في الأزمة الخليجية حين قررت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصار قطر ومقاطعتها، التزم الأردن حدّاً أدنى موارباً من الإجراءات، واكتفى بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، وإغلاق مكاتب الجزيرة شكلياً.

الأهم من الإجراء الأردني المعقول كان التفهُّم الكبير من الدوحة، التي قررت عدم وضع الأردن في صف دول الحصار، وجنبت عمّان شرر الحرب الإعلامية والسياسية، وهنا ظهرت الأردن وقطر بمظهر التفهُّم وانتظار لحظة الخلاص.

الزيارة هي الحدث.. الشكل قبل المضمون

في تقديري إن تحقُّق الزيارة بعد عامين من الأزمة يعني أن الأردن وضع اصطفافه في أزمة الخليج مع حلفائه التقليديين الرياض وأبو ظبي والقاهرة خلف ظهره، وإنه يقف على مقاربة جديدة تحتاج إلى نقاش معمق.

إذن الحدث الأساسي يكمن في إتمام الزيارة بعد تعثُّرها مرات عديدة، ويكمن أيضاً في شكلها الترحيبي العارم على المستوى الرسمي والشعبي. فالحفاوة تثبت أن الأردن يقول لحلفائه: هوامشنا تتسع لمزيد من الاستقلالية.

أما مضامين الزيارة التي سنأتي على ذكرها، فلم ترتقِ إلى أهمية "الزيارة الحدث"، فمن يتابع وسائل الإعلام ومواقع التواصل يدرك أن الشكل غلب المضمون وتفوق عليه.

الترحيب الشعبي الأردني فاق المتوقع

نحر الأردنيون جمالاً على طريق موكب أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أثناء مروره بمضارب العشائر، طبعاً، هذا الفعل كان تلقائياً ولم تتدخل فيه السلطات.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بعبارات الترحيب بالضيف القطري، وأطلق بعض الأردنيين اسم "تميم" على مواليد لهم تزامن قدومهم مع يوم الزيارة.

الترحيب الشعبي الغامر كانت دلالته واضحة، فهو من جهة يعبر عن رسالة من الجمهور إلى الدولة الأردنية، بأن العلاقة مع قطر مرحب بها، وأن الاصطفافات يجب أن تكون منسجمة مع مصالح الدولة.

أما الشق الثاني من الرسالة فيتعلق بأن الرأي العام الأردني يحب ويكره بناء على السياسات الخارجية للدول، وهو يرى في قطر دولة تساند الشعوب وتقف موقفاً جيداً من القضية الفلسطينية.

لماذا خرجت عمّان عن ترددها؟

ماذا قدمت عواصم الحصار للأردن في الآونة الأخيرة؟ سؤال يردده الأردنيون كثيراً. نعم لقد قدمنا لهذه العواصم إسنادات مجانية، فيوجد نكران لحاجات الأردن السياسية قبل الاقتصادية.

هذا سبب معقول لخروج الأردن عن تردده في استعادة الحميمية مع الدوحة. لكن مبرراً آخر يتعلق بالفروسية القطرية التي أثبتت نفسها مرتين، الأولى حين تفهمت موقف الأردن ولم تسمح لماكينتها الإعلامية بمهاجمة الأردن، والثانية عندما سارعت إلى تقديم المساعدات المالية لعمّان إبان أزمة حكومة هاني الملقي.

هنا كان قرار الدولة الأردنية بالاقتراب من قطر بعيداً عن فلسفة المحاور، وتعميقاً للغة المصلحة والشقيق المتفهم، وبتقديري إن الأردن تردد مرات ولكنه قرر في النهاية أن تعود المياه إلى مجاريها.

الأردن لا يشارك بأي نوع من الحصار على قطر

قطرياً، أعلنت الزيارة بوضوح أن الأردن لم يعد مشاركاً بأي نوع من الحصار على الدوحة، وهذه ميزة قطرية تعمق رسالة إلى الداخل القطري بأن الحصار بات بضاعة متهالكة.

في الجانب السياسي الأعمق من الواضح أن استعادة العلاقات بين عمّان والدوحة مؤشر حيوي على «تآكل» جدار الحصار السعودي الإماراتي المصري على دولة قطر، وعدم وجود أي وظيفة منتجة له خصوصاً بالفهم الأردني للتطورات الحادة في المنطقة.

بدوره الأردن يستفيد من الخطوة ليقول للجميع لا سيما الرياض، بأن الأردن تغير واستعاد عافيته في السياسة الخارجية، ويملك خيارات قد تكون مؤلمة للآخرين من حلفائه التقليديين. ويبقى السؤال هل تكون زيارة تميم إلى الأردن بداية النهاية للحصار المفروض على قطر؟

معياران أردنيان جديدان للحب والبغض في السياسة

في عمان وبعد عامين من العسرة السياسية والاقتصادية، تبدو ملامح تبلور معايير جديدة لتحديد مواقفنا من العواصم قد بدأت بالنضوج، والدليل زيارة أمير قطر لعمّان وانتهاء حالة التردد.

المعيار الأول يتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية، فالأردن قلق من مواقف الأشقاء العرب الحلفاء الرياض والقاهرة، وقلق من التطبيع، ولعل ما جرى إبان إعلان صفقة القرن وبعده زاد من مخاوفه وشكوكه.

المعيار الثاني يتعلق بأزمته الاقتصادية الخانقة، فقد تخلى عنه أشقاء عرب وحلفاء في توقيت غريب تتداخل فيه الأعراض السياسية مع الاقتصادية المريرة.

لذلك، أعتقد أن الأردن يعيش مرحلة جديدة عنوانها "اللي يتجوز أمي باقول له يا عمي"، وهنا ستتبلور معادلة توسيع البيكار، والشرب من كل نهر غرفة.

في هذا السياق يمكن فهم إعادة إنتاج العلاقة مع الدوحة، فالسياسة القطرية تشبه الأردن في مواقفها بالقضية الفلسطينية، كما أن قطر ستساعده اقتصادياً من دون أجندة سياسية ضاغطة.

زيارة تميم.. خطوة أم سياق سينضج؟

يتساءل الأردنيون بعد زيارة أمير قطر لعمّان واستعادة العلاقة الأردنية القطرية لطبيعتها -يتساءلون- هل هذا عنوان عن انعطافة أردنية في بناء سياستها الخارجية؟

الأردنيون لا يطالبون بقطيعة أردنية مع حلفائها المتنكرون لها في ملف القضية الفلسطينية والازمة الاقتصادية، لكنهم يطالبونها بتنويع خياراتها وعلاقاتها مع كل من يساندنا في هذين الملفين، فلسطين والاقتصاد.

توجد مطالبات بمزيد من الانفتاح على تركيا والجزائر، ومطالبات بوقف القطيعة مع إيران وحماس ودمشق، ويرى بعضنا أن سياستنا الخارجية تحتاج إلى تنويع ومرونة تتجاوز قصة استاتيكية التحالفات.

شخصياً، استبعد أن تفعل الأردن كل ذلك، لكن ثمة ما يلوح بالأفق أن الأردن يخرج من كمونه، ويحاول تفعيل مفهوم التذمر والرسالة السياسية.

ختاماً.. التنويع السياسي حاجة أردنية استراتيجية

بعيداً عن حسابات الأزمة الخليجية والحصار، يحتاج الأردن إلى تنويع خياراته والإبقاء على كل الأوراق على الطاولة، فقادم الأيام معقد ويحتاج إلى شرايين تساعد هنا وهناك.

ضمن هذا الفهم، أجزم أن عمّان تفكر بذلك، وأنها ستكون -ربما- بطيئة في حركتها، لكنها في النهاية تخلصت من الجلد السميك وبدأت تتحسس المخاطر على أمنها وهويتها.

زيارة تميم لعمّان فتحت باب النقاش على مواضيع شتى تتعلق بالسياسة الخارجية الأردنية، فتوجد تحليلات واستشرافات سيكون قادم الأيام مختبَراً لها وسننتظر.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.  

المصدر: TRT عربي