عارضة الأزياء الأمريكية جيجي حديد أثناء مشاركتها في إحدى التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين (Others)

وفي سبب دفاعها عن بقائها تخوض إسرائيل حروبها عملياً من طرف واحد. آلة عسكرية متفوقة ليس على الفلسطينيين فحسب بل على معظم جيوش دول المنطقة. نظام قوي راسخ اقتصادياً تحتضنه الولايات المتحدة بكل قدراتها والغرب ومعظم الشرق والكثير من الدول العربية.

الحرب دائماً من طرف واحد: آلاف الضحايا والمصابين وتدمير وخراب مقابل ذعر الإسرائيليين وفرارهم المنظم إلى الملاجئ. أمريكا وإعلامها وحزباها الديموقراطي والجمهوري ينتبهون فقط إلى ذعر الإسرائيليين وفرارهم إلى الملاجئ. الجانب الآخر من الصورة ليس مهماً. هو خليط من إرهابيين ومسلمين وشرق أوسطيين معادين للسامية والمسيحية والديموقراطية معاً. الأساس الأمريكي الرسمي ليس في بقاء إسرائيل فحسب بل في بقائها على هذا التفوق الهائل بالقوة مقارنة بالآخرين وبقائها واحة مضيئة في صحراء مظلمة.

لكن العدوان الإسرائيلي الأخير قال إن أمريكا تتغير.

رجلان بَدءا تغييراً جذرياً بأمريكا، الأول بينما ينزل الدرج المتحرك في فندقه الفخم بنيويورك ليعلن نفسه مرشحاً رئاسياً، والثاني بينما يلفظ أنفاسه الأخيرة أسفل ركبة شرطي أبيض.

دونالد ترمب "الأبيض النموذجي" بثرائه وعنصريته وتسلُّطه الذكوري، وجدت فيه قاعدة هائلة مسيحاً منتظراً ينقذ الامتياز الذي يشعر البيض أنه يسحب من أسفل أقدامهم من قبل الليبراليين واليسار والنسويات والأقليات العرقية والإثنية والدينية والمدافعين عن "بدع" البيئة وحقوق الإنسان وغيرها.

دونالد ترمب نفسه شكَّل إنذاراً لهذا اللفيف المقابل ونبه إلى الخطر الداهم لحالة نافرة كحالته، تتخطى بخطورتها الخصم المحافظ التقليدي الذي اعتادوا على مواجهته، من رونالد ريغان إلى جورج بوش الأب والابن. نبههم إلى خطر انزلاق هذه الدولة مترامية الأطراف والأفكار والقدرات إلى أيديولوجيات كانت من أهم أسباب الحرب العالمية الثانية.

شرخ دونالد ترمب أمريكا نصفين شرسين في العداء. لم يكن لدى الأفارقة الأمريكيين ترف بالاختيار. ترمب يختصر كل ما ناضلوا ويناضلون ضده من العنصرية إلى المنظومة المبنية على جذور راسخة من التمييز ضدهم؛ تلقائياً وجدوا أنفسهم في مواجهته.

الرجل الثاني الذي بدأ التغيير هو جورج فلويد طبعاً. الأمريكي العادي الذي لم يقرر أن يكون مارتن لوثر كينغ جونيور، ولو خُيِّر بين موته وإكمال حياته عادياً مجهولاً لما تردد لحظة. لكن قدره غلبه بسنوات احتقان ما بعد وصول ترمب إلى الرئاسة. كثف مقتله مشهد المأزق الأميركي برمته: السلطة البيضاء بكامل عتادها وتاريخها تخنق فرداً أعزل أسود حتى الموت.

لم يُحيِّد ترمب نفسه أو يتعامل بمنطق رئيس كل الأمريكيين بمختلف ألوانهم. سرعان ما انزلق إلى تحويل الاحتجاجات التي عمَّت أمريكا إلى حرب ضده. بالمقابل تحولت الحالة من اعتراض على عنف الشرطة المؤسسي ضد السود إلى الرفض القاطع لترمب والترمبية المنتشرة كعدوى.

وبينما لم يوفر ترمب نفسه جهداً في كيل الاتهامات للمتظاهرين بأنهم يساريون فوضويون وشيوعيون وقطاع طرق ولصوص ومعادون للمسيحية كانت حركة بلاك لايفز ماترز تخوض معركة أخرى هي معركة الحقوق الإنسانية بمواجهة غطرسة القوة. وقد استطاعت أن تصنع رأياً عاماً محلياً وعالمياً يقف معها وكانت من المسامير التي دُقت بنعش ولاية ترمب الرئاسية.

قضية جورج فلويد كانت قضية حقوقية، لكنها أيضاً كانت في عمقها نزاعاً مع اليمينية الترمبية التي وجدت لها حليفاً شعبوياً محلياً هو خليط من محافظين ومتدينين وعنصريين مؤمنين بتفوق العرق الأبيض. أما عالمياً فأكثر المجاهرين بحب دونالد ترمب كان بنيامين نتنياهو.

حسناً، ماذا لو استبدلنا في كل السطور التي وردت أعلاه كلمة إسرائيل بكلمة ترمب، واسم فلسطيني يقطن في أحد بيوت حي الشيخ جراح بالقدس بكلمة فلويد؟

القضية الفلسطينية تقاطعت مع قضايا الأفارقة الأمريكيين تاريخياً، من الفصل العنصري إلى القمع المنظم الاقتصادي والسياسي إلى التهميش والإهمال ورفض القبول بأبسط الحقوق. حركة أرواح السود مهمة، ومعها الأطياف الثانية، ليست معنية بالتوصيف الرسمي الأمريكي لحماس بأنها منظمة إرهابية.

هؤلاء معنيون بالمساعدات التي يهبها دافع الضرائب الأمريكي سنوياً بالمليارات إلى إسرائيل لتضخم ترسانتها العسكرية وتجرِّبها مرة بعد مرة في شريط ضيق محاصر من كل الجهات، بينما تتابع استيطانها في المناطق المحتلة وتهميش مواطنيها العرب.

هذه الحركات الحقوقية-السياسية لا تنظر إلى الصراع بوصفه بين دولتين بل بين دولة وشعب. لا يمكنها والحال هذه أن تتفرج على شأن شرق أوسطي دونه محيطات وبحور. الولايات المتحدة، دولتهم، ضالعة جذرياً بهذا الصراع بصفتها طرفاً لا حكماً كما تحب أن تدَّعي دائماً.

هذا الطيف الواسع بدا أكثر صلابة وهو يطلق موقفه ضد العدوان الإسرائيلي وهو يطالب الحزب الديموقراطي وإدارة جو بايدن باتخاذ مواقف أكثر حزماً من إسرائيل.

وللمرة الأولى كان صوت الاعتراض على إسرائيل أعلى من الصوت الديموقراطي المؤيد. تشاك شومر زعيم الغالبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ والصديق الأبدي لإسرائيل لم يجرؤ إلا على المطالبة بوقف إطلاق النار، من دون كيل المديح المعتاد لإسرائيل.

انتخابات ولاية نيويورك قريبة، وشومر يعي أن الموجة الجديدة في الحزب ليست عابرة، وأن المزاج العام يتغير والقاعدة الشعبية تجنح نحو ما تمثله حركة "أرواح السود مهمة" من قيم.

غيره ديموقراطيون كثر فضَّلوا التزام الصمت بانتظار ما سيفعله جو بايدن، بينما آخرون كانوا أوضح بانتقاد إسرائيل، وصولاً إلى الجناح التقدمي بيرني ساندر ورفيقاته ورفاقه، وقد كانوا الأوضح بالهجوم على إسرائيل وانتقاد الموقف الأمريكي المتذبذب من بداية العدوان.

ليس أن حركة أرواح السود مهمة وحلفاؤها سيأخذون القضية الفلسطينية على عاتقهم. همومهم الأساسية محلية لكنهم أسسوا لشرخ بالخطابين الرسمي والإعلامي الليبرالي. لم يخافوا من مواجهة المظلومية الإسرائيلية التقليدية وتعريتها. الصواريخ البدائية محلية الصنع ليست المشكلة. المشكلة في مكان آخر، في نظام فصل عنصري وآلة عسكرية تقتل بوحشية كل مرة "تدافع عن وجودها" آلاف المدنيين، الأطفال خصوصاً. هؤلاء الذين لو خُيروا بين أن يكونوا رموزاً أو أن يكبروا ويختاروا قدرهم بأنفسهم لما ترددوا بالاختيار، تماماً كجورج فلويد.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي