أطفال من اليمن في مخيمات اللجوء إثر الحرب الدائرة في البلاد (Others)
تابعنا

الحرب المستمرة منذ أكثر من 7 سنوات تنهش في حاضر اليمن دمّرَت الأرض والإنسان. وإذا كان إصلاح البنى التحتية أمراً سهلاً نسبيّاً في حال توافر الأموال والإمكانيات الفنية، فإن إعادة بناء وتأهيل الإنسان أمر في غاية الصعوبة، إن لم يكن متعذراً لجيل أطفال اليوم الذين حُرموا فرص التعليم، وفرص العيش السويّ في بيئة آمنة ومستقرة ومساعدة على التطور الطبيعي للأطفال حسب فئاتهم العمرية، إذ إن لكل فئة عمرية احتياجات ينبغي أن تأخذها الأسرة ومؤسسات التربية والتعليم والرعاية بالحسبان.

أطفال اليمن بلا مستقبل

بصورة أو بأخرى نستطيع القول إن هذه الحرب الضروس الظالمة لم تأتِ على الحاضر فحسب، بل إنها تقوّض المستقبل باستهدافها للأطفال، وماذا يمكن أن نتوقع من طفل لم يحظَ بفرصة الذهاب إلى المدرسة، وعاش مع أسرته خائفاً أو متنقلاً من منطقة إلى أخرى في مخيمات النازحين بحثاً عن الأمان الذي لا يتوافر في الغالب بسبب أن المليشيات التي انقضّت على الدولة ومؤسسات الدولة لا تحترم قواعد الاشتباك في فترة الحرب وتستهدف الأعيان المدنية كالمدارس والمستشفيات والمساجد والمجمعات السكنية، وحتى مخيمات النزوح؟

احتفل العالم في 20 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي باليوم العالمي للطفل، الذي يتزامن مع مرور 28 عاماً على تصديق اليمن على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وبدت الصورة مؤلمة ومفزعة بعرض عظام الأطفال الناتئة بسبب الجوع، وليقولوا لنا إن اليمن أسوأ دولة عربية في ما يتعلق بحقوق الأطفال، بل والأسوأ على مستوى العالم. لعل العالم يريد أن يسمع ويرى هذه الصورة، أما نحن اليمنيين فلا حاجة بنا إلى ذلك لأننا نعيشها كل يوم، نستمع إلى أنين وعويل وشهيق الأطفال وقلة حيلة أسرهم أمام هذا الحال.

تشير التقارير إلى تعرُّض 7,522 طفلاً قُتلوا أو أُصيبوا خلال هذه الحرب، وأجزم أن العدد أكبر بكثير من ذلك إذا توافرت آليات رصد وقيد وتسجيل دقيقة وشاملة، تأخذ بالاعتبار مَن تَعرَّض للعنف الأسري، أو العنف في الشارع أو العنف في مختلف مؤسسات المجتمع، لأن هذا العدد إذا افترضنا صحته لا يعكس إلا مَن تم رصده وتسجيل أو التبليغ عن قتلهم أو إصابتهم بصورة مباشرة، ولكن ماذا إذا أخذنا بالاعتبار مَن قضوا جوعاً بسبب سوء التغذية الحادّ والمجاعة التي دفعت ببعض الأسر إلى تغذية أطفالها بأوراق الشجر، فإن الرقم ربما تضاعف عدة مرات؟ وفي ذات السياق ينبغي أن لا ننسى الأطفال الذين تم الزج بهم في الحرب في مخالفة صارخة للقوانين الوطنية والدولية، وآخرين تم قنصهم في الشوارع وهم يلعبون أو يقضون حوائج أسرهم مثل جلب الماء أو غاز طبخ أو دواء، أو مَن كانوا ضحايا للألغام الأرضية التي استُخدمت بصورة واسعة، وهي من الأسلحة المحرَّمة دولياً، وأكثر المتأثرين بها المدنيون، وجلُّهم من الأطفال.

أطفال اليمن يشاركون في الحرب

الكثير من الأطفال سقطوا قتلى وجرحى في خطوط النار الأمامية دون أدنى اعتبار لسنهم وصغر أحجامهم وعدم قدرتهم على التعامل مع أدوات الحرب أو تَحمُّلها من الناحية النفسية. بعضهم التحق بالجبهات لتلقيه دورات تعبئة وتدريب خاطئة بأن هذه شهادة وطريق إلى الجنة، وأغلبهم دفعتهم الفاقة والفقر والحاجة إلى قبول هذه المغامرات الخطرة التي لا تتفق مع سنِّه وقدراته الجسمية والعقلية والنفسية. لا نعرف كثيراً عن الأطفال الجنود إلا من خلال الاحتفاء بجثثهم وهم مُسَجَّون في توابيتهم الصغيرة المكلَّلة بالورود والموشَّحة بالألوان الخضراء رمز "الشهادة والطريق إلى الجنة" حسب عقيدة جماعة الحوثي المنقلبة على المسار السياسي في اليمن والرافضة حتى الآن لكل مبادرات السلام.

أسرت الحكومة الشرعية والتحالف خلال فترة الحرب أعداداً كبيرة من الأطفال، وكان يتم إعادة تأهيل محدود لهم ثم إعادتهم إلى أسرهم عبر منظمة الصليب الأحمر الدولية.

لا تتوافر تقارير متابعة وتقارير تقييمية حول هؤلاء الأطفال وما إذا تم إعادتهم إلى المدارس، وإخضاعهم لدورات تأهيل نفسي لإزالة ما الحقته قسوة الحرب في أنفسهم من جروح غائرة وتشوهات، وهل تم مساعدة أسرهم على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية الضرورية لهم حتى لا يُضطروا إلى الموافقة على الدفع بأولادهم إلى أتون الحرب المحفوفة بالمخاطر، وإذا كانوا قد نجوا ومروا منها في المرات الأول فإن فرص النجاة قد لا تتوافر لهم مرات أخرى.

وجدير بالإشارة أن ليس كل الأسر كانت توافق على الزج بأبنائها في الأعمال القتالية، ولكنهم كانوا يؤخذون عنوة، كانت الأسر تفضّل أن تموت جوعاً بدلاً من مقايضة توفير مصدر دخل لهم برؤوس أبنائهم.

وتجنيد الأطفال دون الخامسة عشر محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني، كما يُصنَّف من قبل المحكمة الجنائية الدولية كجريمة حرب لا تسقط بالتقادم، ويمكن محاسبة مرتكبيها متى ما وَضعَت الحرب أوزارها وعمَّ السلام والتفت الناس لاستعادة حقوقهم وردّ مظالمهم، إما عبر الآليات الوطنية متى ما توافرت فيها الكفاءة والنزاهة، وإما عبر الآليات الدولية.

للأسف هذا هو الواقع المر، ففي ظل الحرب وركود الاقتصاد وارتفاع مستوى البطالة وانعدام فرص العيش الكريم أصبح الانخراط في الأعمال القتالية مع المليشيات الوسيلة الوحيدة التي توفر دخلاً لمنتسبيها، وهذا الدخل لا يتجاوز في أحسن الأحوال 50 دولاراً.

انتهاكات وأرقام صادمة

بالإضافة إلى ما تقدم من انتهاك لحقّ حياة الأطفال فإن أحدث تقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" يستعرض أرقاماً صادمة عن وضع الأطفال في اليمن، حيث يشير إلى 1.71 مليون طفل نازح و400.000 يعانون من سوء التغذية الحادّ، ومليونَي طفل خارج المدرسة.

كل تلك الانتهاكات وأكثر تحدث مع عدم توافر وسائل وآليات حماية ضرورية للأطفال، فدور المجلس الأعلى لحماية الأمومة والطفولة، وهو جهاز حكومي يتبع وزارة الشئون الاجتماعية والعمل، غائب، ومنظمات المجتمع المدني التي كانت تقوم ببعض الجهود غير ملموسة لأنها تعاني من نقص في التمويل والقدرات البشرية والإمكانيات الفنية واللوجستية، وتحاول المنظمة الدولية المعنية بالأطفال "اليونسيف" تقديم أقصى ما تستطيعه لحماية الأطفال، ولكن كما يقول المثل "اتسع الخرق على الراقع"، فالأزمة كبيرة وتتضاعف بصورة مستمرة، والحاجة كبيرة وبالتالي فلا يمكن إحداث التناسب بين ما يتم تقديمه من خدمات والزيادة المطّردة في الاحتياجات.

لم ننقل سوى النزر اليسير من صورة الحرب المرعبة والكئيبة التي تأثرت بها كل فئات المجتمع والأطفال بخاصة، التي تزداد كآبة مع عجز النخب الاجتماعية وقواها السياسية عن تقديم حل عادل وشامل يقبل به الجميع يعالج جذور الأزمة والأسباب التي أدّت إليها، ولا يسمح بتكرار دورات العنف والصراع إنقاذاً للبلاد ولمستقبلها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي