لا يزال الكثير من الملفات الحساسة عالقة بين المجلس العسكري الانتقالي من جهة، وقوى الحرية والتغيير من جهة أخرى. وهي الملفات التي تعرقل التوصل إلى تفاهمات حول الخروج من أزمة البلاد الحالية.

آثر الجيش السوداني الانحياز إلى الشارع بعد مظاهرات استمرت لأكثر من أربعة أشهر ضد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وهو بذلك قد توسل ريح ثورة الشباب، وساهم بانقلابه العسكري الأبيض كخطوة استباقية في إبعاد البشير وأعوانه عن المشهد السياسي للبلاد لتجنيبها المواجهة الشاملة ما بين الشعب والنظام، ولذلك فهو يمارس دوره وكأنه الوصي على الثورة الشبابية.

ويتألف المشهد السياسي السوداني الحالي من نظام هزمته ثورة شعبية سلمية، ورأسه حبيس السجن، وقوى سياسية مختلفة وحّد صفها في البداية هدف إسقاط نظام الإنقاذ، وانضوت تحت مظلة جامعة أخذت مسمى "قوى إعلان الحرية والتغيير"، ومجموعة شباب معتصمين أمام القيادة العامة منذ السادس من أبريل/نيسان الماضي، لا تحمل أي توجهات حزبية أو فكرية، ولم تتمكن حتى الآن على الأقل، من تكوين هيئة موحدة تحمل برنامجاً ثورياً، وتتمتع بشرعية تمثيل الثورة حصرياً، بجانب مجلس عسكري انتقالي يبذل جهوده من أجل حمل البلاد إلى بر الأمان وبناء سودان جديد ما بعد البشير، حسب زعمه.

والغريب في الأمر، أنه منذ أن أُسقط البشير من رئاسة البلاد يتحرك المجلس العسكري الانتقالي كأنه الوصي الضامن الوحيد لثورة الشباب السوداني، علاوة على ذلك فإنه يسعى لتشكيل المشهد السياسي حسب أهواء قادتهِ.

وبدأ بالفعل خوض جولات من التفاوض مع جميع القوى السياسية من دون أي مسوغ دستوري، بما فيها الكيانات التي كانت لها صلات بالنظام البائد، ما أغضب الشارع. ولكنه في النهاية وتحت ضغط شعبي اضطر للاعتراف بقوى إعلان الحرية والتغيير كممثل شرعي ووحيد للشارع الثائر. وبدأ معها جولات تفاوضية من دون التوصل إلى حل نهائي لأزمة البلاد، حتى الآن على أقل تقدير.

اعترت المفاوضات خلافات عديدة، أدت إلى تعليقها من جانب الطرفين مرات عدة، بسبب بعض النقاط الخلافية حسب تصريحات ممثلي الطرفين، ولكن مؤخراً أعلن الطرفان توصلهما إلى اتفاق حول مدة الفترة الانتقالية، وهياكل مستويات الحكم الثلاثة السيادية والتشريعية والتنفيذية، ومحاكمات أعضاء النظام البائد، وغيرها من المسائل التي طرحت في طاولة التفاوض، وبعض النقاط الأخرى التي لا تزال عالقة حتى الآن وهي قيد التفاوض بين الجانيين. على سبيل المثال صلاحيات المجلس السيادي.

إن المتابع للأزمة القائمة في السودان سيلاحظ أن هناك أسباباً واضحة وراء انسداد أفق التفاوض بين الطرفين، إلا أنها ليست مقنعة –حسب رأي البعض- لتؤثر على سير عملية التفاوض بينهما، وخصوصاً أن البلاد تمر بمرحلة في غاية التعقيد، ويمكن إجمال هذه الأسباب في النقاط التالية:

أولاً: الاختلاف حول نسب التمثيل في المجلس السيادي

تعتبر هذه النقطة من أهم النقاط الخلافية، إذ يختلف الجانبان في نسب التمثيل بين المدنيين والعسكريين في المجلس السيادي المزمع تشكيلهُ. فقوى إعلان الحرية والتغيير ترى لزاماً أن تكون رئاسة المجلس مدنية؛ ويتشكل من غالبة مدنية وتمثيل عسكري محدود، بينما يرى قادة المجلس العسكري خلاف ذلك إذ يسعون إلى أغلبية عسكرية في إدارة المجلس لدواعٍ أمنية، خشية أن تنزلق البلاد إلى الفوضى.

ويبرر ممثلو المفاوضات لقوى إعلان الحرية والتغيير طرحهم بأن المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي لن يقبلا التعامل مع حكومة عسكرية، إضافة إلى أن المزاج الشعبي الذي يرغب في حكومة مدنية سيرفض تغول العسكر على المجلس السيادي.

ثانياً: محاولة كلا الجانبين كسب الوقت حتى يُمارس الضغط على الآخر

أسباب تعليق المفاوضات بين الجانيين مرات عدة كان الهدف منها كسب الوقت، حتى يُمارس كل طرف الضغط على الآخر. فقادة المجلس العسكري كانوا يرون في تأجيل المفاوضات فرصة لتقليل عدد المعتصمين إذا ما دخل شهر رمضان، في حين رأت قوى إعلان الحرية والتغيير مماطلة المجلس العسكري لوضعه تحت ضغط سياسي خارجي، خصوصاً مع اقتراب انتهاء المهلة التي منحها الاتحاد الإفريقي للمجلس من أجل تسليم السلطة للمدنيين. بكلمة أخرى، كل طرف منهما يراهن على عامل الوقت ليدفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات من أجل تحقيق مطالبه وشروطه.

ثالثاً: المساعي الخارجية لإفشال تشكيل حكومة مدنية

تنظر بعض القوى الخارجية إلى التحولات الجارية في السودان بريبة وشك غريبين، لأنها ترى في المسألة السودانية مسألة أمن قومي يهدد مصالحها العليا. وتتصدر الدول الفاعلة في مجريات أحداث منطقة القرن الإفريقي، كل من دولة مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

إذ تسعى هذه الدول إلى تشكيل الواقع السوداني وفقاً لمصالحها القومية، لذلك تحاول قطع الطريق أمام الشعب الثائر، للحيلولة دون تحقيق أهداف ثورته ومطالبها، والتي من ضمنها تسليم السلطة للمدنيين، وتشكيل حكم مدني ديمقراطي.

ففي حال تحقق التحول الديمقراطي في السودان ربما تتعرض هذه الدول إلى إحراج سياسي أمام شعوبها، وتفتح المجال أمام "ربيع عربي" جديد. وبالتالي تُحاول هذه الدول جاهدة عسكرة المشهد السياسي السوداني، وما سعي مصر لتمديد المهلة التي منحها الاتحاد الإفريقي لقادة المجلس العسكري الانتقالي من 15 يوم إلى ثلاثة أشهر لتسليم السلطة للمدنيين، والدعم المالي والمادي الموعود من جانب العواصم الخليجية، فضلاً عن الزيارات السرية المسجلة التي يقوم بها بعض المسؤولين الخليجيين إلا تأكيداً لهذا المسعى التدخلي.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الزيارة المفاجئة التي يقوم بها رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، إلى الرياض، حيث استقبل بحفاوة من طرف القيادة السعودية، ومن قبلها أودعت السعودية مبلغ 250 مليون دولار ببنك السودان المركزي، وكل هذا يأتي في إطار المساعي الخليجية لفرض المجلس العسكري الانتقالي كأمر واقع على مفاوضي قوى إعلان الحرية والتغيير.

أخيراً، لا شك في أن المؤسسة العسكرية السودانية قد مارست دوراً تاريخياً في حسم الصراع مع نظام الإنقاذ الذي يمثله البشير، وكذلك أيضاً قوى إعلان الحرية والتغيير التي ساهمت بالقسط الأكبر في تنظيم المظاهرات التي أدت إلى خلع الرئيس. وبالتالي فكلا اللاعبَين يملكان دوراً محورياً في عملية التغيير التي تمت، وإن مستقبل السودان يتوقف على مقدار توافقهما حول الفترة الانتقالية، وتسليم السلطة.

حتى ذلك الوقت يبقى السؤال الأهم مطروحاً، وهو: هل يتمكن الطرفان من إخراج البلاد من عنق الزجاجة من دون الإضرار بكيان الدولة، وعدم إضاعة مكتسبات الثورة التي تحققت بدم شهداء أبناء الوطن؟ وفي حال حدوث عكس ذلك، فإن النتيجة ستكون انزلاق البلاد –لا قدر الله– إلى فوضى سياسية وأمنية، يكون الخاسر الوحيد فيها هو الشعب السوداني.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي