بدا الموقف محرجاً لأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، عندما أعربت عن حيرتها بشأن مكان جلوسها في حضرة الرئاسة التركية.

أظهرت واقعة مقعد الجلوس، في الثامن من أبريل/نيسان، أنّ الأمر يتعدّى بالنسبة إلى بعضهم في أوروبا إشكالية بروتوكولية، فالزيارة جاءت في سياق إشكالات في العلاقات التركية-الأوروبية أساساً.

من ذلك أنّ رئيس الحكومة الإيطالية ماريو دراغي انبرى سريعاً للتعليق على موقف المقعد بنعت الرئيس التركي بـ"الديكتاتور". يقود دراغي حكومة هشّة في إيطاليا تتقاذفها قوى شعبوية في بلد تتميّز سياسته الخارجية أساساً بالتقلُّب حتى نحو تركيا.

أطلق موقف المقعد العنان لتأويلات متعددة نبع بعضها من خيالات خصبة، فبعض التعليقات الأوروبية في مواقع التواصل اعتبرته "تمييزاً بحقّ النساء" لمجرَّد أن رئيسة المفوضية الحالية امرأة، مع ربط ذلك بخروج تركيا مؤخراً من "اتفاق إسطنبول" المتعلق بالعنف ضد المرأة.

لكنّ هذا الموقف، وإن لم يكن مقصوداً، يوحي بأنّ القيادة التركية لم تعُد متحمِّسة لاسترضاء الشركاء الأوروبيين، وقد تأكّد هذا بوضوح خلال جولات تسخين متبادلة في السنوات الماضية تبدّلت فيها النبرة التركية عمّا كان معهوداً منها من قبل.

واقع الحال أنّ تركيا شريك وثيق لأوروبا في الواقع وليست مجرد بلد بالجوار، وإن لم يُعترَف بهذه الشراكة أحياناً أو لم تُمنَح التقدير الكافي. تمتدّ هذه الشراكة عبر تشابكات اقتصادية وتجارية ودفاعية واستراتيجية مستقرّة، علاوة على دخولها ملفات حسّاسة مثل إمدادات الطاقة وعبور اللاجئين.

وقد وجدت تركيا مقعدها مبكّراً في حلف الأطلسي دون أن يُسمَح لها بدخول الرواق الأوروبي. يعني ذلك ببساطة أنّ تركيا تشارك بجيشها الجرّار في المظلة الدفاعية التحالفية التي تعتمد عليها أوروبا.

يكشف بعض الإحراجات البروتوكولية، كما في واقعة مقعد الجلوس، عن مشكلات أعمق أحياناً، وهي في حالة العلاقات الأوروبية-التركية ذات خلفيات معنوية أيضاً. لم تجد المفوضية الأوروبية مقعداً في الصدارة إلى جانب الرئيس أردوغان كما كانت تتوقّع، لكنّ تركيا ذاتها لم تجد مقعداً في الاتحاد الذي طرقت بابه قبل ثلثي قرن تقريباً (1959)، وجرى منحها أفقاً للعضوية سنة 1963، علاوة على أنها في الأساس عضو في مجلس أوروبا الذي يضمّ بلدان القارة الجغرافية.

تبَلْوَر الاتحاد وتعاظمت هياكله، وانضمّت عشرات الدول إليه من بعد، ومنها دول في الكتلة الشرقية السابقة. كان ممن التحق بأوروبا الموحدة بلغاريا ورومانيا المحاذيتان لتركيا، وكذلك الجزيرة القبرصية المحاذية لبلاد الشام، ومالطا المواجهة لليبيا، وجزر "أوروبية" قرب تونس والسنغال، وغيرها، لكنّ تركيا ذاتها بقيت استثناءً عالقاً في غرفة الانتظار.

شهد العقد الأول من القرن الحالي تقدُّماً ملحوظاً في مفاوضات انضمام أنقرة إلى الأسرة الأوروبية، جرى هذا تحديداً في عهد حزب "العدالة والتنمية" الذي وقع تشديد النكير عليه من بعد في خطابات أوروبية. لكنّ اتجاه الريح انعكس مع صعود المحافظين إلى مواقع الحكم في بعض الدول الأوروبية، ثمّ اشتدّت العواصف والرعود مع تقدُّم أقصى اليمين، وتفاقمت حملات شعبوية استعملت اسم تركيا وشاراتها في حملات تسخين انتخابية تعهّدت بعدم السماح بعضويتها في الاتحاد الأوروبي.

لم تكن تركيا خلال ذلك بمنأى عن أوروبا بالمنظور الأمريكي، فهي عضو في حلف الأطلسي، ومشمولة بخطة مارشال أيضاً، حتى إنّ ملصقاً دعائياً أمريكياً أدرج العلم التركي ضمن رايات دول أوروبا المستفيدة من خطة مارشال مع عبارة "مهما كانت الريح .. فإننا وحدنا نصل إلى الرفاه معاً". سبقت ذلك مواد إعلامية وفيرة مجّدت قادة ألمانيا وتركيا والنمسا خلال الحرب العالمية الأولى بمقتضى الآصرة التحالفية بينها.

وقعت على الجانب الأوروبي الآخر إعادة تعريف انضمام تركيا إلى أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة، فصارت هذه العضوية في بعض الخطابات السياسية والإعلامية عبر القارّة كأنها بمثابة "استيعاب الإسلام في رواق مسيحي"، فيما يقع التذرّع بـ"القيم الأوروبية" لتبرير الإقصاء.

دأبت هذه الخطابات على استدعاء التاريخ بصفة انتقائية فجّة، مثل "العثمانيين عند أسوار فيينا"، مع التغافل عن محطات تاريخية تحالفية وثقى بين العثمانيين أنفسهم وأطراف أوروبية، بما فيها أسرة هابسبورغ التي حكمت فيينا ذاتها.

من شأن الأبعاد الثقافية والنفسية أن تَحُول دون الاستعداد لرؤية دور تركي فاعل متجاوز للحجم الذي تَقلَّص إليه بعد تقويض الدولة العثمانية. من شأن هذه النزعة أن تتفاقم كلّما تمدّد الحضور التركي وأظهر قدرات متزايدة على إدارات علاقات دولية تمضي بثقة فوق حبال مشدودة بين محاور متناقضة، مثل العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا، أو كلّما كسبت تركيا موطئ قدم ضمن علاقاتها المتوسطية والأورو-آسيوية وحتى الخليجية.

تحاول الجبهة المناوئة لأنقرة داخل الاتحاد الأوروبي تسخين الموقف وجرّ الأسرة الأوروبية خلفها. تتصدّر فرنسا المشهد في هذا الشأن بعد أن صارت تتصرّف كأنها ترى في تركيا نقيضاً أو منافساً لمصالحها في ساحات وملفات عدّة، بصفة تثير الانتباه قياساً بأزمات الجوار التقليدية بين أثينا وأنقرة.

واقع الحال أنّ أوروبا، أو بعض أطرافها على وجه التحديد، لا تبدو مستعدة للقبول بدور تركي مكافئ أو بشراكة ندِّية. لا تعبِّر نزعة الانغلاق الأوروبية هذه إزاء تركيا عن رُشد استراتيجي، فاستيعاب الشريك التركي كلياً أو نسبياً فيه تعضيد نوعي للبنيان الأوروبي، بخاصة بعد الخسارة الجسيمة المتمثلة بخروج بريطانيا من الاتحاد، ومع الحاجة المتزايدة إلى تعزيز ثقل أوروبا في عالم متعدد الأقطاب. يزهد بعضهم بهذا المكسب بذرائع ضيقة الأفق، مثل التمسك بهوية أوروبية متوهَّمة، أو الرضوخ لعقد تاريخية، أو خشية المنافسة الداخلية في القرار الأوروبي، وهذا ما يفسِّر التحسُّس الشديد من تركيا الذي يُفصِح عنه بعض المواقف.

إنّ المؤكَّد على نحو مجرَّد أنّ ذهاب تركيا بعيداً عن أوروبا لا يخدم القارة في حقيقة الأمر، ولا يُلغي في الوقت عينه حضور أنقرة الصاعد وعلاقاتها المتعددة حتى مع أعضاء الأسرة الأوروبية، وهذا ما تدركه رئيسة المفوضية الأوروبية ذاتها، عندما أكّدت من أنقرة السعي إلى "شراكة صادقة" مع تركيا، متجاهلة الإحراج البروتوكولي الذي فوجئت به.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي