أعلنت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية التعبئة العامة ودعت إلى نفير عامّ واسع النطاق، وإلغاء وقف إطلاق النار بعد التقدم الذي حقّقته جبهة تحرير التيغراي على الأرض.  (AFP)

وجاء احتفال تنصيبه الباذخ في البرلمان، ردّاً من جانب آبي أحمد على المتسائلين عن شرعيته، وعلى رأسهم جبهة تحرير شعب تيغراي المنخرطة في حرب ضد الحكومة المركزية.

وكان آبي أحمد الذي تَقلَّد منصب رئيس الوزراء في العام 2018 لأول مرة، يُنظر إليه كمنقذ لإثيوبيا من أزماتها، كما أن الأشهر الأولى شهدت إصلاح العلاقات مع المعارضة وتوقيع اتفاق سلام مع إريتريا عام 2018، الأمر الذي رشّحه لجائزة نوبل للسلام ونيلها في عام 2019.

لكن سرعان ما ضربت إثيوبيا اضطرابات عرقية، وتراجع اقتصاد البلاد، واندلعت نيران حرب أهلية مدمرة بإقليم تيغراي في الشمال.

تجدُّد الحرب في إقليم التغراي

انتقل الصراع في شمال إثيوبيا من إقليم تيغراي إلى إقليم أمهرا، في مشهد جديد يجسّد التنافس التاريخي بين قوميتي الأمهرا والتيغراي، وهو تنافس قديم وليس بجديد على المشهد السياسي الإثيوبي، فالعداوة بين القوميتين لديها جذور ضاربة في القدم، ولكن حاليّاً تقترب بسرعة من حرب كبرى قد تنتهي بكارثة حقيقية، تهدّد بقاء الدولة في إثيوبيا.

وبينما تتبادل الحكومة الفيدرالية الإثيوبية الحالية المدفوعة بتوجهات القوميين الأمهرا، وجبهة تحرير تيغراي، الاتهامات بالمسؤولية عن بدء الصراع القائم، لا يبدو هناك أفق لتسوية الأزمة، لا سيما بعد أن حقّق التيغراي انتصارات مهمة في مواجهة الجيش الإثيوبي، وبدؤوا استعادة التفوق العسكري وزاد طموحهم لاستعادة مكانتهم التي أفقدهم إياها رئيس الوزراء آبي أحمد منذ وصوله إلى السلطة.

الحكومة الإثيوبية تعلن التعبئة العامة والنفير الشعبي

تعود الحكومة الإثيوبية مجدداً لإعلان التعبئة العامة، بعد أن كانت قد أعلنت في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نهاية الحرب، إثر السيطرة على عاصمة إقليم التيغراي ميكيلي، إذ اتّخذت الآن الحرب منعطفاً مفاجئاً في يونيو/حزيران عندما استعادت قوات موالية لجبهة تحرير شعب تيغراي ميكيلي، في وقت انسحبت فيه القوات الإثيوبية من القسم الأكبر من المدينة.

أعلنت الحكومة الفيدرالية التعبئة العامة ودعت إلى نفير عامّ واسع النطاق، وإلغاء وقف إطلاق النار بعد التقدم الذي حقّقته جبهة تحرير التيغراي على الأرض، ودعت الحكومة الجيش الإثيوبي إلى التصدي لمحاولات الجبهة، التي صنّفها البرلمان الإثيوبي قبل أشهرٍ "منظمة إرهابية"، وذهب رئيس الوزراء إلى أكثر من ذلك إذ طالب كل من بلغ سن 18 من مواطنيه بأن يلتحق بالقوات الخاصة، ووصف بيان صادر من مكتب رئيس الوزراء الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي بأنها أصبحت حليفة لأعداء إثيوبيا، الذين لم يسمِّهم.

وكانت جبهة إقليم التيغراي قد شنّت هجوماً دامياً في إقليم عفر مخلفاً 240 قتيلاً مدنياً من بينهم 107 أطفال، والضحايا حسب تقرير منظمة اليونيسف جُلُّهم من العائلات النازحة من إقليم عفر وما جاوره. كذلك قامت جبهة تحرير التيغراي بشنّ هجوم على الحكومة الفيدرالية، مما جعل الصراع الدامي يتصدر المشهد السياسي والأمني الإثيوبي خلال تسعة الأشهر الماضية.

ومنذ اندلاع الصراع في إقليم التغراي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قُتل الآلاف ونزح نحو 300 ألف، وتحذر الأمم المتحدة من أن نحو 400 ألف في إقليم التيغراي يواجهون شبح المجاعة، كما عبر أكثر من 55 ألف لاجئ الحدود إلى داخل السودان.

ولا يدري أحد كيف تكون المآلات مع تجدُّد القتال، وقال المتحدث باسم منظمة "بوريس تشيشيركوف" (العاملة في مجال الغوث الإنساني) في تصريح في جنيف، إن "معارك عنيفة في المنطقة منعت موظفي المفوضية من الوصول إلى النازحين وتسليم المساعدة الطارئة لمخيَّمَي أدي هاروش وماي، للاجئين الـ23 ألفاً الموجودين فيهما.

وأضاف المتحدث باسم المفوضية أنه "رغم ذلك، يبقى الوصول محدوداً بسبب الوضع الأمني المعقَّد وغير المستقرّ، ولا يزال اللاجئون يواجهون ظروفاً معيشية صعبة". وطلبت المنظمة إنشاء ممر آمن من أجل السماح بنقل اللاجئين من ماي عيني وأدي هاروش إلى موقع اليمواش الجديد قرب مدينة دابات الواقعة خارج إقليم تيغراي. في وقت تكرر فيه جبهة تحرير شعب تيغراي القول إنها لا ترغب في السيطرة على أراضي أمهرة وعفر، وإنما تريد تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المنطقة وتجنُّب أن تعيد القوات الموالية للحكومة تجميع صفوفها.

تأثيرات الحرب الإقتصادية على إثيوبيا

نتيجة لتفاقم التداعيات الاقتصادية للحرب، اتخذ البنك المركزي الإثيوبي في 12 أغسطس/آب 2021، خطوة استباقية أولية، بتجميد جميع التعاملات في ما يتعلق بالقروض والتحويلات، بالإضافة إلى وقف جميع عمليات الاستيراد المباشر من الخارج، بعد ارتفاع سعر الدولار الموازي من 52 بر إلى 75 بر، الذي أعقب إعلان الحكومة التعبئة العامة للقتال ضدّ جبهة تحرير تيغراي. تأتي هذه الإجراءات على خلفية أوضاع اقتصادية صعبة تعاني منها إثيوبيا منذ شهور في ظل ارتفاع أسعار الموادّ الغذائية، مما اضطرّ أعداداً كبيرة من المواطنين إلى النزوح الداخلي خوفاً من شبح مجاعة، كما اضطُرّت الحكومة الإثيوبية عبر سفاراتها في الخارج إلى مطالبة جميع الإثيوبيين بدفع تبرعات مالية إجبارية، وسط ضغوط كبيرة تتعرض لها أديس أبابا. بالإضافة إلى ذلك يعمل البنك المركزي على دعم الحكومة الإثيوبية لتعزيز وجودها على المستويين الداخلي والخارجي، بخاصة بعد أن مارست واشنطن ضغوطاً متزايدة عبر الكونغرس وإدارة جو بايدن لوقف العنف في تيغراي.

تأثيرات الحرب على دول الجوار

بات واضحاً أن تصميم الحكومة الإثيوبية على تنحية الأدوات السلمية جانباً ومحاولة حسم الحرب في إقليم تيغراي بالوسائل العسكرية، سيقود المنطقة إلى تداعيات وخيمة، تتجاوز مسألة نزوح اللاجئين التقليدية، وقد تصل إلى حدّ التدخل المباشر، بحكم التشابكات العرقية والسياسية والأمنية في المنطقة.

وحذرت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي أخيراً من احتمال امتداد القتال إلى مناطق أخرى في إثيوبيا، وزعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي برمتها، وهي إشارة تنطوي على دلالة بالغة بأن الحرب يمكن أن تقود إلى خلط أوراق كثيرة في إقليم يعاني من هشاشة كبيرة في الأمن والاستقرار، ولم يتمكن من تجاوز حروبه السابقة

إثيوبيا.. إلى أين؟

في سياق متصل، أثار انخراط مليشيات محلية إثيوبية جديدة في الصراع الكثير من المخاوف إزاء تعرُّض الإقليم لكارثة المجاعة، وللمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، بل وخروج الأمر عن السيطرة، كما أن هنالك تدخلات مباشرة من الجارة إريتريا في النزاع. ولا يبدو أن هنالك أفقاً للتهدئة، وتخشى دول الجوار من عدم وجود إرادة لذلك، وقد أدت تصريحات آبي أحمد الأحد الماضي إلى تغذية هذه المخاوف، إذ استخدم كلمات مثل "المخدرات" و"السرطان" و"المرض" في إشارة إلى جبهة تحرير التيغراي، مما اعتُبر خطاباً يعمّق الإنشقاق والكراهية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً