مقاتلون أفغان مناهضون لطالبان يشاهدون عدة انفجارات من التفجيرات الأمريكية في جبال تورا بورا بأفغانستان أثناء مطاردة مقاتلي القاعدة في ديسمبر 2001 (Reuters)

كان يُفترض بعملية "نشر الديمقراطية" الأمريكية هذه أن تكون على هيئة صواريخ تهبط من الطائرات فتتطاير الأجساد الآدمية مترين إلى الأعلى ثمّ تخمد.

لم يدر في خيالات جنرالات "السلام الأمريكي" إمكانية تساقط الأجساد بدل الصواريخ من الطائرات، ولم يدر في بال عمّنا هيجل أن تستولي أهداف الخمود على وسائله، وأن تعوّض الضحيّة عن وسيلة قتلها بسقوطها الحرّ نيابة عنه. تعدّدت الأسباب، من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، والخمود واحد. وكلّها كولاتيرال دامجز (أضرار جانبية) في دفاتر الحرب الهرِمة على الإرهاب.

أما رجل "الديمقراطية الأمريكية"، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية (التي يفرض سياق ذكرها هنا تذكر ظروف ولادتها كحقل معرفي استعماري) في بيركلي وجونز هوبكنز، والخبير المالي في البنك الدولي (مؤسسة استعمارية في كل السياقات)، فاسمه أشرف غني، وهو رجل حلّ فيه الديالكتيك بأخسّ صوره: فقد ترك "شرفه" على سلم الطائرة الهاربة، وحمل معه حقائب "غناه" (169 مليون دولار كما يقال). وإلى أين هرب؟ إلى أين يا حزركم؟ إلى واحة المال-قراطية، إلى ملك لا يظلم عنده فاسد، ولا يُسأل عنده جانٍ عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه.

الأمريكان الآن مشغولون بمصير المرأة الأفغانية. ولا فائدة من فضح الازدواجيات والازدواجيين الذين لم ينبسوا بربع هذا القلق عندما تمّ اغتصاب معتقلات في السجون المصرية، أو عندما تمّ تلقيح الأرحام وبقرها لاحقاً وسابقاً في سجون بشار. ربع هذا القلق (وربع الأموال التي صُرفت لبناء الجيش الأفغاني ودكّ الجبال بالصواريخ الفراغية) لم يُصرف على البنية التحتية أو التعليم أو الصحة في أفغانستان نفسها.

آخر الإحصائيات تقول إنّ 90% من الأفغان يعيشون تحت خط الفقر (يونيو/حزيران 2020)؛ وخطّ الفقر في أفغانستان يا سادتي محدّد بدولارين في اليوم فقط، 70% من الأفغان لا تصل الكهرباء النظامية إلى مساكنهم.

هذه تركة المشاعر النبيلة التي يكنّها الأمريكان وحلفاؤهم لنسائنا وأطفالنا. والحقيقة أنّنا نحن من نسيء فهم الأمريكان، الرجل البايضن يقول بصراحة إنّهم لم يأتوا لبناء البلد أو ترويج الديمقراطية، وإنّما أرادوا القضاء على إرهابيي الكهوف التسعة عشر. ولكنهم بالصدفة البحتة، وجدوا الفرصة ليجروا في 2010 مسحاً جيولوجياً للثروة المعدنية في هذا البلد المعدم، وتوافدت منذ حقبة ترمب الشركات الأمريكية للاستثمار في التنقيب عن الفحم والذهب والنحاس والليثيوم.

الكلّ يعرف أنّ الأمريكان سيئون، وأنهم لا يهتمون بأي ديمقراطية لا تؤدي إلى موالاتهم سياسياً واقتصادياً. الدعوة إلى الديمقراطية عندهم هي دعوة للدخول في الحلف الغربي الذي ترأسه الولايات المتحدة.

نعرف هذا بعشرات الشواهد عن الموجة الثانية والثالثة من الديمقراطية الأمريكية، ونعرفه بتحطّم الموجة الرابعة (أو الخامسة) التي أطلقتها الثورات العربية على صخور المصالح الأمريكية: النفط وإسرائيل وحرية التجارة والاقتراض من البنك الدولي، إلخ. يجب تأمين هذه المصالح ببسطار عسكري أو ببدلة خبير اقتصادي، لا فرق.

نعم يا حبيبي، هناك هوامش للمناورة، ولكنّنا نتحدّث هنا عن المتن:

المتن الآن هو طالبان!

غادر الاحتلال، وأكل صفعة على قفاه وهو يغادر، وفُتحت كابل. نعم، فتحت كابل، وفُتحت ماسورة النقاشات العربية حول أشياء أخرى أقرب إلينا من أفغانستان البشتون والطاجيك والأوزبك والهزارة.

أفغانستان مناسبة للحديث. هذا ما يحدث في كلّ نقاش. نحن نصفّي خلافاتنا على أرضية النقاش عنها، كما فعلنا في نقاشات كثيرة سابقاً. لكنّنا في الحقيقة نتحدّث عن أنفسنا.

غادر الاحتلال، ودخلت طالبان. نعم هذه لحظة احتفاء بصمود الإرادة العنيدة والإيمان البسيط في وجه الاستكبار المدجّج. نعم، مستضعفو أمتنا هؤلاء نخروا أساسات القوة الغازية. (يقول المتذاكي: ولكن، الأمريكان كانوا يريدون الانسحاب ودول الجوار تحالفت معهم و ...).

صحيح يا حبيبي، ومتى كان هناك انتصار دون توفّر شروط موضوعيّة له. نحن هنا نتحدّث عن الذات لا عن الموضوع، الشروط الموضوعية متوفّرة لألف شيء ولكنّ العطب في الذات المتعبة في خيالها وخيّالها، وفي إيمانها وإرادتها.

قلتُ "نعم"، وهذا لا يعني أنني لا أضمر "لكن" في أماكن كثيرة. طبعاً لم تكن تجربة طالبان في الحكم تجربة عظيمة (وأي تجربة تُزهق فيها نفس بريئة تخسر عظمتها). وكثيرٌ من أصحاب الإيمان العالي يُتقنون القتال والصبر والتضحية، ولا يُتقنون إدارة الدولة ولا التلطّف بالناس.

أستطيع أن أسرد قائمة اعتراضات مديدة (وبعضها "ليبراليّ" في صورته، وإسلاميّ في باعثه عندي. وشرط الحقّ ألَّا يُعرف بسلب الغير ولا بإثباته)، ولكنّني لن أفعل. فهذا المضمر متصل في نقاشات الناصحين الصادقين لمن محّض، وفي قوائم توزيع شهادات حقوق الإنسان في صحف العالم "الحر" لمن خلط وخلّط.

المثقف نرجسي. هذه ليست شتيمة دائماً. أعني أنه مهتمّ بالتفرّد عن المجموع. نعم! الثقافة تجعلك ترى زوايا تغيب عن الجمهور العام، تزيد حسّك بالريبة، وتدفعك للتفتيش في العواقب والمآلات. تدفع الـ"لكن" قبل أن تدفع الـ"نعم". ولهذا حسناته بالطبع، ولكنّ له ضلالاته.

هناك عادة ثقافية سارية أسميها "الكتابة من السطر الثالث". الجميع يعرف أنّ الأمريكان سيئون. الجميع يعرف أنّ التخلص من الاحتلال مقدّمة جيّدة. يتفق صاحبنا معنا في هاتين المقدّمتين، ولكنّه لا يقولهما.

يبدأ من السطر الثالث: ولكنّ طالبان فعلوا وقد يفعلون. يبدو الأمر زهداً في قول المكرّر ونفوراً عن الدخول في الحشد، ولكنّ هذه النزعة النفسية خطيرة المآل، لأنّها تغذّي شراسة نقديّة مضاعفة تجاه الفاعل الأقرب، إلى درجة تنطوي معها البدهيات كشعار لا يحمل شحنة عاطفية.

بالمثل، تسأله (أو حتى دون أن تسأله) عن حزب النهضة فيستخرج عدّة سكاكينه شارحاً الشرائح، تسأله عن أستاذ الدستور الانقلابي فيخرج منديله ويقول: طبعاً هو انقلاب، ولكن النهضة هم من سمحوا له وفعلوا وفعلوا ويعود إلى السكاكين. تحاول فصل المنازعة فيملّ منك ويقول: طبعاً أنا ضد الانقلاب وضد هذا المجنون، وأنتقد النهضة لأنهم (مثلاً) من كنا نعوّل عليهم، هم جزء من قوة التغيير فيما يفترض وخذلونا.

نرجسيّة الفروقات الصغيرة هذه (وأحياناً لا تكون صغيرة حقاً!) طبيعة إنسانية، تشبه فكرة قتال العدو القريب عند الجهاديين. أنت مطمئن إلى رأيك النهائي في عدوّك البعيد، ولكنّك مشغول في 90% من وقتك بأخطاء الطرف الأقرب إليك.

الإنسان ليس عقلانياً كما يظنّ، والنقد ليس فعلاً للعقل مجرّداً من العاطفة، بل هو مشحون عاطفياً. والعاطفة في نهاية المطاف أكثر تحكّماً في الإنسان وخياراته من أُطره الفكرية التي يقرّرها. نهاية ذلك أنّ بعض خبراء نقد الإسلام السياسي انتهوا مشتغلين عند دول الاستبداد أو المحتلين (التي كانوا يغيّبون نقدها، لأنه بدهي ومفهوم ضمناً).

مشهد متكرّر تراه مصاحباً لهذه النزعة: تشاهد مغزلاً أخلاقيّاً ذهبياً ينسج بخيوط من حرير كيس قمامة.

صاحبنا صار في غمرة النقاش مثالياً في أخلاقيّته، لا يقبل بقتل بعوضة فما فوقها، ولا يُريد أن يقف مع طرف يُخطئ.

لا أحد يريد أن يقف مع طرفٍ يُخطئ أو يُجرم أو ينتهك حقوق العباد. ونحن مأمورون بقول الحقّ والعدل ولو على أنفسنا (وهذه ليست آية قرآنية يا بهلوان الخطابات).

ولكنّنا لا نعدل إن ساوينا بين من يصفع امرأة كشفت وجهها وبين من يمارس قتلاً ممنهجاً وتدميراً وإفقاراً لبلد بكامل ناسه.

حسناً، لا أريد أن أبسّط الأمر بنقاش متسرّع، ولكنّني أذكركم بقول صاحب "قوت القلوب": "ليس العلم أن تعرف الحق والباطل، بل أن تعرف خير الخيرين وشرّ الخيرين". الأخلاق التي تُعدِم هذه الفروق وتقول: "كلّهم أشرار" قد لا تكون أخلاقيّة، إن كانت عاقبتها في كلّ مرة السكوت على الشرير الكبير والصراخ في وجه "الشرير" الصغير. هذه قاعدة سياسية-أخلاقية عامة: أما الخيار بين طالبان والناتو فهو أقرب إلى معرفة الحق والباطل!

أعتذر إليك يا قارئي الواقف على الضدّ ممَّا أقول إن كنتُ قد قسوت وعرّضتك لسوء الظنّ بي. أنا لا أدعوك لكنس الأخطاء تحت شعار الولاء، ولا لوضع أولوية التحرير سيفاً في عنق أولويات أخرى، ولا أدعو لاستنساخ تجارب شابها ما شابها، ولا أدعو بالطبع إلى الكفّ عن النقد الضروري للفهم والتقويم وتجنب تكرار الأخطاء. أنا أدعو فقط إلى كتابة السطر الأول والثاني قبل كتابة السطر الثالث. أيها الآنفون من التكرار، المغتاظون من الحاجة لقول البدهي، لا تكرّروا أخطاءً سبقت، ولنقف مع كلّ حقيقة بإنصافها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي