع في السنوات الأخيرة حرّض الأمم على التباعد وبناء الجدران العازلة، وهو ما حققته جائحة كورونا، إلى حد ما، والتي دفعت بالحكومات إلى إغلاق بلدانها ليس أمام اللاجئين والمهاجرين فحسب، بل أمام العالم بأسره، لتقف بذلك أمام تحدي الاكتفاء الذاتي. في الوقت الذي تجمدت فيه شبكات العولمة الاقتصادية، وأصبحت منظمات الحوكمة الدولية في موقع اللوم والاتهام.

صعود الخطاب الشعبوي في الغرب في السنوات الأخيرة، والممتد من بولندا وهنغاريا حتى الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل مروراً بفرنسا والنمسا وغيرهما من الدول الأوروبية، اتسم عموماً بالردة عن العولمة ودعاواتها للاندماج الاقتصادي.

فالحملة الانتخابية الشعبوية لترمب، على سبيل المثال، تركزت على سياسات الحماية الاقتصادية، ووعود بناء الجدار مع المكسيك ومنع تدفق المهاجرين. فيما دفعت الموجة الشعبوية ببريطانيا إلى خارج الاتحاد الأوروبي، وكادت أن تدفع بماري لوبان إلى سدة الحكم في فرنسا وهي المعروفة بمواقفها المناهضة من الاتحاد الأوروبي، الموقف ذاته الذي يشاطره إياها اليمين الشعبوي الصاعد في إيطاليا وألمانيا.

وفي مواجهة "كورونا" استغل أصحاب الخطاب الشعبوي موجة الهلع لترويج خطابهم المتطرف المعادي للأجانب ومهاجمة المنظومات الدولية والانفتاح السياسي والاقتصادي. زعيم المعارضة اليمينية في إيطاليا ماتو سلفيني حاول الربط بين انتشار مرض كوفيد-19 وقبول إيطاليا للمهاجرين من شمال أفريقيا، فيما دعت ماري لوبان في فرنسا إلى إحكام السيطرة على الحدود.

أما ترمب فقد قلل من خطورة كورونا بداية، ورفض الإنذارات حول الفيروس من قبل الديمقراطيين واصفاً إياها بالخدعة الجديدة، قبل أن ينتقل لاتهام سياسات الديمقراطيين المتمثلة "بفتح الحدود" بالوقوف وراء انتشار الجائحة، ومن ثم حول أصابع الاتهام إلى الفيروس "الصيني"، وصولاً إلى مهاجمة "منظمة الصحة العالمية" والتي تمثل منظومة التعاون الدولي في زمن الكورونا، في تعبير واضح لتطور الخطاب الشعبوي في مواجهة الأزمة.

وكما كانت الوعود الجوفاء "بالحلول السريعة" و"التفوق الذاتي" أدوات الخطاب في صعود اليمين الشعبوي تحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، واجهت هذه الحكومات فيروس كورونا بداية بالوعود ذاتها من خلال التقليل من خطر الفيروس. لكن دعاوى هذا الخطاب سرعان ما تراجعت أمام عِظم الحدث وجدية التحديات التي يفرضها، دافعاً بالخطاب اليميني إلى التراجع والتسليم لنداء العقل والمنطق. فمع تجاوز الجائحة الصين وانتشارها في أوروبا ومن ثم الولايات المتحدة، اضطر قادة العالم، بما فيهم الشعبويون لتسليم زمام الأمور إلى اللجان العلمية والمتخصصين. فيما خفتت أصوات الشعوبيين داخلياً، ولو لحين.

حملت جائحة كورونا، التي لا تفرق بين عرق أو جنس أو حملة جوازات سفر معينة، نداءً واضحاً بأن هذا التداخل والترابط غير المسبوق في تاريخ البشرية، يتطلب المزيد من التعاون والتنسيق على المستوى الدولي، كما يتطلب تعزيز وتنويع خيارات سلاسل التوريد والحوكمة الدولية وغيرها من مظاهر العولمة السياسية والاقتصادية، أو على الأقل هذا ما يقتضيه التفكير المنطقي. لكن ما قد يحصل قد يكون مخالفاً لذلك تماماً، فلا مناخات الأوبئة تساعد على التفكير المنطقي ولا الفكر الشعبوي يتماشى مع المنطق.

ففي وقت الأوبئة والأزمات يبحث الناس عمن يلقون عليه المسؤولية والاتهام، وغالباً ما يأتي هذا الاتهام لتعزيز افتراضات مسبقة، ففي خضم الطاعون الأسود الذي أنهك أوروبا في القرن الرابع عشر أُلقي اللوم على اليهود ومهاجمة أحيائهم. أما في الأزمة الحالية، ففي الهند مثلاً، تلقف الخطاب الشعبوي المتصاعد في السنوات الأخيرة تحت رعاية حكومة "مودي" أزمة كورونا، ليتهم المسلمين بالعملعلى نشر الفيروس عمداً، هذا في الوقت الذي تصدر فيه هاشتاغ "جهاد كورونا" العنصري وسائل التواصل الاجتماعي الهندية. أما خطاب ترمب حول "الفيروس الصيني"، فقد أدى لإذكاء الخطاب العنصري ومعاداة الأجانب، ليؤدي إلى زيادة أعداد الهجمات على المواطنين الأمريكيين من ذوي الأصول الآسيوية.

إضافةً لذلك فإن ارتدادات الجائحة الاقتصادية، وما قد تخلفه من أزمات على مستوى الأفراد والمجتمعات قد تعطي دفعة من جديد للخطاب السياسي المتطرف الذي ينادي بالردة عن كل ما هو قائم وإحداث تغييرات جذرية في النظام السياسي. فالفشل في مواجهة الأزمة سيضع المنظومات القائمة؛ منظومة الحوكمة الدولية، وأسس النظام الليبرالي، والانفتاح الاقتصادي في موضع الاتهام. فصعود اليمين الشعبوي في السنوات الأخيرة مثّل في جانبٍ منه تمرداً على السياسة النخبوية، وتعبيراً عن رغبة جامحة بالتغيير السياسي يدفعها تزايد الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء منذ أزمة 2008، في ظل عجز الخطاب الليبرالي عن تقديم حلول ملموسة لذوي الطبقة المتوسطة والفقيرة غير الوعود المنمقة باللباقة السياسية (political correctness).

وعليه، كما أن أزمة كورونا قد حققت نبوءات الخطاب الشعبوي في الردة عن الانفتاح والانكفاء الذاتي، يبدو أنها ستوفر الأرضية لإعادة إنتاج الخطاب الشعبوي اليميني من جديد. إعادة إنتاج الخطاب الشعبوي سترتبط بالمدى الذي ستستمر فيه الأزمة وقدرة كل من الحكومات على الاستجابة لمخاوف واحتياجات المواطنين. وكما هو الحال بالنسبة لفيروس كورونا فإن الخطاب الشعبوي سريع الانتشار، تصعب الوقاية منه، ولا بديل لمواجهته عن المناعة المجتمعية، والتي تكون في أضعف حالاتها في وقت الأزمات.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً