الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب أورهان باموق (Others)

في هذا الإطار يمكننا أن نقرأ فوز الكاتب التركي أورهان باموق (المولود 1952) بجائزة نوبل في عام 2006. فوز باموق كان له أثر كبير ليس فقط لناحية التعريف به، ولكن أيضاً لتشجيع القراء على تعرّف الأدب والرواية التركية.

مفارقات هذه الجائزة لا تنتهي، فقد فازت بها العام الماضي الشاعرة الأمريكية لويز غلوك التي لم تكن معروفة بشكل واسع خارج حدود الولايات المتحدة، كما لم ينجح فوزها بالجائزة العالمية في إكسابها الشهرة اللائقة.

الأغرب من قصة لويز غلوك كان فوز النمساوي بيتر هاندكه في العام الأسبق، وهو الكاتب الذي تسبب فوزه في جدل كبير بسبب مواقفه المؤيدة للزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش الذي قاد المجازر ضد مسلمي البوسنة. هاندكه كان ذهب إلى أبعد من ذلك منكراً حدوث مجازر أو إبادات جماعية من الأساس.

أورهان باموق كان أيضاً مثيراً للجدل، فحتى حصوله على جائزة نوبل لم يكن مقروءاً بشكل كافٍ داخل تركيا، فضلاً عن خارجها، أما بعد حصوله على الجائزة فقد ظل هنالك حاجز بينه وبين القراء ربما بسبب طريقته في الكتابة أو لغته أو موضوعاته، حتى إن ناقداً مثل ألبر ياجي الأكاديمي بجامعة البوسفور كان يصرح قائلاً: إنه "من الصعب العثور على قراء لباموق في تركيا".

رواية اسطنبول الذكريات والمدينة تعتبر واحدة من أكثر الروايات التي أخذت صدى كبيراً في العالم العربي (Others)

في مقاله المنشور العام الماضي على موقع الجزيرة نت تحت عنوان "غرابة في عقلي: لماذا لا يحب القراء الأتراك أديب نوبل أورهان باموق؟" يحاول عمران عبد الله الإجابة عن هذا السؤال المحير من خلال استعراض عدد من الآراء، أبرزها ما كتبه الناقد الأمريكي آدم كيرش في كتابه "الرواية العالمية"، حينما كان يستشهد بباموق كأديب انطلق إلى العالمية من خلال تناول ما هو محلي.

لكن كيرش اعتبر باموق معبراً في كتاباته عن المخاوف الغربية من تركيا الحديثة التي بدأت تستعيد صورتها المحافظة التي تخلت عنها بشكل قسري بداية القرن العشرين.

ربما لا يمكن فصل الأدب عن السياسة حين يتعلق الأمر بباموق الذي أدلى في عام 2005 بتصريح تسبب في أزمة في الأوساط الأدبية، حينما تحدث عن إبادة الأرمن متبنياً وجهة النظر الغربية المتهمة لتركيا.

باموق الذي كان يتحدث لصحيفة نانيس أنتسايغر السويسرية قال: إن "مليون أرمني وثلاثين ألف كردي قد قُتلوا هنا". وهو التصريح الذي جعل أصحاب الاتجاه القومي يوجهون إليه تهمة الخيانة الوطنية بسبب الحساسية التي ترتبط بهذا الموضوع عند الأتراك. الأمر لم يتوقف هنا، حيث وجد الكاتب نفسه معرضاً للمحاكمة بتهم مثل الإساءة إلى الدولة.

تلك كانت الأجواء التي حصل فيها باموق على الجائزة التي تعد أرفع وسام أدبي عالمي. شعر البعض بأن باموق يستحق هذه الجائزة بسبب طريقته الفريدة في الكتابة وموضوعاته، لكن كثيرين كانوا يرون أن الأمر يتجاوز النقاش الأدبي ويدخل في إطار نظرية المؤامرة التي تجعل الأمر يبدو وكأنه محاولة لإغاظة الجمهورية التركية، عبر إلقاء الضوء على كاتب هو من نقاد الإيديولوجيا الحاكمة ومسلماتها وعلى رأسها موضوع القضية الأرمنية وهوية الدولة.

لم يكن باموق متهرباً من تهمة تسييسه للأدب، ولم يكن يجد غضاضة في التعبير عن الرأي السياسي. وكما قال في مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية في عام2015: "لا يمكن تفادي السياسة، وأنا لا أعرف في كثير من الأحيان كيف أغلق فمي".

بين كل هذه المتناقضات يمكن أن تكون هناك قراءات أكثر موضوعية لباموق، فالأكيد أن فوزه بالجائزة كأول كاتب تركي مثّل حالة من الاعتراف بإبداع ذلك البلد، كما مثّل محاولة لخلق حالة جديدة من التواصل مع العالم الغربي في وقت بدت فيه السياسة عاجزة عن تحقيق أي اختراق.

أكاديمية نوبل كانت تقررفى خطاب إعلان الجائزة أنه "فى بحثه عن روح مدينته الحزينة اكتشف باموق رموزاً جديدة لتضافرالحضارات". هذه ملاحظة جيدة فربما حاول باموق أن يعمل على تقريب الحضارات بحسب رؤيته وقراءته التي لا يجب أن تكون بالضرورة متسقة مع رؤية السياسيين.

للإنصاف يجب القول بأن مشروع باموق الأدبي يتسم بالاتساع وطرح سؤال الهوية، فالكاتب لم يكن منفتحاً فقط على العالم، بل كان أيضاً متشرباً آثار بلاده القديمة، فتجد في كتاباته استشهادات قرآنية، كما تجد آخر صيحات المدارس الروائية الغربية. هو يحدثك عن إسطنبول بفخر في مجموع مؤلفاته، لكن دون أن يحاول معاداة الآخر بغض النظر عن كون ذلك الآخر شرقياً أو غربياً.

هذا هو ما عبّر عنه اتحاد الناشرين الألمان وهو يحتفل به حينما فاز بجائزة السلام في عام 2005" كاتباً يقتفي أكثر من أي كاتب معاصر آثار الغرب التاريخية في الشرق، وآثار الشرق التاريخية في الغرب".

لم تكن هذه هي الجوائز الوحيدة التي حصل عليها باموق، فقد سبق أن حصل على 11 جائزة تركية وعالمية، وهو ما يجعل الحديث عن كونه مفتقراً إلى الموهبة، أو كونه تحصل على هذه الجائزة مجاملة على أفكاره، غير موضوعي.

روايات باموك التي اشتهرت في العالم العربي كان منها "جودت بك وأولاده" و"القلعة البيضاء" و"اسمي أحمر" (Others)

يعتبر سؤال الهوية حاضراً في أعمال باموق الذي تتمحور مؤلفاته حول الجهود التركية من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والتجاذب الذي يرافق هذه الخطوة أو الذي يكون مؤلماً في غالب الأحيان بالنسبة إلى المجتمع والأفراد على حد سواء.

محبو باموق لا يرون أنه غارق في حب أوروبا أو واقع ضحية لصدمة حضارية، بل يرون أن ما كان يهمه، على الرغم من نشأته البرجوازية وانتمائه إلى عائلة من المثقفين الفرانكفونيين، هو تركيا وذلك الشعب البسيط الذي أحبه، كما يرون أن ذلك هو انتماء باموق الوحيد الذي يظهر بوضوح في جميع رواياته التي تستحق التوقف والتحليل، خاصة أنها ساهمت في تقديم الأدب التركي للعالم.

روايات اشتهر منها "جودت بك وأولاده" و"القلعة البيضاء" و"اسمي أحمر" التي ترجمت إلى الكثير من لغات العالم والتي يراها البعض الأكثر تميزاً إضافة إلى عمليه "غرابة في عقلي" و"إسطنبول".

في العالم العربي أيضاً لم يحظ باموق بشهرة كافية رغم ترجمة أعماله بعد حصوله على نوبل، ويمكن تفسير ذلك في إطار الحواجز الثقافية التي ظلت تفصل بين الأدباء والقراء في تركيا والعالم العربي، والتي تحاول كثير من المؤسسات اليوم تكسيرها وخلق حالة أكثر من التواصل والانفتاح بين الثقافتين المتجاورتين واللتين تحملان كثيراً من المشتركات.

من اللافت هنا أن كثيراً من المثقفين العرب قرؤوا لكتّاب أتراك بعد ترجمة أعمالهم للغات أخرى كالفرنسية مثلاً، وقد ساهمت مثلاً الترجمة الفرنسية لأعمال انجي أرال على تعرّف كثير من الفرانكفونيين العرب على هذه الكاتبة التي حصلت في عام 1983 على جائزة صور كران للقصة، كما تعرف العالم على مصطفى نجاتي سبتجي صاحب الروايات التاريخية والمسرحيات التي نالت إحداها جائزة الجامعات الأوروبية.

تحمس القارىء الأوروبي كذلك لترجمة أعمال كتاب مثل يشار كمال ونديم ورسال الذي كان يعمل رئيساً لأبحاث الأدب التركي لدى المركز الوطني للأبحاث العلمية الفرنسية، كما تحمس الأوروبيون لكتب مثل "هؤلاء الأتراك المتهورون" لتورغوت أوزاكمان الذي نافس الإصدارات الأوروبية بعد أن عُدّ من أكثر الكتب قراءة وتوزيعاً. كل هذه أعمال لم يترجم، للأسف، إلا القليل منها إلى اللغة العربية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي