مظاهران أم الفحم في أراضي 48 المحتلة من قبل إسرائيل (Others)

فعلى مدى ثمانية أسابيع، استمرت المظاهرات التي ضربت موعداً أسبوعياً لها كل يوم جمعة في مدينة أم الفحم الواقعة في منطقة المثلث في قلب دولة الاحتلال الإسرائيلي، لتصبح ظاهرةً قريبةً لحراك "الفجر العظيم" المقدسي الذي كان قد أوقف الدولة العبرية على قدمٍ واحدةٍ في بداية جائحة كورونا عام 2020.

ولفتت هذه الحملة الأسبوعية للتظاهر ضد الاحتلال أنظار أبناء المدن والبلدات الأخرى في الداخل الفلسطيني لتصبح الآن تظاهرةً عامةً لفلسطينيي الداخل على أبواب الانتخابات الإسرائيلية، ولتقلب الأوضاع وتعيد العلاقة بين الاحتلال والمواطنين الفلسطينيين من حَمَلة الجنسية الإسرائيلية إلى المربع الأول رغم كل إجراءات الاحتلال على مدى عقود.

من الصعب أن يجري ربط هذا الحراك بالكامل بشخصٍ واحدٍ أو جهةٍ واحدةٍ، ولكن لابد من أن يتم ذكر اسم الشيخ رائد صلاح القابع حالياً في العزل الانفرادي داخل سجن "أوهلي كيدار" في بئر السبع، والحركة الإسلامية الشمالية المحظورة، ككلمتَي سرٍّ أساسيتين في هذا الحِراك، وهو الأمر الذي أقلق إسرائيل وجعلها تتعامل مع المظاهرات بعنفٍ وخشونةٍ بالغةٍ في محاولةٍ لوأد الحراك الجديد، حتى لا يتحول إلى حركةٍ شعبيةٍ عارمةٍ عابرةٍ للخطوط الحمراء في مجتمعِ فلسطينيي الداخل الذي يشكل 20% من مجموع حملة الجنسية الإسرائيلية.

الحراك جاء في مجمله رداً على موجة عنفٍ مجتمعي غير مسبوقةٍ في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، حيث تصاعدت عمليات القتل وإطلاق النار في مختلف المدن والبلدات الفلسطينية داخل الخط الأخضر لتطال عدداً من القيادات المجتمعية والشباب.

وكانت الصورة التي تحاول وسائل الإعلام الإسرائيلية رسمها للمشهد تتمحور حول وجود أزمات اجتماعية وعشائرية وعائلية، في المجتمع الفلسطيني، انفلتت على شكل عمليات إطلاق نار عشوائي ما بين العائلات الفلسطينية المختلفة داخل الخط الأخضر.

وحرصت هذه الوسائل الإعلامية على رسم صورة المجتمع العربي المتخلف غير القادر على التخلص من إرثه العشائري البعيد عن "الحضارة" المعاصرة التي تظهر في المجتمع اليهودي الذي يتظاهر – على سبيل المثال – ضد نتنياهو دون طلقة نارٍ واحدة، ويحل مشاكله بالقانون ومن خلال الشرطة والأجهزة الأمنية للدولة!

على أن نظرةً فاحصةً لنوعية الاستهداف التي شوهدت في موجة العنف أشارت بوضوح إلى شيء غير طبيعي يشي بتورطٍ إسرائيلي في هذه الموجة.

فقد كانت غالبية الشخصيات المستهدفة بإطلاق النار تعتبر من الشخصيات العامة الإسلامية، سواء من الحركة الإسلامية الشمالية المحظورة لدى الاحتلال أو الحركة الإسلامية الجنوبية.

إضافةً إلى عمليات قتلٍ لشبابٍ معروفين بكونهم شخصيات محبوبة اجتماعياً، وكان عددٌ لا بأس به منهم معروفين بانتمائهم للحركة الإسلامية أو الفكر الإسلامي عموماً.

وهو ما جعل المراقبين ينظرون بعين الشك إلى الأحداث وعلاقتها بالدوائر الأمنية الإسرائيلية على وجه التحديد.

فمن الواضح هنا أن المستفيد الأول – وربما الوحيد – من تلك الأحداث كان الحكومة الإسرائيلية التي ضاقت ذرعاً باستغلال فلسطينيي الداخل للمواطنة التي فرضت عليهم فرضاً، وتمكُّنِهم على مدى أكثر من سبعين عاماً من الحفاظ على هويتهم، برغم جهود إسرائيل في قطعهم تماماً عن محيطهم العربي والإسلامي (حيث لم يكن يسمح لهم بأداء مناسك العمرة مثلاً لحوالي خمسين عاماً).

ولذلك فإن أحداث موجة العنف الداخلي في الوسط العربي جاءت كما يبدو في مسعىً لتوتير الأوضاع والعلاقات بين هذه العائلات والعشائر ودفعها لمزيد من الصدامات الدامية التي قد تتحول لدوامة عنفٍ تستدعي تدخل حكومة الاحتلال – أو حتى استدعاءها – لفض النزاعات وفرض الأمن، وهذا الأمر كان سيعني قبول فلسطينيي الداخل بالسلطة الأمنية الإسرائيلية عليهم، والتي كان بإمكانها في تلك الحالة تشديد قبضتها على الداخل الفلسطيني واستغلال ذلك لتصفية الحركة الإسلامية المحظورة تماماً وتدمير بنية المجتمع الفلسطيني لاحقاً وإسقاط شبابه في وحل التعاون مع الاحتلال بحجة الحفاظ على الأمن الداخلي.

هذا كله فهمته القيادات المجتمعية الفلسطينية، وعلى رأسها القيادات الإسلامية في أم الفحم، ولذلك كان الرد الأساسي لديها هو توجيه أصابع الاتهام نحو المشكلة الحقيقية؛ وهي حكومة الاحتلال نفسها.

وبدأت سلسلة الاحتجاجات التي عكست اتجاهَ موجة العنف المجتمعي المبرمج إسرائيلياً لترتد في وجه إسرائيل وتتهمها بالضلوع المباشر في هذه الأزمة.

وبذلك تضرب الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر أكثر من عصفور بحجر واحد؛ فهي بذلك تعيد بناء اللحمة المجتمعية الفلسطينية التي شتتها الاحتلال بإضعاف الحركة بعد حظرها وإغلاق مؤسساتها ومنعها من العمل جماهيرياً في الداخل الفلسطيني، وتضمن لنفسها القوة الاجتماعية التي جسدتها الوحدة الوطنية بين جميع أطياف الحركات والمؤسسات السياسية الوطنية والإسلامية في الداخل ومشاركتها الفعالة في الحراك الأسبوعي.

الشيخ رائد صلاح (Reuters)

كما أنها بذلك تعيد إلى صدارة الأحداث عدداً من الرموز الوطنية لفلسطينيي الداخل الذين غيبتهم الآلة الإسرائيلية وعلى رأسهم الشيخ رائد صلاح، الذي عاد إلى الواجهة فوراً خلال هذه الأحداث، وذلك، للمفارقة، تزامناً مع موافقة المحكمة الإسرائيلية على طلب مصلحة السجون الإسرائيلية بتمديد العزل الانفرادي للشيخ صلاح لمدة ستة أشهر أخرى. حيث يقضي الشيخ حكماً بالسجن حالياً 17 شهراً (هي الباقية من الحكم الكامل بالسجن 28 شهراً) منذ شهر أغسطس 2020. ولعل المفارقة هنا أن طلب مصلحة السجون لتمديد العزل الانفرادي للشيخ جاء بحجة أنه شخصية مؤثرة ويمكن أن يشكل خطراً على الدولة.

وهذا ما أدى إلى تذكير فلسطينيي الداخل – ولا سيما في أم الفحم مهد الشيخ – بدور الشيخ رائد صلاح في إعادة بناء المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر وتحويله إلى عقبةٍ كبيرةٍ في وجه مخططات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية عموماً وفي القدس خصوصاً، بعد عقودٍ من هيمنة الاحتلال الفكرية والاجتماعية عليه ومحاولات تذويبه في المجتمع الإسرائيلي بشكلٍ كامل.

وبالتالي فيمكن القول هنا إن إسرائيل التي أرادت إخفاء اسم الشيخ رائد صلاح بتغييبه في السجون، وقطع صوت جناح الحركة الإسلامية الشمالي الرافض للدخول في منظومة الانتخابات الإسرائيلية، وإلهاء المجتمع الفلسطيني بحرب داخلية عبثية يشعلها الاحتلال ويتحكم بها ويتحول فيها إلى قاضٍ وجلادٍ في نفس الوقت، قد أخفقت في هذه الأهداف كلها.

بل وقامت – من حيث لا تدري – بتقوية الحركة الإسلامية وإعادة اسم الشيخ رائد صلاح إلى صدارة المشهد الفلسطيني وإيقاظ روح التحدي والرفض في نفوس أبناء مدينة أم الفحم، لتنتقل منهم إلى أراضي الداخل الفلسطيني كافة وتتحول أم الفحم إلى بؤرةِ توريطٍ لحكومة نتنياهو المتخبطة.

ولعل التنبيه والتحذير هنا واجب في الوقت نفسه، فإسرائيل لا يمكن أن تسلم بسهولة لما يحدث، ولذلك فإن المتوقع في الفترة القادمة أن تحاول إسرائيل تشتيت الوحدة المجتمعية الفلسطينية في الداخل عن طريق محاولة زرع بذور الشقاق بين الأحزاب السياسية لفلسطينيي الداخل. وكمثال على هذا التوجه، شهد يوم الجمعة الأول من شهر مارس الجاري (الجمعة الثامنة في الحراك) تهجماً من بعض الأطراف غير المعروفة على النائب المثير للجدل منصور عباس، المحسوب على التيار الإسلامي، تحت ذريعة الاحتجاج على مواقفه المعلنة من الانتخابات ونتنياهو.

وربما تكون تلك الهجمة حجةً لزرع انشقاق داخلي في المجتمع بين مؤيد ومعارض لمثل هذه الخطوة، وإقحاماً للمجتمع في دوامة التنازع على الأدوار القيادية وحق تمثيل الشارع، وهو آخر ما يحتاجه الكل الفلسطيني الآن في هذه المنطقة. ولذلك فإن الحذر واجب، فما يحدث حالياً في أم الفحم يمكن أن يتطور إلى عنصر جديد كلياً في المعادلة الداخلية في فلسطين، وهو ما سيكون له تبعات كبيرة على المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وينعكس إيجاباً بالضرورة على الجيران الأقرب لفلسطينيي الداخل؛ وأشير هنا بالطبع إلى المقدسيين، الذين سيستفيدون من ذلك بتخفيف الضغط الإسرائيلي عليهم وإنهاء عزلتهم في مواجهة الاحتلال.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي