ارتفاع المؤشرات الاقتصادية التركية (Others)

أدت حاجة المستثمرين والمقترضين إلى سد فجوة المعلومات الموجودة لديهم، والرغبة في توفير معلومات سهلة الفهم وموجزة وموثوقة حول مستوى المخاطر في إقراض الحكومات والمؤسسات والشركات والأفراد، إلى إنشاء شركات خدمات المعلومات الائتمانية في منتصف القرن التاسع عشر، وانتشر بعد ذلك تصنيف الحكومات والمؤسسات والسندات على نطاق واسع.

وبحلول عقد التسعينيات من القرن الماضي، ازداد نشاط التصنيف الائتماني، وتعددت أنواعه، وأصبح عديد من الوكالات المحلية والإقليمية والعالمية تنفّذ عملية التصنيف وإصدار درجات الجدارة الائتمانية، لا سيما بعد الانتشار الواسع للعولمة المالية التي أثرت بشكل كبير في أداء القطاع المصرفي والمالي، وفي ظل حرية حركة رؤوس الأموال وظهور الأزمات المالية على المستوى الدولي.

وأبرز الوكالات الائتمانية المتخصصة في تقييم الجَدارات الائتمانية وكالة "موديز لخدمة المستثمرين"، ووكالة "ستاندرد آند بورز"، اللتان تسيطران على أكثر من 80% من الحصة السوقية العالمية، ثم وكالة "فيتش" التي تشغل المركز الثالث. وتمارس الوكالات الثلاث أنشطتها التقييمية بصورة دورية في ما يزيد على 100 دولة حول العالم، وتسيطر ثلاثتها على ما يتراوح بين 90 و95% من سوق إصدار الديون في العالم.

وتُظِهر درجة التصنيف الائتماني مدى قدرة دولة أو مؤسسة ما على خدمة ديونها (الفوائد والأقساط المترتبة عليه) في ظل الالتزامات المالية الحالية والمستقبلية بشكل كامل وفي الوقت المحدد، فيعني التصنيف الائتماني المرتفع قدرة الدولة أو المؤسسة على الإيفاء بالتزاماتها، فيما يعني المنخفض وجود احتمال أن لا تستطيع الدولة الوفاء بالتزاماتها، وبناء على التصنيف تتخذ الدول والمستثمرون والبنوك قراراتها بشأن التعامل مع الدولة صاحبة التصنيف.

وفي نهاية يناير/كانون الثاني الماضي أبقت وكالة "ستاندرد آند بورز الدولية للتصنيف الائتماني" تصنيفها الائتماني لتركيا مع نظرة مستقبلية مستقرة، إذ ثبّتت التصنيف للعملة الأجنبية عند "B+"، وهو ما يعني أن الأوضاع المالية تتحسن بشكل ملحوظ، وبالعملة المحلية عند "BB-"، وهو ما يعني أن الاقتصاد أكثر عرضة للتغييرات.

ورجعت الوكالة هذا التثبيت إلى نجاح الاقتصاد التركي في تجاوز محنة كورونا، لا سيما بتحقيقه معدَّل نمو قدّرته بنحو 0.9% في2020، بفعل تحفيزات القروض المحلية، وذلك علي الرغم من تداعيات فيروس كورونا المستجد، كما رجّحت توقع تسجيل معدلات النمو هذا العام 3.6%، وفي 2022 ستبلغ 3.5%، وفي 2023 و2024 سيكون 3.3%.

ولفتت الوكالة الانتباه إلى إقدام تركيا على تغيير سياساتها النقدية بشكل كبير مع نهاية 2020، وأشادت باتّباعها السياسة النقدية المتشددة، والرفع المتوالي لأسعار الفائدة، وهي الخطوات التي ستساعد بشكل كبير على السيطرة على معدلات التضخم التي ظلت مرتفعة طوال العامين الماضيين.

ويأتي هذا التثبيت للتصنيف الائتماني في وقت شديد الأهمية للاقتصاد التركي الذي يسعى للبناء على الخطوات الإيجابية التي حقّقها في مواجهة أزمة كورونا وخروجه منها بأقلّ الأضرار، واستعداده للانطلاق من جديد خلال الفترة المقبلة، إذ ستعطي تلك الشهادة بالجدارة الائتمانية الإشارة الخضراء للمستثمرين حول العالَم بالوضعية الاقتصادية الكلية المستقرة، التي شكّكَت فيها التقلبات الأخيرة لليرة.

وخلال الأشهر الأخيرة وبفضل النهج الجديد للسياسة النقدية التركية عادت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية بوتيرة مرتفعة، فخلال الفترة ما بين منتصف نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، ومنتصف يناير/كانون الثاني، تدفق ما يزيد على 15 مليار دولار إلى الأصول التركية، مع تنبؤات بتضاعفها بحلول منتصف العام.

كما انتعشت ملكية السندات الأجنبية في الأشهر الأخيرة بنسبة تتجاوز 5% لتصل إلى 3.5%، على الرغم من كونها لا تزال أقلّ بكثير من معدل الـ20% الذي بلغته منذ أربع سنوات، ونتجت عودة التدفقات من تعهدات الإصلاح التي أعلنها الرئيس أردوغان، ووعوده بعصر جديد صديق للسوق.

ووَفقاً لمعهد التمويل الدولي تُعتبر تقييمات الأصول والمعدلات الحقيقية في تركيا من أكثر التقييمات جاذبية على مستوى العالم، وقد رُفعَت هذه التقييمات بسبب موجة التفاؤل التي أحدثتها لقاحات الفيروس المستجد والانتعاش الاقتصادي الذي دفع تدفقات الأسواق الناشئة إلى أعلى مستوى لها منذ الربع الأخير من عام 2013، وجاءت تركيا في مقدمة هذه الأسواق.

لا شك أن تثبيت التصنيف الائتمانى يسهم فى زيادة درجة الثقة بقدرات الاقتصاد التركي، ويدعم جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، ويخفض أيضًا تكلفة التمويل للاستثمارات المالية المتدفقة إلى البلاد، ولكن ذلك لا يعني عدم حاجة البلاد إلى مزيد من الإصلاحات الاقتصادية لتحسين الأوضاع الاقتصادية، بخاصة للفئات الأكثر تضرُّراً من تداعيات الإغلاق.

تحتاج تركيا خلال الفترة القادمة إلى إجراءات هامة تتضمن استقرار سعر صرف الليرة، ونقاشات هامة وهادئة حول العمالة في تركيا من زوايا عدد ساعات العمل التي هي من بين الأكبر في العالم، ومن زاوية الأجور التي باتت لا تكفي لتحقيق المستوى المعيشي اللائق، وكيفية عدم تضرُّر الصادرات جراء هذا الرفع الذى سيزيد التكاليف، وبالتالي أن يقلّل القدرات التنافسية للسلع التركية، ومن زاوية ثالثة كيفية رفع القدرات الإنتاجية للعمالة المحلية، فضلاً عن إنتاج التكنولوجيا وتوطين المستوردة منها.

التنمية الاقتصادية عملية ديناميكية مستمرة تحتاج دائما إلى التطوير والتكيف مع المستجدات والطوارئ، لا سيما في ظلّ منهج الاقتصاد الرأسمالي المسكون بالأزمات، وقد اتخذت السلطة التركية إجراءات حاسمة ساعدتها على الخروج من أزمة كورونا بأقلّ الأضرار، وهو الأمر الذي ساهم في تثبيت التصنيف الائتماني للدولة، ولكن يجب مراعاة أن التنمية الاقتصادية من الإنسان وإلى الإنسان.

تبقى المؤشرات الاقتصادية من معدلات النمو إلى التصدير وغيرهما من المؤشرات، بما فيها التصنيف الائتماني، ذات أهمية كبرى، ولكن المؤكد أن معاش الناس هو الهدف الرئيس لهذه المؤشرات، وأغلب الظن أن الإدارة التركية كعادتها ستتخذ من الإجراءات القريبة ما يحسّن هذا المعاش، بخاصة للطبقات الفقيرة التي كانت ولا تزال تحظى برعاية خاصة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي